حين وقف نيكولاس مادورو في قاعة المحكمة الفدرالية في نيويورك ليقول: «أنا رئيس فنزويلا وأعتبر نفسي أسير حرب»، لم يكن يصف حالته الشخصية فقط، بل كان يضع العالم أمام سؤال وجودي: هل ما زال هناك قانون دولي يحمي حصانة الرؤساء وسيادة الدول، أم أن معيار القوة حلّ محل الشرعية؟ اختطاف رئيس دولة ذات سيادة ومحاكمته خارج حدود بلاده ليس مجرد حادثة، بل هو إعلان صريح عن انهيار المنظومة القانونية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، ودخول مرحلة جديدة تُدار فيها العلاقات الدولية بمنطق القوة.
مشهدية المحكمة.. أسير حرب في قفص الاتهام
اقتيد مادورو وزوجته من سجن فدرالي إلى محكمة مانهاتن، حيث عرّف نفسه بصفته السياسية لا القضائية، مؤكداً أنه رئيس فنزويلا وأسير حرب. رفض تلاوة لائحة الاتهام، معلناً أنه سيقرأها بنفسه، ومؤكداً براءته. اللائحة الأميركية أعادت تدوير اتهامات قديمة وأضافت أسماء جديدة بينها زوجته، لتتحول إلى منصة ضغط قانونية تُكمّل الضغط العسكري والإعلامي. أبقى القاضي مادورو وزوجته رهن الاحتجاز وحدّد جلسة لاحقة في 17 أغسطس/ أذار. خارج القاعة، كان الجدل محتدمًا: هل يمكن قانونًا محاكمة رئيس مخطوف؟ وأين تقف الأمم المتحدة ومجلس الأمن من هذا الانتهاك الصارخ لحرمة السيادة والحصانة الدولية؟
القانون الدولي في محكٍّ وجودي
القانون الدولي العام يمنح رؤساء الدول حصانة شخصية وموضوعية تُحظر بموجبها ملاحقتهم جنائياً في ولايات قضائية أجنبية وهم على رأس السلطة، ويُحظر استعمال القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية خارج الأُطر المنصوص عليها في الميثاق. في حالة مادورو، تتداخل ثلاثة انتهاكات بنيوية: انتهاك مبدأ عدم استعمال القوة عبر عملية اختطاف خارجية؛ انتهاك الحصانة الشخصية لرئيس دولة؛ وإخضاعه لإجراءات قضائية داخل منظومة قانونية وطنية لا تملك ولاية على رأس دولة أجنبية محصنة.
تاريخياً، حتى في الحالات القصوى المرتبطة بجرائم دولية، كان المسار يمر عبر آليات دولية (محاكم خاصة، مجلس الأمن، أو المحكمة الجنائية الدولية)، وليس عبر محكمة فدرالية في دولة أخرى تنتزع سلطة محاكمة رئيس دولة ذات سيادة. من هنا، يصبح القول بأن «القانون الدولي نُسف» توصيفاً أقرب إلى الدقة منه إلى المبالغة. ذلك أن منظومة ما بعد 1945 قامت على التزام قواعد مشتركة، وإذا انكسرت القاعدة الكبرى على يد أكبر اللاعبين، فإن كل المنظومة تتداعى لصالح قاعدة القوة.
منطق الحرب القانونية.. محاكمة أم أداة ضغط؟
اللائحة الأميركية ضد مادورو ليست جديدة؛ فقد بدأت عام 2020 باتهامات «إرهاب مخدراتي» و«التآمر لاستيراد الكوكايين». لكن تحديثها وإضافة أسماء جديدة، بينها زوجته وأفراد من عائلته، يكشف أن الهدف ليس العدالة بل الضغط السياسي. المحاكمة تتحول إلى أداة ضمن منظومة الحرب الشاملة: الإعلام يُشيطن، الجيش يقصف، القضاء يُجرّم، والعقوبات تخنق. هذه الحرب القانونية تُستخدم لإضفاء شرعية شكلية على فعل الاختطاف، لكنها في جوهرها تكشف أن القانون صار أداة سياسية بيد القوة المهيمنة.
مجلس الأمن.. لغة القانون في مواجهة لغة القوة
انعقاد مجلس الأمن بطلب من فنزويلا وكولومبيا يعكس إدراكًا لاتينيًا بأن ما حدث ليس حادثة ظرفية بل مسار تقويضي لأعراف دولية مستقرة. مندوب فنزويلا وصف الاختطاف بأنه «انتهاك مباشر للقانون الدولي» و«سابقة بالغة الخطورة»، مطالبًا بإلزام واشنطن باحترام حصانة الرئيس. لكن السؤال يبقى: هل يستطيع مجلس الأمن، وهو مشلول بفعل الفيتو الأميركي، أن يفرض احترام القانون؟ أم أن الاجتماع مجرد منصة لإظهار العجز الدولي أمام سطوة القوة؟
عقيدة مونرو بنسخة جديدة.. من التدخل العسكري إلى الحرب القانونية
اختطاف مادورو يعيد إلى الأذهان عقيدة مونرو التي كرّست الهيمنة الأميركية على القارة منذ القرن التاسع عشر. لكن النسخة الجديدة أكثر تعقيدًا: فهي لا تعتمد فقط على الانقلابات العسكرية أو الغزو المباشر، بل تدمج أدوات القانون والقضاء والإعلام والعقوبات في منظومة هجينة. بهذا، تتحول الحرب على فنزويلا إلى نموذج يُختبر فيه مدى قدرة واشنطن على إعادة فرض سيطرتها على «الفناء الخلفي» عبر أدوات متعددة، مع إظهار أن القانون الدولي مجرد قشرة تُستخدم حين تخدم مصالحها وتُهمل حين تعيقها.
أثر المحاكمة على الشرعية الدولية
حين تطالب واشنطن الصين باحترام القانون الدولي في تايوان، أو روسيا في أوكرانيا، فإن محاكمة رئيس مخطوف في محكمة أميركية تُحوّل خطابها إلى عبء عليها. الخصوم يلتقطون اللحظة ليقولوا: كيف تطالبوننا بما لا تلتزمون به؟ هذا التناقض يضعف الشرعية الأخلاقية للولايات المتحدة، ويمنح خصومها أوراقًا قوية في السجال الدولي. الأثر الأعمق هو أن الدول الصغيرة والمتوسطة قد تستنتج أن الرهان على القانون الدولي رهان خاسر، وأن بناء مناعات ذاتية وتحالفات بديلة أكثر جدوى.
محاكمة مادورو محاكمة القانون الدولي
ما يجري في نيويورك ليس محاكمة لرئيس فنزويلا فحسب، بل هو محاكمة للقانون الدولي نفسه. حين يُختطف رئيس دولة ذات سيادة ويُحاكم خارج بلاده، فإن الرسالة واضحة: القانون لم يعد مرجعية، بل القوة هي المرجعية. هذا التحول يفتح الباب أمام فوضى دولية، حيث يصبح كل رئيس وكل دولة عرضة للاستباحة إذا تعارضت مصالحها مع مصالح القوى الكبرى.
لكن في المقابل، قد تكون هذه اللحظة فرصة لإعادة بناء جبهة مقاومة، ليس فقط في فنزويلا بل في مجمل أميركا اللاتينية، لإعادة تعريف السيادة والردع في زمن البلطجة القانونية. بين قاعة المحكمة في مانهاتن وخطاب ديلسي رودريغيز في كاراكاس، يتحدد مستقبل القانون الدولي: إما أن يُستعاد عبر قوة الشعوب وتحالفاتها، أو أن يُدفن تحت أنقاض محاكمة رئيس مخطوف.
ختاماً المشهد الذي بدأ بعملية اختطاف رئيس في كاراكاس وتواصل بجلسته الأولى في مانهاتن، فتح باباً على أسئلة تتجاوز فنزويلا إلى شكل العالم الذي نعيش فيه. هل نحن أمام إعادة تدوير كاملة لعقيدة مونرو بنسخة هجينة تجمع القوة الصلبة بالقوة القانونية والإعلامية؟ هل تستطيع أميركا اللاتينية أن تتحول من ضحية تاريخية إلى جبهة مقاومة تُعيد تعريف السيادة والردع في زمن المنصات والعقوبات؟ وهل يستطيع القانون الدولي أن يستعيد وظيفته كأداة تنظيم للعلاقات أم أنه سيبقى قناعاً تُخفي وراءه القوى الكبرى ممارساتها؟