أمريكا ترامب؟

الوفاق/قدّم ترامب في زماننا هذا خدمة كبرى للبشرية وللتاريخ المعاصر! لا شك أن هذا الحكم سيثير دهشتكم: ترامب وخدمة البشرية والتاريخ؟!

عطاءالله مهاجراني

 

 

يروي نبينا محمد المصطفى(ص) حديثًا ورد في أهم مصادر الحديث حتى عند أهل السنّة، ومنها صحيح مسلم، عن أبي هريرة: «إنّ الله قد يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر».


إذا كنتم تذكرون، فإن الإمام الخميني(رض) استشهد بهذا الحديث في رثاء الشهيد آيةالله مرتضى مطهري. فخلف ظاهر الوقائع، يمكن أحيانًا رؤية طبقات خفية لا تكون مكشوفة للجميع.


إن أمريكا ترامب لا تختلف جوهريًا وبنيويًا عن أمريكا كارتر أو روزفلت أو أيزنهاور أو كلينتون أو أوباما أو بايدن. الفارق أن ترامب هو الوجه الأميركي بلا مساحيق ولا دبلوماسية ولا تورية. إنه أمريكا على حقيقتها العارية.


يقول ترامب بوضوح: «فنزويلا تعطيني خمسين مليون برميل نفط. أنا أتكفل بالتكاليف. ولن يبيعوا نفطهم لأحد إلا بإذني. وعليهم أن ينفقوا عائدات النفط بشراء منتجات الشركات الأميركية، حتى تستعيد فنزويلا عظمتها».


الشاعر سیاوش كسرائي، صاحب القصيدة الملحمية الشهيرة «آرش كمانغير» أي «آرش رامي السهم»، كتب في تشرين الثاني 1979 قصيدة بعنوان «أمريكا!». قرأتُ تلك القصيدة في الشهر نفسه. كان طلاب مؤيدون لحزب توده قد علّقوا نصها كاملًا على ورقة ضخمة على جدار قاعة الطعام في كلية الطب بجامعة شيراز. لم تكن هناك هواتف ذكية لتصويرها، فكتبتها بيدي في دفتري. يقول فيها:


أمريكا!
نادي الأراذل،
ومهبط غضب شعوب العالم،
السوق الكبرى لعبودية العصر،
مقلوب الكيمياء
التي تحوّل الحياة إلى رماد
والحبّ إلى بغيّ،
ذلك الغول ذو الألف يد
والعين الواحدة في جبهة الجشع
يراقب العالم بلا انقطاع…


ترامب هو الصورة ذاتها لأمريكا التي رسمها كسرائي قبل ستة وأربعين عامًا.


إنّه ينظر إلى العالم كله بوصفه ممتلكات خاصة للولايات المتحدة.


عندما احتلّ الجيش الأميركي وحلفاؤه العراق في عهد جورج بوش الابن، بدعم من بعض الدول العربية في منطقتنا، وهي نفسها التي دعمت العراق ضد إيران خلال الحرب المفروضة، بالمال والسياسة والدعاية وحتى الدعم العسكري، قال دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي آنذاك، وهو من غلاة المحافظين الجدد: «ليس ذنبنا أنّ الله وضع نفطنا في أراضي الآخرين».


ولهذا السبب جرى انقلاب عام 1953 في إيران وإسقاط حكومة محمد مصدق الوطنية.


ولهذا السبب أيضًا كان ولا يزال الوجود الأميركي في غرب آسيا.


ولهذا الحضور الأميركي والإسرائيلي الكثيف في بعض دول الجوار.


ولهذا الهجوم على فنزويلا، وكذلك العدوان على إيران في حرب الإثني عشر يومًا المفروضة.


الهدف واحد: السيطرة على موارد الطاقة.


تتعامل الولايات المتحدة مع بعض دول المنطقة باعتبارها توابع ووكلاء إقليميين. في أي من هذه الدول تدخلها، تكون الأجهزة الأميركية قد علمت بدخولك وخروجك قبل أن تعلم أنت.


كنتُ ذات مرّة في منزل الكاتب والمحلل المعروف عبدالله النفيسي في إحدى هذه الدول، فقال لي: «زار كلينتون بلادنا. ذهب أميرنا الشيخ صباح لاستقباله. كان كلينتون طويل القامة، يمشي بخطوات واسعة أثناء مراسم العرض العسكري، بينما كان أميرنا قصيرًا ممتلئ الجسد يهرول خلفه. بدا المشهد كأن كلينتون مايكل جوردان، وأميرنا كرة سلة! أظنّ أن كلينتون تعمّد إهانته».


وكما هو معلوم، بعد تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، قصفت القوات الجوية الأميركية منشآت بنيوية في إحدى دول المنطقة، لا لسبب عسكري مباشر، بل لتهيئة الأرضية لتوقيع عقود مع شركات أميركية. ثم فُرض على تلك الدولة أن تتولى الشركات الأميركية وحدها إعادة إعمار ما دمّرته الطائرات الأميركية.


يقول العلامة محمد إقبال اللاهوري:


«الجرح منه،
والمشرط منه،
ونحن والدم
نأمل الرتق،
جوهره سمّ،
وفي لؤلؤه عرق،
مسك هذا التاجر
من سرة الكلب».


ومنذ احتلال العراق، أنشأت الولايات المتحدة، بالتعاون مع الأمم المتحدة التي تصرفت عمليًا كوكيل لسياساتها العالمية، ما سُمّي «صندوق تنمية العراق». أُودعت فيه جميع عائدات النفط العراقي، ولم يكن يُسمح للحكومة العراقية بالإنفاق إلا بإذن هذا الصندوق. ولهذا لا تزال الحكومة العراقية تواجه عراقيل أميركية حتى في دفع مستحقات الكهرباء لإيران.


هكذا يريد ترامب إدارة العالم.


يظهر في دورين: الأول: دور الأب الروحي، على طريقة دون كورليوني في فيلم العرّاب. الدول هي «العائلات»، وعليها الخضوع لسلطة الأب الروحي، وإلا سيكون مصيرها كمصير مادورو.


الثاني: دور المتحكم الذي يسمح للزعماء بالعيش كـ«فئران حيّة» ماداموا مطيعين، فإذا انتهت صلاحيتهم السياسية، أصبحوا «فئرانًا ميتة».


محمد رضا شاه مثال صارخ على هذا النمط من العلاقة. جاء إلى الحكم بإرادة أميركية – بريطانية بعد نفي والده عام 1941م. واستمرّ في الحكم سبعة وثلاثين عامًا متكئًا على دعم واشنطن ولندن، مع نظرة حذرة نحو الاتحاد السوفياتي. ثم عاد إلى العرش بعد انقلاب عام 1953م بفضل عملية «أجاكس» التي نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية.


وحين غادر إيران، بقي الجنرال الأميركي هايزر أيامًا إضافية في البلاد. ويذكر محمد رضا شاه نفسه في كتابه «الجواب على التاريخ»، في فصل «المهمة الغامضة للجنرال هايْزر»، أن قائد القوات الجوية قال أثناء محاكمته: «الجنرال هايْزر رمى الشاه خارج البلاد كما يُرمى فأر ميت».


واللافت أن الشاه أورد هذا الوصف المهين بنفسه، والأغرب أن مترجمي الكتاب ومحرريه لم ينبهوا إلى أن مثل هذا الكلام لا يصبّ في صالحه. الحقيقة أن الولايات المتحدة تنظر إلى زعماء من هذا الطراز بوصفهم «فئرانًا حيّة» ماداموا نافعين، فإذا انتهت صلاحيتهم تحوّلوا إلى «فئران ميتة».


ترامب، بسلوكه وخطابه واستعراضه، حوّل السياسة الدولية إلى ساحة بلطجة مكشوفة؛ لكن المفارقة الإيجابية أن فشله كان واسعًا بقدر صخبه.


فشل في:


• فرض السلام بين روسيا وأوكرانيا
• ضمّ كندا
• تغيير اسم الخليجين المكسيكي والفارسي
• نزع سلاح حماس
• نزع سلاح حزب الله
• نزع سلاح الحشد الشعبي
• القضاء على أنصار الله في اليمن
• تدمير البرنامج النووي الإيراني
• الفوز بجائزة نوبل
• فرض إرادته على نيويورك
• السيطرة على غرينلاند
• حرب الرسوم الجمركية مع الصين


الفشل الأكبر، وهو خير للبشرية، أنه قضى على وهم الديمقراطية وحقوق الإنسان الأميركية.


أمّا أولئك الذين مازالوا يرون في ترامب منقذًا، فقصتهم فصل آخر من الجهل المركب.

 

المصدر: الوفاق / خاص

الاخبار ذات الصلة