عصر شريعة الغاب

خاص الوفاق: اعتبر وزير الثقافة الإيراني الأسبق "عطاءالله مهاجراني" أن العالم دخل اليوم مرحلة جديدة يمكن توصيفها بـ«عصر شريعة الغاب»، حيث فقدت القيم التي قام عليها النظام الدولي معناها الفعلي، وعلى رأسها الديمقراطية وحقوق الدول والشعوب، إضافة إلى ميثاق منظمة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تحولت إلى شعارات فارغة لا تحكم السلوك السياسي للدول الكبرى.

سید عطاءالله مهاجراني

 

وأضاف مهاجراني، في مقال في صحيفة “ايران” الحكومية، أن المشهد الذي جرى داخل قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين قام ممثل الكيان الصهيوني بتمزيق ميثاق الأمم المتحدة علنًا أثناء مناقشة مشروع قرار عربي يتعلق بالاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، شكّل صورة بالغة الدلالة على طبيعة هذا النظام الدولي، حيث تحوّل الميثاق نفسه إلى مادة للسخرية والاستهانة داخل المؤسسة التي يفترض أنها حارسة له.

 

وتابع الكاتب: أن رد فعل الأمانة العامة للأمم المتحدة على هذا السلوك لم يخرج عن إطار التبرير الشكلي، حين اكتفى نائب المتحدث باسم المنظمة بوصف ما جرى بأنه “عمل استعراضي” مع توصية عامة باحترام الميثاق، ما عكس عجز المنظمة عن الدفاع حتى عن رمزيتها المعنوية، فضلًا عن عجزها عن فرض قواعد القانون الدولي.

 

ولفت الكاتب إلى أن هذا الانحدار ليس ظاهرة مستجدة بالكامل، بل هو امتداد لمسار طويل من تهميش الأخلاق والقانون في العلاقات الدولية، غير أن المرحلة الحالية اتسمت بقدر غير مسبوق من الصراحة والوقاحة، خصوصًا مع صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تخلّى عن الخطاب التقليدي الذي كان يغلّف التدخلات العسكرية بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفضّل الحديث المباشر عن القوة والمصلحة والأمن القومي الأمريكي.

 

وأوضح الكاتب: أن الفرق بين خطاب ترامب وخطاب رؤساء أمريكيين سابقين، مثل جورج بوش الابن، يتمثل في أن الأخير حاول تبرير احتلال العراق بالحديث عن نشر الديمقراطية، بينما أعلن دونالد ترامب بوضوح أن منطق القوة هو الأساس الوحيد الذي يحكم السياسة الدولية، وهو ما تجلّى في ممارسات عملية، من بينها اختطاف رئيس دولة ذات سيادة بذريعة مكافحة المخدرات.

 

وذكر الكاتب أن اختطاف رئيس جمهورية فنزويلا جرى في سياق سياسي وإعلامي معقّد، تزامن مع تصاعد ضغوط داخلية على ترامب، في نموذج يذكّر بأسلوب رئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، الذي اعتاد الهروب من أزماته القضائية عبر افتعال أزمات سياسية أو أمنية كلما اقتربت محاكمته من محطات حاسمة.

 

ونوه الكاتب إلى أن ما يجمع بين ترامب ونتنياهو ليس الأسلوب فحسب، بل الرؤية الاستراتيجية القائمة على تقديس القوة باعتبارها الأداة الوحيدة لتحقيق الأهداف، والتضحية بكل القيم والمؤسسات في سبيل هذه الغاية، حيث يجري تقديم مفهوم “السلام بالقوة” بوصفه البديل عن القانون الدولي والدبلوماسية.

 

وأشار الكاتب إلى أن هذا المنطق لم يعد مجرد خطاب، بل بات أساسًا لإعادة تشكيل النظام الدولي، حيث تُدار العلاقات بين الدول وفق موازين القوة العارية، في ظل صمت أو تواطؤ مؤسسات يفترض بها أن تكون ضامنة للاستقرار العالمي، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة، التي اكتفت في مواجهة اختطاف رئيس دولة عضو فيها ببيانات “قلق” لا أثر لها.

 

وبيّن الكاتب أن منظمة الأمم المتحدة تحوّلت عمليًا إلى غطاء سياسي يبرر المصالح الأمريكية، ومنصة لإدارة النفوذ الاستخباري، وواجهة شكلية لإضفاء شرعية على الهيمنة، وهو ما أدركه مفكرون منذ بدايات القرن الماضي، حين جرى التشكيك في جدوى “عصبة الأمم” بوصفها أداة لتقاسم النفوذ لا لحماية الشعوب.

 

واستعرض الكاتب سلسلة من الأمثلة التاريخية التي تؤكد هذا النمط من السلوك، بدءًا من نفي رضا بهلوي بعد احتلال إيران من قبل بريطانيا والولايات المتحدة، في مشهد أظهر بوضوح حدود سيادة الأنظمة التابعة، مرورًا بإبعاد شخصيات حاكمة في المنطقة العربية بالقوة، وصولًا إلى اعتقال قادة دول في أمريكا اللاتينية بذريعة مكافحة المخدرات.

 

ولفت الكاتب إلى أن القاسم المشترك بين هذه الحالات هو التدخل المباشر أو غير المباشر للقوى الاستعمارية في شؤون الدول، سواء عبر الاحتلال العسكري أو عبر فرض الإرادة السياسية باستخدام أدوات أمنية واستخبارية، ما يعكس استمرار منطق الاستعمار بأدوات جديدة تتلاءم مع القرن الحادي والعشرين.

 

وأوضح الكاتب أن الولايات المتحدة تسعى اليوم إلى إعادة إنتاج النموذج بصيغة أكثر فجاجة، عبر فرض نفسها بوصفها الحاكم الفعلي للنظام الدولي، مستندة إلى شبكة نفوذ واسعة داخل الجيوش والمؤسسات الأمنية في عدد من الدول، كما كان الحال في إيران قبل الثورة، وفي دول أخرى ما زالت خاضعة لهذا النوع من العلاقات.

 

وأكد الكاتب أن ما جرى في فنزويلا لا يمكن فصله عن هذا السياق، إذ يحمل رسالة واضحة لدول أمريكا اللاتينية مفادها أن أي خروج عن الإرادة الأمريكية سيواجه بالقوة، وأن السيادة الوطنية لم تعد خطًا أحمر في حسابات واشنطن.

 

وأشار الكاتب إلى أن ما يجري اليوم لا يقتصر على حادثة أو دولة بعينها، بل يعكس نمطًا ثابتًا في إدارة النظام الدولي، حيث تُستخدم شعارات مثل مكافحة المخدرات أو حماية الأمن أو فرض العدالة كأغطية سياسية لتبرير التدخل المباشر في شؤون الدول ذات السيادة.

 

وبيّن أن التجارب التاريخية المتكررة، من أمريكا اللاتينية إلى غرب آسيا، تؤكد أن هذه الذرائع تتغير شكليًا بينما يبقى الجوهر واحدًا، وهو فرض الإرادة الأمريكية بالقوة، متى تعارضت خيارات الدول مع المصالح الاستراتيجية لواشنطن.

 

ولفت إلى أن تسمية العمليات العسكرية بأسماء برّاقة، مثل “الهدف المشروع”، لا تغيّر من حقيقتها، بل تكشف حجم الاستخفاف بالعقل الجمعي العالمي، ومحاولة إضفاء شرعية لغوية على أفعال تنتهك أبسط قواعد القانون الدولي.

 

وأضاف: أن هذا الأسلوب يعكس انتقال العلاقات الدولية من مرحلة الإخفاء الخطابي إلى مرحلة الإعلان الصريح عن منطق الهيمنة، حيث لم تعد القوى الكبرى تشعر بالحاجة إلى تبرير أفعالها أخلاقيًا، مكتفية بإظهار القوة بوصفها المصدر الوحيد للشرعية.

 

وشدد الكاتب على أن هذا الواقع يفرض على الدول التي قامت على أساس رفض الهيمنة، وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية في إيران، أن تمتلك أعلى درجات القدرة على الردع والدفاع عن النفس، لأن غياب القوة يعني التحول إلى ضحية سهلة في عالم لا يعترف إلا بمنطق القوة والغلبة.

 

واختتم الكاتب بالتأكيد على أن ما حال دون تحقيق أهداف الأعداء تجاه إيران هو تماسك الجبهة الداخلية، إلى جانب امتلاك أدوات الردع، مشيرًا إلى أن محاولات زعزعة الاستقرار عبر إثارة الاضطرابات الاجتماعية ليست سوى امتداد لمعركة مركبة تشمل الضغوط الاقتصادية والسياسية والثقافية، ما يستدعي وعيًا مضاعفًا وإدارة كفوءة للساحتين الإعلامية والثقافية في المرحلة المقبلة.

 

 

المصدر: الوفاق خاص/

الاخبار ذات الصلة