2025 عام الاجتياح الصامت

غزو الأرض والهوية.. الضفة الغربية في قبضة الاستيطان والتهجير 

 هذه السياسات الصهيونية لا تقتصر على السيطرة الميدانية، بل تهدف إلى إعادة تعريف الجغرافيا الفلسطينية، بحيث تتحول الأرض إلى خرائط جديدة تخدم المشروع الاستيطاني وتُقطع أوصال المجتمع الفلسطيني

عام 2025 لم يكن عاماً عادياً في الضفة الغربية، بل مثّل محطة فارقة في مسار الصراع الفلسطيني–الصهيوني، حيث سجّل الفلسطينيون ارتفاعاً قياسياً في حجم الاعتداءات التي نفذها جيش الاحتلال والمستوطنون على الأرض والإنسان والممتلكات. التقرير السنوي الصادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية كشف أرقاماً صادمة تجاوزت 23 ألف اعتداء في عامٍ واحد، ما يعكس انتقال الاحتلال من مرحلة السيطرة العسكرية المباشرة إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على الدمج بين القوة الميدانية والتشريع القانوني، بما يُرسّخ مشروع الضم الزاحف ويُعيد تعريف الجغرافيا والرمز الفلسطيني.

 

الضفة الغربية تحت النار.. عام الاعتداءات والهدم

 

شهد عام 2025 تصعيداً غير مسبوق في الاعتداءات الصهيونية على الضفة الغربية، حيث نفذ جيش الاحتلال والمستوطنون 23,827 اعتداءً، توزعت بين استهداف الأراضي والمزروعات (1,382 اعتداء)، الأفراد (16,664 اعتداء)، والممتلكات (5,398 اعتداء). المستوطنون شاركوا في 4,723 من هذه الهجمات، ما يؤكد أن الاستيطان تحول إلى أداة قمعية متكاملة. النتائج كانت مأساوية: استشهاد 14 فلسطينياً، إشعال 434 حريقاً، واقتلاع أكثر من 35 ألف شجرة، بينها نحو 27 ألف شجرة زيتون، إضافة إلى تهجير 13 تجمعاً بدوياً يضم أكثر من ألف شخص.

 

كما اعتمد الاحتلال سياسة الهدم والتهجير لإعادة رسم الخرائط بالقوة، إذ نفذ 538 عملية هدم طالت 1,400 منشأة، بينها منازل مأهولة ومنشآت تجارية وزراعية. هذه السياسات تهدف إلى تفريغ المناطق المصنفة «ج»، التي تمثل 60% من الضفة، حيث أحكم الاحتلال قبضته على 70% منها واستأثر بأكثر من 90% من الأغوار، في محاولة لإعادة تعريف الجغرافيا الفلسطينية بما يخدم مشروعه الاستيطاني.

 

هذه السياسات لا تقتصر على السيطرة الميدانية، بل تهدف إلى إعادة تعريف الجغرافيا الفلسطينية، بحيث تتحول الأرض إلى خرائط جديدة تخدم المشروع الاستيطاني وتقطع أوصال المجتمع الفلسطيني.

 

 

التوسع الاستيطاني..من الخرائط إلى الواقع

 

عام 2025 شهد طفرة في النشاط الاستيطاني، حيث استولى الاحتلال على 5,572 دونماً عبر 94 أمر وضع يد، لأغراض متعددة تشمل إقامة مناطق عازلة وطرق أمنية وأسوار ومواقع عسكرية. اللجان التخطيطية درست 265 مخططاً هيكلياً لبناء نحو 34,979 وحدة استيطانية على مساحة 33,448 دونماً، تمت المصادقة على 20,850 وحدة منها.

 

التركيز كان واضحاً في القدس وسلفيت وبيت لحم ورام الله ونابلس وقلقيلية، وهي مناطق تُمثل قلب الضفة الغربية، ما يعكس رغبة الاحتلال في السيطرة على المراكز الحيوية وربط المستوطنات بشبكة طرق وبُنى تحتية تعزل الفلسطينيين وتحوّلهم إلى جزر سكانية محاصرة.

 

المخطط الاستيطاني «إي1» شرق القدس، الذي ظل مؤجلاً لثلاثة عقود، تمت المصادقة عليه أخيراً، ما يعني عملياً فصل شمال الضفة عن جنوبها وقطع التواصل الجغرافي بين القدس والضفة. كما أقيمت 22 مستوطنة جديدة، وسُويت أوضاع 19 موقعاً استيطانياً، وأُنشئت 68 بؤرة زراعية مددت الحكومة الاحتلالية البنى التحتية الخاصة بها، في مشهد يعكس انتقال الاستيطان من مرحلة البؤر العشوائية إلى مرحلة التسوية القانونية والدمج في المشروع الرسمي.

 

التداعيات على المجتمع الفلسطيني

 

هذه السياسات تركت آثاراً عميقة على المجتمع الفلسطيني. الاعتداءات اليومية خلقت حالة من الرعب وعدم الاستقرار، وأضعفت قدرة الفلسطينيين على ممارسة حياتهم الطبيعية. اقتلاع الأشجار وتدمير المزروعات ضرب الاقتصاد الزراعي، وهو أحد أعمدة الصمود الفلسطيني. الهدم والتهجير قوض البُنية الاجتماعية، وحوّل آلاف العائلات إلى مشردين بلا مأوى.لكن في المقابل، هذه السياسات عززت أيضاً روح المقاومة والصمود، إذ بات الفلسطينيون أكثر إدراكاً لخطورة المرحلة وأكثر تمسكاً بأرضهم.

 

البُعد القانوني والدولي

 

القانون الدولي واضح في موقفه من الاستيطان، إذ يعتبره غير شرعي ويطالب بإخلاء المستوطنات القائمة. محكمة العدل الدولية أكدت هذا الموقف، والأمم المتحدة أصدرت عشرات القرارات التي تدين الاستيطان وتطالب بوقفه. لكن الاحتلال يستغل ضعف الإرادة الدولية وانشغال العالم بأزمات أخرى لفرض وقائع جديدة على الأرض.

 

ختاماً مثّل عام 2025 ذروة في سياسات الاحتلال بالضفة الغربية، حيث تداخلت القوة العسكرية مع التشريع القانوني لتكريس مشروع الضم الزاحف. الأرقام الصادمة للاعتداءات والهدم والتهجير والاستيطان تكشف عن مرحلة جديدة من الصراع، مرحلة لم يعُد فيها الاحتلال يكتفي بالسيطرة الميدانية، بل يسعى إلى إعادة تعريف الجغرافيا والهوية الفلسطينية عبر أدوات قانونية ورمزية.

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص