وفي شرح برامج المقر حول «متابعة تعريف وتنفيذ مشاريع الانتقال من بيع المواد الخام» والبرنامج التحويلي من بيع المواد الخام إلى اقتصاد قائم على المعرفة، و«الرؤية الاستراتيجية لمقر تطوير المواد والتصنيع المتقدم»، أدلى وحيد ضرغامي بتصريح قال فيه: إن مقياس التقدم الحقيقي لأي بلد في عالم اليوم لم يعد يكمن في حجم احتياطياته المعدنية أو موارده الطبيعية، بل في قدرته على تحويل هذه الموارد إلى قيمة مضافة ومعرفة مكثفة. وتابع: الدول المتقدمة في العالم تتبع نمطاً محدداً؛ فهي تستورد المواد الأولية بأسعار مناسبة، ثم تحولها باستخدام التكنولوجيا والكوادر البشرية المتخصصة إلى منتجات نهائية عالية القيمة المضافة، ثم تصدّر هذه المنتجات القائمة على المعرفة إلى الأسواق العالمية، هذه هي الدورة الاقتصادية التي تضمن خلق ثروة مستدامة.
وأكد ضرغامي: إيران، رغم ثرائها الاستثنائي في موارد المواد الأولية، لا تزال عالقة في النمط المعكوس لهذه الدورة. فنحن نفقد المواد الأولية القيّمة بأسعار زهيدة، ثم نستورد المنتجات النهائية بأسعار تضاعفت عدة مرات. هذا النهج لا يؤدي فقط إلى استنزاف سريع للاحتياطيات الوطنية، بل يحرمنا أيضاً من فرص العمل ونمو التكنولوجيا والتنمية المستدامة.
مقر تطوير الاقتصاد القائم على المعرفة؛ مهندس تغيير النمط
وواصل أمين مقر تطوير الاقتصاد القائم على المعرفة في مجال المواد والتصنيع المتقدم التابع لمعاونية العلوم والتكنولوجيا برئاسة الجمهورية، قوله: إن مقر تطوير الاقتصاد القائم على المعرفة في مجال المواد والتصنيع المتقدم، بوصفه جهة استراتيجية، قد تولّى المهمة التاريخية لتغيير هذا النمط الاقتصادي. وهذا المقر، انطلاقاً من إدراكه العميق لضرورة التحول الهيكلي، يعكف حالياً على صياغة برنامج شامل لـ«تجاوز بيع المواد الخام»، وهو برنامج يتجاوز كونه سياسة قصيرة الأجل، ليصبح رؤية طويلة الأمد لإعادة تعريف الاقتصاد الوطني. وأضاف: يُعرّف المقر في نهجه النظري الاقتصاد القائم على المعرفة بأنه الجسر الذي يربط بين الموارد الوطنية والثروة المستدامة. ويستند هذا الإطار إلى ثلاثة محاور أساسية:
1- خلق القيمة عبر التكنولوجيا: يمكن لكل مادة خام أن تُولّد عشرات الأضعاف من القيمة المضافة بفضل التكنولوجيات المتقدمة. فمثلاً، الألمنيوم الخام الذي يُصدَّر ببضعة دولارات للكيلوغرام الواحد، قد يصل سعره إلى مئات الأضعاف عند تحويله إلى قطع لصناعة الطيران أو المواد الطبية.
2- الاكتفاء الذاتي تكنولوجياً: إن الاعتماد على استيراد التكنولوجيا يُضعف الموقف التنافسي للبلاد. لذا يركز المقر على تكنولوجيات المواد والتصنيع المتقدم لإنشاء سلسلة إنتاج كاملة داخل إيران، بحيث نلبي الاحتياجات المحلية وننافس في الأسواق العالمية في الوقت نفسه.
3- التصدير القائم على المعرفة: الهدف النهائي لهذا التحول هو تغيير تركيبة الصادرات الوطنية؛ بدلاً من تصدير المواد الخام، سنقدم للأسواق العالمية منتجات عالية التقنية وذات قيمة مضافة مرتفعة.
وأوضح ضرغامي في شرح البرنامج المستقبلي للمقر، قائلاً: إن مقر تطوير الاقتصاد القائم على المعرفة في مجال المواد والتصنيع المتقدم قد وضع في برنامجه المنهجي المستقبلي المراحل التالية لتجاوز بيع المواد الخام:
المرحلة الأولى: التعرف والترتيب حسب الأولوية
في هذه المرحلة، يتم تحديد المواد الأولية التي تمتلك إمكانية التحول إلى منتجات قائمة على المعرفة وترتيبها حسب الأولوية. ويركز الاهتمام بشكل أساسي على المواد الاستراتيجية التي تتحقق فيها الشروط التالية:
– توجد احتياطيات غنية منها داخل البلاد.
– تكنولوجيا تحويلها متاحة وقابلة للوصول.
– يوجد سوق عالمي للمنتجات النهائية الناتجة عنها.
– إنشاء سلسلة إنتاجها يخلق فرص عمل كبيرة وملحوظة.
وهذه المعايير هي تقريباً نفس المؤشرات المنصوص عليها في المادة الأولى من قانون «قفزة إنتاج الشركات القائمة على المعرفة».
المرحلة الثانية: إنشاء البنى التحتية التكنولوجية
تشمل هذه المرحلة إقامة مراكز بحث وتطوير متخصصة، ومختبرات متقدمة، ووحدات للنمذجة الأولية، قادرة على تطوير التكنولوجيات اللازمة لتحويل المواد الأولية إلى منتجات نهائية. ويهدف المقر إلى بناء شبكة من المراكز المتخصصة في جميع أنحاء البلاد، يركز كل منها على قطاع معين من تكنولوجيات المواد والتصنيع.
المرحلة الثالثة: بناء منظومة ابتكارية
لنجاح هذا التحول، لا تكفي التكنولوجيا وحدها؛ بل يجب إيجاد منظومة ابتكارية تجمع الجامعات ومراكز البحوث والشركات القائمة على المعرفة والصناعات الكبرى والمستثمرين في إطار واحد. ويضع المقر برامج للاستفادة من قدرات صناديق الاستثمار، وتسهيل نقل التكنولوجيا، ودعم الشركات الناشئة العاملة في مجال المواد المتقدمة.
المرحلة الرابعة: التصدير القائم على المعرفة
في النهاية، الهدف هو بناء قدرة تصديرية للمنتجات القائمة على المعرفة. ويملك المقر برامج لتحديد الأسواق المستهدفة، ومواءمة المعايير الدولية، وإنشاء شبكات تسويق عالمية، حتى تصبح المنتجات الإيرانية معروفة ومرغوبة ليس فقط داخلياً، بل على المستوى العالمي أيضاً.
الرؤية العشرية؛ إيران على خارطة تكنولوجيا المواد العالمية
وفي بيان الرؤية العشرية، أوضح ضرغامي قائلاً: إن مقر تطوير الاقتصاد القائم على المعرفة في مجال المواد والتصنيع المتقدم يرسم في رؤيته طويلة المدى – واستناداً إلى «الوثيقة الوطنية للمواد المتقدمة والمعالجة» التي تقترب من مرحلة الإصدار النهائي – صورةً لإيران كأحد الأقطاب العالمية في تكنولوجيا المواد والتصنيع المتقدم، وتتضمن هذه الرؤية النقاط التالية:
– لن تظل إيران مصدِّرة للمواد الخام، بل ستصبح مصدِّراً لمنتجات قائمة على المعرفة عالية القيمة المضافة.
– ستتمكن الصناعات الوطنية من منافسة أحدث التكنولوجيات العالمية، مع تقليص الاعتماد على استيراد التكنولوجيا إلى الحد الأدنى.
– سيحصل الشباب الإيراني المختص في مجالات المواد والتصنيع المتقدمة على فرص عمل متميزة داخل الوطن، مما يحد من هجرة الكفاءات.
– ستشكل إيرادات التصدير القائم على المعرفة المصدر الرئيسي لتمويل برامج التنمية الوطنية.
تتوافق هذه الرؤية تماماً مع الوثيقة الوطنية للمواد المتقدمة والمعالجة التي أُكملت تعديلاتها اللازمة، ومن المنتظر إصدارها رسمياً في القريب العاجل. وأوضح ضرغامي، في معرض الحديث عن المعوقات القائمة، قائلاً: لا شك أن هذا التحول الجذري يواجه تحديات كبرى.
وتابع: التحدي الأول هو تغيير الرؤية على المستوى الاقتصادي الكلي؛ فمنذ سنوات طويلة، يُصاغت السياسات الاقتصادية انطلاقاً من منظور قصير الأجل يعتمد على إيرادات النفط والمواد الخام. ومن ثم، يتعين على مقر المواد والتصنيع المتقدم أن يضع برامج وإجراءات منهجية لنشر ثقافة جديدة تهدف إلى تغيير هذا المنظور. التحدي الثاني هو الاستثمار طويل الأمد؛ فإنشاء البنية التحتية التكنولوجية للمواد والتصنيع المتقدم يتطلب استثمارات ضخمة ومستدامة ينبغي توفيرها من خلال الجمع بين مساهمات الحكومة والقطاع الخاص وفقاً للأطر القانونية المعمول بها. التحدي الثالث هو استقطاب الكفاءات المتخصصة؛ فنحن في حاجة إلى دعم جهود جذب النخب الإيرانية المقيمة في الخارج، وتعزيز التعاون مع الجامعات الرائدة داخلياً ودولياً، وتهيئة بيئة بحثية جاذبة للباحثين المحليين.
الدخول إلى عصر الاقتصاد القائم على المعرفة: طريق طويل بخطوات قصيرة
وأكد ضرغامي قائلاً: إن برنامج مقر تطوير الاقتصاد القائم على المعرفة في مجال المواد والتصنيع المتقدم لتجاوز بيع المواد الخام ليس مجرد سياسة اقتصادية فحسب، بل هو إجراء تأسيسي يهدف إلى إدخال إيران عصرًا جديدًا من التنمية. وهذا البرنامج، من خلال إعادة تعريف مفهوم الثروة الوطنية، يُظهر أن مستقبل الدول المتقدمة بيد من يستطيع تحويل المعرفة إلى أداة لخلق القيمة.
وأوضح ضرغامي: إذا نُفِّذ هذا البرنامج بإرادة وطنية وتنسيق كامل بين جميع الأجهزة، فإن إيران ستتمكن خلال عقود قليلة ليس فقط من الخروج من فخ بيع المواد الخام، بل من أن تصبح أيضًا أحد أبرز مصدّري التكنولوجيا والمنتجات القائمة على المعرفة في المنطقة والعالم. هذا التحول لن يقوي اقتصاد البلاد فحسب، بل سيرفع مكانة إيران الدولية كدولة رائدة في المجالات العلمية والتكنولوجية.
وقال في الختام: ستُجيب نجاح هذا البرنامج على السؤال التالي: هل نستطيع الانتقال من بلد يبيع موارده إلى بلد يصدّر معرفته؟ إن الإجابة الإيجابية على هذا السؤال ستكون إرثًا يرسم للأجيال القادمة معنى الثروة الحقيقية لدولة متقدمة.