لم يعُد العدوان الصهيوني على غزة مقتصرًا على القصف والقتل المباشر، بل تمدّد إلى استهداف المؤسسات الإنسانية التي تُشكّل شريان الحياة الوحيد لملايين المدنيين المحاصرين. بعد حظر وكالة «الأونروا»، اتجهت سلطات الاحتلال إلى تصعيد جديد عبر وضع عشرات المؤسسات الدولية أمام خيارين: الخضوع التام لشروط أمنية مهينة، أو مغادرة القطاع وإنهاء عملها. هذه الخطوة ليست مجرد إجراء إداري، بل هي جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى تحويل غزة إلى منطقة غير صالحة للحياة، وتجريدها من أي دعم خارجي أو شهود دوليين على جرائم الاحتلال.
خنق المؤسسات الإنسانية.. ذريعة أمنية أم مخطط سياسي؟
القرار الصهيوني بعدم تجديد تراخيص نحو 43 مؤسسة إغاثية، بينها «أطباء بلا حدود»، يكشف عن نية واضحة للسيطرة الكاملة على العمل الإنساني. اشتراط تقديم قوائم بأسماء الموظفين الفلسطينيين لإخضاعهم لتدقيق أمني ليس سوى ذريعة لتقويض استقلالية هذه المؤسسات وتحويلها إلى أدوات تنفيذية تابعة للاحتلال. الادعاءات الصهيونية عن «تورط موظفين في أنشطة إرهابية» تفتقر إلى الأدلة، لكنها تُستخدم لتبرير سياسة الطرد والإغلاق. بهذا، يصبح العمل الإغاثي نفسه ساحة مواجهة، حيث يُفرض على المؤسسات أن تختار بين فقدان حيادها أو مغادرة غزة وترك المدنيين لمصيرهم.
من حظر «الأونروا» إلى استهداف المنظمات الدولية
الخطوة الأخيرة تأتي امتدادًا لقرار الاحتلال العام الماضي بحظر عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، بزعم مشاركة موظفين في عملية «طوفان الأقصى». هذا القرار منع الوكالة من تشغيل المدارس ونقاط توزيع المساعدات، وأوكل مهامها إلى مؤسسات بديلة لم تستطع تعويض الحد الأدنى من الخدمات. اليوم، يتكرر السيناريو مع بقية المؤسسات الدولية، في محاولة لتصفية قضية اللاجئين وإنهاء الالتزامات القانونية والأخلاقية للمجتمع الدولي تجاه الشعب الفلسطيني. استهداف الإغاثة ليس إذن مسألة أمنية، بل خطوة سياسية تهدف إلى ضرب حق العودة وتقويض أي إطار قانوني يحمي الفلسطينيين.
سياسة التجويع والاستنزاف.. الإبادة بأدوات غير عسكرية
لا يمكن قراءة القرار الصهيوني إلا في سياق سياسة الإبادة الجماعية التي تتخذ أشكالًا متعددة. فبعد القصف والقتل، يأتي التجويع والحرمان من الخدمات الأساسية كأداة لإخضاع السكان. المؤسسات الإغاثية نفسها أكدت أن منع عملها يشكّل «هجمة شرسة جديدة» تهدف إلى تشديد الحصار ومنع وصول المساعدات الطبية والغذائية، وتحويل غزة والضفة إلى مناطق غير صالحة للحياة. بهذا، يصبح الطرد الجماعي للمؤسسات الإنسانية جزءًا من مخطط أوسع لتدمير البنية المجتمعية الفلسطينية، وإرغام السكان على الاستسلام أو الرحيل.
البُعد الدولي.. طرد الشهود وتقويض الشرعية
العدو الصهيوني لا يستهدف فقط المساعدات المادية، بلي أيضًا إلى طرد الشهود الدوليين الذين يوثّقون جرائمه. وجود المؤسسات الإنسانية في غزة يُشكّل رادعًا نسبيًا، إذ يوفّر تقارير وشهادات تُحرج الاحتلال أمام المجتمع الدولي. لذلك، فإن سحب تراخيص هذه المؤسسات يهدف إلى عزل غزة إعلاميًا وقانونيًا، وإخفاء الانتهاكات عن أعين العالم. في ظل شراكة أميركية مباشرة، يُصبح الهدف النهائي هو إعادة صياغة المشهد بحيث يُمارس كيان العدو سياساته بلا رقابة، ويُحوّل القانون الدولي إلى مجرد نصوص معطلة لا تجد من يدافع عنها.
الإغاثة كمعركة سيادة ووجود
استهداف المؤسسات الإنسانية في غزة ليس حدثًا معزولًا، بل هو فصل جديد في حرب الإبادة التي يخوضها كيان العدو ضد الشعب الفلسطيني. عبر فرض شروط أمنية مهينة أو الطرد الكامل، تسعى تل أبيب إلى السيطرة على كل تفاصيل الحياة، وتجريد الفلسطينيين من أي دعم خارجي أو حماية قانونية. لكن هذه السياسة تكشف أيضًا عن خوف الاحتلال من الشهود الدوليين ومن استمرار القضية الفلسطينية في وجدان العالم، غزة اليوم تواجه حربًا مزدوجة: حرب القصف والقتل، وحرب التجويع والاستنزاف.