يشهد العالم اليوم منعطفاً خطيراً في مسار العلاقات الدولية، بعد إعلان دونالد ترامب عن تأسيس هيئة قرار عالمية خارج إطار الأمم المتحدة، في خطوة وُصفت بأنها انقلاب على النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. هذه المبادرة التي جاءت تحت مسمى «مجلس السلام»، ليست مجرد محاولة لإعادة صياغة أدوات إدارة النزاعات، بل هي مشروع لإعادة هندسة النظام العالمي بما يضع الولايات المتحدة في موقع الهيمنة المطلقة، ويقصي المنظمة الأممية التي شكّلت لعقود المرجعية الأساسية للعلاقات بين الدول.
إن خطورة هذه الخطوة تكمن في أنها لا تستهدف فقط إعادة ترتيب موازين القوى، بل تسعى إلى تحويل النظام الدولي إلى نادي مالي مغلق، إذ تُشترط العضوية الدائمة بدفع مبالغ مالية ضخمة، فيما تُترك الدول غير القادرة على الدفع رهينة لقرار الرئيس الأميركي وحده. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري قراءة هذه التطورات بعمق، وتحليل أبعادها السياسية والاقتصادية والقانونية، مع التركيز على انعكاساتها على القضية الفلسطينية التي لطالما كانت ساحة اختبار للسياسات الأميركية في الشرق الأوسط.
خلفية تاريخية للنظام الدولي والأمم المتحدة
منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، شكّلت المنظمة إطاراً جامعاً للدول، يهدف إلى منع الحروب وتحقيق السلم والأمن الدوليين. ورغم الانتقادات المتكررة لآليات عملها، خصوصاً حق النقض (الفيتو) الذي منح الدول الخمس الكبرى سلطة تعطيل القرارات، إلاّ أن الأمم المتحدة بقيت المرجعية الشرعية الوحيدة لإدارة النزاعات الدولية.
لكن الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب الباردة، سعت إلى تجاوز هذا الإطار، عبر التدخلات العسكرية المباشرة أو عبر تشكيل تحالفات خارج مظلة الأمم المتحدة، كما حدث في غزو العراق عام 2003. إعلان ترامب اليوم يأتي امتداداً لهذا المسار، لكنه أكثر خطورة لأنه يسعى إلى إلغاء دور الأمم المتحدة بشكلٍ كامل، واستبداله بهيئة جديدة تخضع لإرادة واشنطن وحدها.
ميثاق مجلس السلام – بين الشعارات والواقع
المسودة التي كشف عنها ترامب تتحدث عن «تحقيق سلام دائم في مناطق النزاع»، لكن الشروط الموضوعة تكشف أن الهدف الحقيقي ليس السلام، بل الهيمنة المالية والسياسية.
فالشرط المالي يوجب دفع أكثر من مليار دولار نقداً للحصول على عضوية دائمة، ما يحوّل المجلس إلى نادٍ للأغنياء.
بالنسبة العضوية المؤقتة فالدول التي لا تدفع تحصل على عضوية ثلاث سنوات فقط، قابلة للتجديد بقرار شخصي من ترامب، ما يجعل استمرارها رهناً برضا الرئيس الأميركي. أما القرار النهائيفيبقى بيد ترامب وحده، ما يعني أن المجلس ليس سوى أداة لتكريس سلطته الشخصية على النظام الدولي.
هذه البنود تكشف أن المجلس ليس مؤسسة دولية حقيقية، بل مشروع شخصي يهدف إلى إعادة تشكيل النظام العالمي بما يخدم مصالح الولايات المتحدة، ويقصي أي دور جماعي أو تعددي في اتخاذ القرار.
الهيمنة الأميركية وإقصاء الأمم المتحدة
إعلان تأسيس هيئة قرار عالمية خارج الأمم المتحدة يعكس بوضوح رغبة واشنطن في التخلص من القيود التي تفرضها الشرعية الدولية. فالأمم المتحدة، رغم ضعفها، تبقى ساحة يمكن للدول الصغيرة والمتوسطة أن تُسمع صوتها فيها، وأن تُمارس بعض الضغط عبر التحالفات والتصويت.
لكن في المجلس الجديد، تُلغى هذه الإمكانية تماماً، إذ يصبح القرار النهائي بيد الولايات المتحدة وحدها. هذا يعني أن النظام الدولي سيتحوّل إلى نظام أحادي القطب، حيث تُفرض القرارات وفقاً لمصالح واشنطن، دون اعتبار لمصالح الشعوب أو القوانين الدولية.
إنها خطوة تعكس عقلية الهيمنة التي لطالما ميّزت السياسة الأميركية، لكنها اليوم تأخذ شكلاً أكثر وضوحاً وصراحة، عبر إلغاء أي دور للأمم المتحدة وتحويل النظام الدولي إلى أداة بيد رئيس واحد.
انعكاسات المشروع على القضية الفلسطينية
القضية الفلسطينية كانت دائماً مرآة للسياسات الأميركية في الشرق الأوسط. فمنذ عقود، استخدمت واشنطن حق النقض في مجلس الأمن لحماية كيان العدو من أي إدانة أو مساءلة دولية. واليوم، مع تأسيس مجلس السلام الجديد، تصبح هذه الحماية أكثر قوة، إذ يُلغى أي دور للأمم المتحدة، ويُمنح ترامب وحده سلطة تحديد مسار القرارات.
هذا يعني أن أي محاولة فلسطينية للحصول على اعتراف دولي أو قرار يُدين الاحتلال الصهيوني ستُواجه بجدار أميركي صلب، إذ لا توجد آلية للتصويت أو التفاوض، بل قرار فردي صادر عن الرئيس الأميركي.
لكن في المقابل، يمكن القول إن هذه الخطوة تكشف بوضوح الوجه الحقيقي للسياسة الأميركية، وتُسقط أي ادعاء بالحياد أو السعي لتحقيق السلام. وهذا قد يُشكّل فرصة للفلسطينيين وحلفائهم لإعادة بناء خطابهم السياسي على أساس فضح الهيمنة الأميركية، وكشف أن ما يُسمى «مجلس السلام» ليس سوى أداة لحماية الاحتلال وتكريس الظلم.
البُعد القانوني والسياسي للمجلس الجديد
من الناحية القانونية، تأسيس هيئة قرار عالمية خارج الأمم المتحدة يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، الذي يعترف بالأمم المتحدة كمرجعية وحيدة لإدارة العلاقات بين الدول.
ويتميز المجلس الجديد بغياب الشرعية فهو لا يستند إلى أي اتفاق دولي، بل إلى قرار فردي صادر عن رئيس دولة واحدة، وكذلك يُعد اشتراط دفع مبالغ مالية للحصول على العضوية انتهاكاً لمبدأ المساواة بين الدول، كما أن تركيز القرار بيد شخص واحد يُلغي أي مفهوم للتعددية أو الديمقراطية الدولية.
فلسطين بين التحدي والفرصة
رغم خطورة المشروع الأميركي، إلا أنه يُشكّل أيضاً فرصة للفلسطينيين لإعادة صياغة خطابهم السياسي. فإعلان ترامب يُظهر بوضوح أن الولايات المتحدة ليست وسيطاً محايداً، بل طرفاً منحازاً بالكامل للعدو الصهيوني.
هذا يُتيح للفلسطينيين فرصة لتوحيد صفوفهم، وبناء تحالفات دولية جديدة خارج إطار الهيمنة الأميركية، عبر التواصل مع الدول التي ترفض المشروع الجديد، مثل الصين وروسيا ودول الجنوب العالمي.
كما يمكن للفلسطينيين استخدام هذا الإعلان كدليل على أن ما يُسمى «عملية السلام» لم يكن سوى غطاء للهيمنة الأميركية، وأن الحل الحقيقي يكمن في مقاومة هذه الهيمنة، لا في التفاوض تحت شروطها.
ختاماً إعلان ترامب عن تأسيس هيئة قرار عالمية خارج الأمم المتحدة يُعد انقلاباً على النظام الدولي، ومحاولة لإلغاء أي دور للتعددية أو الشرعية الدولية. إنه مشروع يهدف إلى تكريس الهيمنة الأميركية، وتحويل النظام العالمي إلى أداة بيد رئيس واحد، يفرض قراراته وفقاً لمصالحه الشخصية والمالية.
لكن هذه الخطوة، رغم خطورتها، تكشف بوضوح الوجه الحقيقي للسياسة الأميركية، وتُسقط أي ادعاء بالحياد أو السعي لتحقيق السلام. بالنسبة لفلسطين، قد تكون هذه فرصة لإعادة بناء خطابها السياسي على أساس فضح الهيمنة الأميركية، وتوحيد صفوفها في مواجهة مشروع يسعى إلى تكريس الاحتلال وإلغاء أي دور للشعوب في تقرير مصيرها.