كاتب وباحث لبناني للوفاق:

يقظة وصلابة الشعب الإيراني أفشلت المؤامرة الصهيو-أمريكية

خاص الوفاق:  الدوائر العالميّة تسعى لإضعاف جبهة المقاومة والحيلولة دون استقلال إيران القادرة والقويّة والمتقدّمة لحجز مكانة حضارية مرموقة تعود بالحياة الطيّبة والرفاه لأبناء الشعب الإيراني

 عبير شمص

 

أوضحت الأيام الأخيرة حقيقة ما يجري في إيران، واتّضح مَن يقف وراء الاضطرابات التي شهدتها بعض المدن، فما بدأ بمطالب شعبية حوّلته أمريكا والكيان الصهيوني عبر أدواتهم في إيران إلى أعمال إجرامية إرهابية طالت المساجد والمواطنين وأرزاقهم وكذلك الأملاك العامة. واستغلّ الأعداء المطالب المحقّة للمواطنين لتنفيذ أجندتهم المسبقة؛ لكن هل بالفوضى والشغب تستقيم الأمور ويتحقق الإصلاح؟ في هذا السياق، أجرت صحيفة الوفاق حوارًا مع الكاتب والباحث السياسي اللبناني “الدكتور عبدالله عيسى”، فيما يلي نصّه:

 

1- ما هي أبرز العوامل التي دفعت إلى إندلاع أعمال الشغب في بعض المدن الإيرانية؟

 

من الواضح أن الاضطرابات الأخيرة ليست نابعة من إرادة شعبية حقيقية شاملة وممتدّة، بل ربما هي أبهت من تلك التي شهدناها في الأعوام السابقة، والتي لازمتها الأيادي الخارجية تخطيطًا وإدارة وتمويلًا ودعاية. ساهمت التصريحات العلنيّة لنتنياهو إبان حرب الـ12 يومًا المفروضة، والتي تعززت مع تهديداته والوعيد الذي أطلقه مؤخرًا دونالد ترامب، في فضح المؤامرة الجليّة، التي تنسج على منوال تشييد الشرق الأوسط الجديد وتكريسه، بإحكام القبضة الاستبداديّة الأميركيّة لتثبيت الزعامة الأحاديّة المهيمنة لها في العالم مع تعزيز النفوذ الصهيوني الشامل في الاقتصاد والسياسة والأمن وحصر القوة ما أمكن بيده داخل فلسطين وجوارها.

 

فالنسق الدولي المتزامن باستهداف فنزويلا واختطاف مادورو وزوجته في قرصنة محكمة، وإحراز انقلاب السلطة في سوريا ولبنان، وتنفيذ الإبادة في غزّة، واستمرار العدوانيّة الناشطة على اليمن وسائر أنحاء فلسطين وسوريا ولبنان، والترحيب الصهيوني بانفصال صوماليلاند، والتوجه لإحكام السيطرة والإمساك على الممرات المائيّة، وتحريك مسألة زنغزور، والمساعي لإقامة مناطق اقتصاديّة في غزّة وجنوب لبنان والجنوب السوري، كلّها مؤشّرات تُعلي من شأن العوامل الخارجيّة، خاصةً أن تحريك الداخل الإيراني هو أجندة أميركيّة – صهيونية ثابتة، وجديدها هو تفعيلها بصورة غير مسبوقة منذ انتصار الثورة الإسلاميّة المباركة في إيران، وهو ما يؤكّده السياق العام الذي من خلاله نقرأ تلك الحراكات الداخليّة من بداياتها ربطًا بموقف طهران المناهض لسياسات الهيمنة والإبادة، والذي يُقابل باستراتيجية واضحة تتراوح بين تغيير النظام وتغيير السلوك وإجهاض القدرة الإيرانيّة. وهذا ما تكشفه ورقة الاستراتيجيات الأميركيّة واستراتيجيات الكيان الصهيوني، الخاصة بإيران، وهنا من المفيد استحضار ما تعهده إيال زامير في دراسته التي أصدرها في العام 2022 من ضرب المركز ويعني به إيران.

 

مسألة أخرى، وهي جديرة بالتنويه، أنّ كثيرًا من الحركات الداخليّة التي ضربت إيران في عدد من محافظاتها كانت قد تزامنت مع نظائرها من محاولات الثورات الملوّنة في العراق ولبنان ولا سيّما في العام 2019؛ فضلًا عن ما سبقها من اختطاف لما سُميّ بـ«الربيع العربي» ودفع كرة النار العالميّة نحو الاقتتال الدوليّ والإقليميّ والأهليّ في ليبيا وسوريا على سبيل المثال.

 

وعليه، يتنبّه الإنسان الفطن واليقظ إلى تغليب العوامل الخارجيّة، كنتاج مؤامرة خارجية معقدة، جليّة وواضحة، دون نفي الداخليّة منها، علمًا أنّ تلك الداخليّة في جزء مهم منها يعود إلى حاصل العقوبات والحصار، وإلى الشبكات المعدّة من قبل أعداء الجمهوريّة الإسلاميّة. نعم، تستغل بعض الظروف والأحداث الداخلية من أجل المبالغة في مفاقمة الأوضاع.

 

 

2- مَن هم المستفيدون من أعمال الشغب؟ وكيف تحوّلت إلى إعتداءات؟

 

المستفيدون الرئيسيون هم الولايات المتحدة الأميركيّة والكيان الصهيوني الغاصب، والغرب المتوحّش، والمجموعات الارهابية. هذه الدوائر العالميّة تسعى لإضعاف جبهة المقاومة والحيلولة دون استقلال إيران القادرة والقويّة والمتقدّمة لحجز مكانة حضارية مرموقة تعود بالحياة الطيّبة والرفاه لأبناء الشعب الإيراني. هؤلاء يستفيدون بحسبهم من حالة عدم الاستقرار لتحقيق الأهداف «الجيوسياسية والجيواقتصاديّة والجيوأمنيّة» لمشغليهم ودوائر القرار المركزيّة في العالم.

 

أمّا تحوّل بعض التحركات إلى أعمال عنف واضطراب وفوضى، فهو دليل على الطابع المدبر من خارج الحدود، وهو إشارة إلى هشاشة هذه التحركات والخطورة الكامنة وراء هذه الأحداث وإلى فقدان البوصلة الآمنة لدى مثيري الشغب. فالشعب الإيراني المنضبط لا يقوم بهذه الأعمال، بل تنفذها مجموعات مدعومة خارجياً تسعى لخلق الفوضى وإرهاب المواطنين والتصادم مع حرّاس الأمن والأمان والهدوء في أرجاء المحافظات الإيرانيّة. ويبقى السؤال المركزي، هل بالفوضى والشغب تستقيم الأمور ويتحقّق الإصلاح ويجابه العدو الذي قتل القادة واستهدف قدرات الشعب الإيراني النوويّة؟

 

 

3- كيف تنظرون إلى تصريحات ترامب الأخيرة ودعمه العلنيّ للإرهابيين؟

 

خطاب دونالد ترامب تدخل سافر في الشؤون الداخلية لإيران. وبالمناسبة، يجدر التذكير أن ترامب هو نفسه الذي سبق أن مزّق ونقض الاتفاق النووي، وهو نفسه الذي أمر باغتيال القائد الشهيد قاسم سليماني، وهو نفسه الذي انقلب على المفاوضات الأخيرة العام الماضي ومن داخلها أطلق اليد الصهيونية للاعتداء على القيادة والشعب الإيرانيّ معًا ثم تبجّح بضرب المنشآت النوويّة، وهو نفسه الذي رفع منسوب العقوبات الاقتصادية، ويتآمر على الداخل الإيراني بالأمن والإعلام والسياسة.

 

مثل هذا الخطاب لا يهدف إلى حماية حقوق الإنسان، بل إلى تأجيج الموقف وإعطاء ذريعة للعقوبات الإضافية، وربما لاستخدام النار من جديد. الموقف الداخلي يدل على يقظة وصلابة الشعب الإيراني في إفشال أعمال الشغب وتيئيس العدو وإجهاض الضغوط الخارجيّة، وأثبت الحكمة والتدبير والشجاعة وتلاحم تبادلي بين القيادة والمسؤولين والشعب، سينقلب سحر ترامب بحماقته ويرتدّ إلى أعقابه.

 

 

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص