أطماع أمريكا في العالم

واشنطن تريد غرينلاند بأي ثمن.. وعينها على ثروات السويد

 هل سنشهد قريباً تحولات أعمق في بُنية الناتو؟ وهل تستطيع أوروبا أن تقول «لا» لواشنطن أم أن الهيمنة الأمريكية ستجد طريقها، كما فعلت دائماً، عبر القوة والضغط؟

 

غرينلاند ليست مجرد جزيرة جليدية مترامية الأطراف، بل هي كنزٌ استراتيجي غني بالموارد الطبيعية، وموقع مثالي للرصد العسكري واللوجستي في قلب القطب الشمالي. منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني الماضي، لم يخفِ رغبته في السيطرة على الجزيرة، بل أعاد إحياء خطابه القديم حول «امتلاكها»، ما أثار موجة من التوترات الدبلوماسية مع الدنمارك.

 

الهيمنة الأمريكية.. بين الطموح والعجرفة

 

الولايات المتحدة، التي لطالما تصرفت كقوة فوق القانون الدولي، لا ترى في غرينلاند مجرد حليف ضمن الناتو، بل تعتبرها «أرضاً استراتيجية يجب أن تكون تحت السيطرة الأمريكية». هذا المنطق الاستعلائي تجلى في تصريحات ترامب، وفي مشروع قانون أقره البرلمان الدنماركي في يونيو/ حزيران، يتيح لواشنطن إقامة قواعد عسكرية دائمة على الأراضي الدنماركية، مع صلاحيات أمنية وقضائية واسعة، حتى على المدنيين.

هذا الاتفاق، الذي وصفه حزب «الوحدة» اليساري بأنه «تنازل فعلي عن السيادة»، يعكس كيف تتعامل واشنطن مع حلفائها: ليس كشركاء، بل كتوابع يجب أن تنصاع لرغباتها الأمنية والاقتصادية.

 

غرينلاند في قلب الصراع القطبي.. بين التغير المناخي والتنافس العسكري

 

في السنوات الأخيرة، تحولت غرينلاند من جزيرة نائية إلى نقطة ارتكاز في الصراع العالمي على النفوذ في القطب الشمالي. السبب لا يعود فقط إلى موقعها الجغرافي، بل إلى التغيرات المناخية التي جعلت الوصول إلى مواردها أسهل، وفتحت طرقاً بحرية جديدة كانت مغلقة لعقود. ذوبان الجليد كشف عن كنوز دفينة من المعادن النادرة، والنفط، والغاز، ما جعلها هدفاً مغرياً للقوى الكبرى.

الولايات المتحدة، روسيا، الصين، وحتى الاتحاد الأوروبي، باتوا ينظرون إلى القطب الشمالي كمنطقة استراتيجية لا تقل أهمية عن الخليج الفارسي أو بحر الصين الجنوبي. وغرينلاند، بحكم موقعها، أصبحت بوابة هذا الصراع.

 

السكان الأصليون.. صوت مغيّب في لعبة الكبار

 

وسط كل هذه التحركات العسكرية والدبلوماسية، يبقى صوت السكان الأصليين في غرينلاند شبه مغيّب. شعب الإنويت، الذي يعيش في الجزيرة منذ آلاف السنين، يواجه تحديات وجودية: من التغير المناخي الذي يهدد نمط حياتهم التقليدي، إلى الأطماع الدولية التي تتجاهل حقوقهم في الأرض والموارد.

 

حكومة غرينلاند، رغم تمتعها بالحكم الذاتي، لا تزال تخضع لسياسات كوبنهاغن، التي بدورها تتعرض لضغوط أمريكية. السكان المحليون يطالبون بمزيد من الاستقلال، بل إن بعض الأحزاب في الجزيرة تدعو إلى الانفصال الكامل عن الدنمارك.

 

بدوره، رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن يؤكّد أنّها ليست للبيع ولن تخضع للسيطرة الأميركية، وأضاف بأنّ «الجزيرة لن تكون مملوكة أو خاضعة لسيطرة الولايات المتحدة ولا نريد أن نكون جزءاً منها». وأكد إننا «نقف صفاً واحداً مع مملكة الدنمارك ونختارها على الولايات المتحدة».

 

وفي وقتٍ سابق، أعلنت حكومة غرينلاند، عن تصعيد جهودها لضمان الدفاع عن الجزيرة، ردّاً على مخططات دونالد ترامب للاستيلاء عليها. لكن في ظل التنافس الدولي، هل يُسمح لغرينلاند بأن تقرر مصيرها؟ أم أن الجزيرة ستبقى ورقة في لعبة الكبار؟.

 

الصين تدخل على الخط.. طريق الحرير القطبي

 

في خضم التوترات بين واشنطن وأوروبا، دخلت الصين على الخط، مقدّمة نفسها كلاعب اقتصادي لا عسكري. عبر مبادرة «الحزام والطريق»، طرحت بكين فكرة «طريق الحرير القطبي»، الذي يمر عبر المياه المفتوحة حديثاً في القطب الشمالي، ويصل إلى أوروبا عبر غرينلاند وآيسلندا.

 

الصين استثمرت في مشاريع بنية تحتية في غرينلاند، من بينها موانئ ومراكز أبحاث، ما أثار قلقاً أمريكياً متزايداً. واشنطن ترى في هذه الخطوات محاولة صينية للتموضع الاستراتيجي في منطقة تعتبرها «حديقتها الخلفية»، بينما تصر بكين على أن مشاريعها «اقتصادية بحتة».لكن الواقع يقول إن أي وجود اقتصادي في منطقة ذات أهمية عسكرية، لا يمكن فصله عن الطموحات الجيوسياسية.

 

السويد تتخوف من كونها الهدف التالي

 

في إطار اتساع أطماع ترامب التوسعية فقد حذرت نائبة رئيس الوزراء السويدي ووزيرة الطاقة والصناعة إيليا بوش من أن السويد قد تصبح الهدف التالي لترامب وإدارته بعد غرينلاند بسبب ثرواتها المعدنية، حيث تحتوي أرضها على 7 من أصل 17 من المعادن الأرضية النادرة.

 

وقالت بوش: «لذلك، يحب أن نقرر بانفسنا كيفية إدارة هذه الموارد .. أريد أن يكون من الصعب إخضاع السويد، وأن يكون من الصعب على قادة مثل ترامب أو شي حين بينغ السيطرة على السويد».

 

 

ترامب وإدارته .. غطرسة تهدد العالم

 

هل سيُنفذ ترامب تهديداته بضم جزيرة غرينلاند بالقوة العسكرية، الجواب على هذا التساؤل نُرجعه إلى شخصية ترامب الفجة والمتغطرسة، فهذه الشخصية المتهورة والغير مسؤولة والتي لا تكترث بالتحالفات ولا بالنفوذ السياسي، والتي يُمكن أن تقدم على غزو الجزيرة عسكرياً على الرغم من ارتداداته وتداعياته الكثيرة.  فالمسار الذي اتخذته الإدارة الامريكية منذ مجيئها إلى البيت الأبيض حتى الآن هو مسار اللامعقولية والتباهي بالقوة بغض النظر عن التداعيات السياسية طويلة الأمد وهذا يتسق مع شخصية ترامب الذي تُبهره الأضواء.

 

كما أن سياسة الأخير أضحت واضحة للجميع بأنها سياسة اقتصادية بامتياز تبحث عن المكاسب، فهو منذ توليه السلطة اتخذ سياسة مواجهة الأضعف ونهب ثرواته، وفي حالة غرينلاند ادعى أنه إن لم يحصل عليها فستذهب للصين وروسيا منافسي الولايات المتحدة الرئيسيين، لذا هو يستخدم فزاعة روسيا والصين للحلفاء الأوروبيين لتبرير تحركاته في القطب الشمالي، وهؤلاء يدركون أنها مبررات وأعذار واهية لأطماعه، والحقيقة أن أمريكا ومنذ عهد الرئيس ترومان عام 1945 احتفظت بقاعدة عسكرية وقوات مهمة في هذه المنطقة بتعداد يزيد عن عشرة ألاف جدني تناقصت لتبلغ ألف جندي حالياً، والجدير ذكره أن الدانمرك لا تمانع في في زيادة هذا الوجود العسكري والسماح باستثمارات ضخمة أميركية فيما يتعلق بالمعادن النادرة، وهي أميل للجانب الأمريكي والغربي من الجانب الروسي، ولكن ترامب اتخذ منهجاً منذ  توليه السلطة وهو تحطيم ما كان يُطلق عليه القانون الدولي القائم بعدم تغيير الحدود باستخدام القوة أو اللجوء  إلى العنف مع الخصوم فكيف مع الحلفاء وخاصةً في حلف الناتو. في المحصلة قضية غرينلاند تكشف غطرسة ترامب، وتجاهل القانون الدولي، واعتبار السيادة عائقاً أمام المصلحة الأميركية.

 

التداعيات المحتملة … انهيار حلف الناتو

 

أعلن العديد من المسؤولين الأوروبيين أن تداعيات الغزو العسكري الأمريكي للجزيرة هي  حتمية انهيار حلف الناتو، فالأوروبيين مخيّرين بين تقديم غرينلاند لأمريكا أو الانفصال عن حلف الناتو الذي لم يعُد يؤمن لهم الحماية المطلوبة والخطوة التالية من انهيار الحلف ستكون تفكيك الاتحاد الأوروبي، من جهته يعاني الاتحاد من وجود انقسام داخله والذي تجلى في اللحظات التي فرض فيها ترامب الانصياع عليه للقبول بالإتفاقية الجمركية والتبادل التجاري مع الولايات المتحدة والتي استفادت  منه الأخيرة إلى حدٍ كبير، وظل هذا الخلاف ما بين تيارين داخل الاتحاد، التيار الذي يدعو إلى التعلم من دروس الماضي و يعتبر أن سياسة الخضوع والاسترضاء للابتزاز والقوة التي مارستها وما تزال الولايات المتحدة الأمريكية وكان من نتائجها حربين عالميتين دفعت بسببهم أوروبا أثماناً باهظة، يقابله تيار يقبل بالخضوع  لأمريكا لاعتباره أن الأوراق الموجودة لدى أوروبا محدودة، فالأوروبيين تخلوا عن قوتهم العسكرية منذ 80 عاماً معتقدين أن القوة الاقتصادية كفيلة بالاستمرارية، السؤال الذي يُطرح هنا إلى أي المسارين ستميل الكفة، الجواب غير معروف إلى الآن، ولكن ما هو معلوم وواضح أن القادة الأوروبيين يدركون بوجود إشكاليات كبرى في القبول بمنهجية ترامب وبالأسلوب الذي يُدير به العالم فمجرد القبول بسياسته هذه يعني فقدان الاتحاد الأوروبي لمصداقيته ليس فقط في داخل دوله فقط ولكن على المستوى الدولي، كما سيكون لفقدان الأمن نتيجة هذه العنجهية الأمريكة تداعيات خطيرة على القارة الأوروبية وأهمها ستكون تفكيكه كما ذكرنا لفقدان الثقة بمؤسساته وقدرته على حماية نفسه وتماسكه.

 

ختاماً في زمن تتغير فيه التحالفات، وتتصاعد فيه الأطماع، تبقى غرينلاند رمزاً لصراع السيادة، ومؤشراً على أن العالم لم يعد يحتمل عجرفة القوى الكبرى. فهل نشهد قريباً تحولات أعمق في بُنية الناتو؟ وهل تستطيع أوروبا أن تقول «لا» لواشنطن؟ أم أن الهيمنة الأمريكية ستجد طريقها، كما فعلت دائماً، عبر القوة والضغط؟

 

 

المصدر: الوفاق