الوفاق/خاص/ روني ألفا
حتى أبسط حركة تحمل دلالتها. العامل الذي يضع قدميه أولًا على الأرض الباردة صباحًا قبل أن يرفع رداءه، والمُعلّم الذي يسكب القهوة في فنجانه الصغير قبل أن يبدأ الدرس. لذلك تبدو المقارنة مع مظاهرات الغرب فاضحة في المبالغة ومقصودة في آن، لأن الشكل واحد والجوهر مختلف.
في أوروبا وأميركا، التظاهر طقس مُنظَّم: موعد، مسار، لافتة، ثم نهاية محسوبة. الدولة هناك كيان منفصل يُطالَب ويُضغط عليه، الشارع مساحة مؤقتة.
في إيران الشارع امتداد للبيت والسوق والجامعة والحافلة. حين يتجمّع الناس لا يطالبون كيانًا خارجهم، يراجعون أنفسهم في فضاء عام يعرفهم ويعرفونه. الشرعية هنا تبدأ من التداخل لا من الفصل. كل خطوة محسوبة، كل حوار قصير، كل صمت يقرأ كما يقرأ الوزن على الميزان.
هذا التداخل ليس شعارًا، هو ممارسة يومية. في السوق الميزان يسبق الاسم، الآذري يقف إلى جانب العربي الذي يعرف مواسم نهر كارون في خوزستان. النهر يروي الأرض، يغذّي الزراعة، يشكّل شريان الصناعة والطاقة. الكردي يزن بيده قبل أن يثق بالميزان، معتمداً على خبرته وملاحظاته الشخصية. إيماءة تكفي لإغلاق الصفقة. العدالة هنا لا تُعلن، تُمارس.
في الحافلة، لهجات متشابكة، نكتة تُقال فلا تُفهم كاملة، الضحك يحدث، صمت طويل، الصمت معرفة. اليوم ثقيل لكنه منتج، العامل البلوشي يعرف ذلك، المعلّمة الفارسية تعرفه، الطالب اللُّري لا يحتاج شرحًا. كل ابتسامة، كل إيماءة رأس، كل حركة صغيرة تُقرأ وتُستوعب. الصمت ليس حيادًا، هو توافق عملي، يسبق السياسة ويقيها من الانفجار. كل يوم، كل لحظة، تعلم الناس كيف تتحرك الدولة معهم لا ضدّهم، وكيف يتحركون معها لا من دونها.
في المكاتب، الخلاف يُدار بهدوء، اقتراح، اعتراض، تأجيل، لا صوت مرتفع، لا خشية. الحساب الشمالي، الصبر الشرقي، الحسّ الزمني الجنوبي، كل قرار اختبار للتوازن، كل تسرّع كلفة مؤجلة. المجتمع يملأ الفراغ قبل أن يتسلّل الخارج. هناك مَن يصون الطريق، هناك مَن يحفظ المخزن، هناك مَن يحسب الوقت. الدولة في صمتها تعرف كل ذلك، تعرف أن الفراغ هو ما يسعى إليه الغول، تعرف أن الوحدة بحاجة لحفظ التفاصيل الصغيرة كما الكبيرة.
في الجامعات، التاريخ لا يُدرَّس كقصة واحدة. طالب كردي يتحدث عن الجبل، طالبة عربية تذكر نهر كارون، طالب آذري يستعيد طرق التجارة، طالبة فارسية تكتب كلمة على الهامش. الطلاب يتبادلون الملاحظات والخبرات فيما بينهم. الأساتذة يتابعون الحوار بصمت لتوجيه النقاش عند الحاجة. كل همسة، كل حركة إصبع، كل دفتر مفتوح يحمل توازنه الخاص.
المساجد والكنائس والمعابد توازي السوق، المواعيد تتقاطع، التهاني تتبادل، الطقوس تحترم. في مواسم العزاء تُفتح البيوت، الجار يشارك، الجوار رابطة عملية قبل أن يكون تعريفًا ثقافيًا. في الأعياد الأطفال يلعبون جنبًا إلى جنب. الفصول الدراسية ممتدة على تعدُّد الهُويات؛ لكنها موحدة بالفضاء العام. في كل وجبة مشتركة، في كل لحظة صلاة، في كل خطوة على الرصيف تتأكد الوحدة التي تمنع التفكيك.
أكثر من أربعة عقود حصار، الضيق ليس حادثًا طارئًا، إدارة الموارد مسألة سيادية، توزيع الحقوق والموارد الداخلية بعدالة يقوّي التماسك الوطني لكل الشرائح. تخطط الدولة للعدالة الاقتصادية والاجتماعية بوعي، لا ضغط خارجي، لا ظرف طارئ. العقد بين الدولة والناس غير مكتوب لكنه حقيقي، الهدف حماية الوحدة.
الاحتجاج على خدمة أو إدارة يشبه مظاهرات الغرب. الدفاع عن الدولة مساحة حماية. الدولة ليست جسدًا غريبًا، الشارع امتداد لها. كل صرخة، كل لافتة، كل خطوة تحمل طمأنة أن الدولة والشعب قلب واحد. في طهران تظاهرات داعمة للنظام مليونية، وفي تسعين مدينة وبلدة أخرى تظاهرات مشابهة بمئات الآلاف، لهجات مختلفة، مناطق بعيدة، ورسالة واحدة: حماية الفضاء العام وحماية الدولة من التفكك باسم المطالب.
المقارنة مع الغرب أداة ضغط، هناك يتظاهرون، وهنا يجب أن يسقط النظام. ما يُخفى أن التظاهر هناك لا يهدد وحدة الكيان، بينما يُدفع التظاهر هنا ليُحمَّل فوق طاقته. تُضخ روايات جاهزة، تُنتقى صور بعناية، الهويات تُستدعى خارج سياقها، الهدف فتح شقوق إثنية وعرقية وقومية تتحوّل إلى بؤر فتن.
المجتمع يعرف الخطة، يعرف أن اللعب على التعدد قصير الأمد، تحويل الهُويات إلى سكاكين يصيب الجميع. حين يشتدّ الضغط يتحول الاحتجاج إلى وعي، الشارع يصبح مساحة حماية. المطالب لا تُلغى، تُحاط بسقف وطني، كل خطوة محسوبة، كل قرار سياسي يمر عبر الواقع الاجتماعي، التجربة اليومية، شبكة العلاقات المتداخلة.
في الشرق يوم عمل منظم، في الشمال الحساب دقيق، في الوسط القرار يُؤجَّل حتى ينضج، في الجنوب الذاكرة طويلة، التفاوت لا يُلغى، يُدار. الدولة تفهم الإيقاع، تخفف الاحتكاك، تمنع الفراغ. الإدارة ممارسة فنية لمقاومة التفكيك. في القرى المتنقلة، العائلات تنتقل بين مواسم ومراعي ومسارات رزق، الاستقرار قدرة على العودة. ليست غياب المكان، بل علاقة مرنة به، يمكن المغادرة ثم العودة دون فقدان الحقوق أو الانتماء. الفراغ الاجتماعي يمنع، الثقة بالوحدة تبنى.
اللغة العامة تمنح الوقت، الوقت قيمة سياسية في إيران، يمنع الاختزال، يسمح بالشرح قبل التصنيف. في الكلام اليومي تختلط المفردات، لا أحد يصحِّح، المهم أن المعنى وصل، هذا القبول العملي صنع قدرة على التعايش، صنع مناعة ضدّ التفتيت، حتى الكلمات اليومية، حتى الإيماءات تعمل على حماية الوحدة.
في الأزمات، تتعرّى البنى، الزلزال لا يفرّق، الفيضان لا يسأل، الشبكات التضامنية الحقيقية تظهر، مَن ينظم، مَن يفتح المخزن، مَن يعرف الطريق، الأسماء تختفي، الوظائف تظهر، الذاكرة المشتركة أقوى من أي خطاب، تجربة أربعين سنة حصار، تجربة يومية، مقاومة بطيئة مستمرة.
المقارنة مع الغرب ضرورية، ليست لتشابه الأشكال، بل لاختلاف الجوهر، هناك التظاهر فصل، هنا التظاهر وصل، هناك الدولة تُختبر من الشارع، هنا الدولة تُحفظ بالشارع، هناك الخطر محدود، هنا الخطر مركّب.
في الصباح التالي، الناس يذهبون إلى أعمالهم، في إيران اليوم جزء من معركة طويلة، ضدّ التفتيت، ضدّ تحويل التعدُّد إلى صراع، ضدّ اختزال الشارع في صورة واحدة، المعرفة لا تُقال كثيرًا؛ لكنها تعمل، وتكفي.
