لطالما مثّلت التبعية لـ”إنتلسات” مصدر مخاطرة لإيران. ففي السنوات الماضية، أوقفت هذه الشركة بث قنوات مثل “برس تي في” (Press TV) تحت وطأة الضغوط السياسية والعقوبات. ولقد أثبتت حادثة 18 يوليو أن المخاطر لا تقتصر على احتمال قطع التعاون فحسب، بل إن مخاطر انعدام أمن الإشارة مرتفعة للغاية عند الاعتماد على الأقمار الصناعية المؤجرة.
البث التلفزيوني المباشر يتطلب استقراراً لا يتحقق إلا في المدار الثابت بالنسبة للأرض (GEO) على ارتفاع 36 ألف كيلومتر. يتحرك القمر الصناعي في هذا المدار بالتزامن مع دوران الأرض، مما يجعله يبدو ثابتاً في نقطة واحدة بالنسبة للمراقب الأرضي.
مادامت إيران لا تمتلك “قمراً صناعياً وطنياً” في هذا المدار، فإنها مُجبرة على استئجار “أجهزة إرسال واستقبال” (Transponders) من أقمار صناعية أجنبية. في هذه الحالة، لا تكون إدارة أمن الترددات وتشفير الإشارة تحت سيطرة إيران بالكامل، ويمكن للمخترقين ذوي المعدات المتقدمة أن يحلوا محل المحتوى الخاص بها عبر التغلب على قوة الإشارة الأصلية.
خطة إيران للخروج من الاعتماد على الخارج
لدراسة حالة تقدم إيران نحو الوصول إلى هذا المدار الاستراتيجي، أجاب رئيس منظمة الفضاء الإيرانية عند سؤاله عما إذا كانت إيران تمتلك نقاط مدارية مسجلة في مدار “الجيو”، قائلاً: نعم، الجمهورية الإسلامية الإيرانية سجلت نقاطاً مدارية متعددة على ارتفاع 36 ألف كيلومتر في مدار الجيو، الذي يُعدّ مداراً استوائياً، والهدف من هذه النقاط هو استقرار الأقمار الصناعية لتقديم خدمات اتصالات واتصالات فضائية، تشمل خدمات النطاق العريض، الإنترنت، أو الخدمات الإذاعية والتلفزيونية.
وأشار حسن سالاريه إلى المشاريع قيد التنفيذ، قائلاً: برنامج الأقمار الصناعية المحلية للاتصالات يسير وفقاً للخطة الفضائية العشرية للبلاد. وأضاف: سيتم تصميم وبناء قمر “ناهيد 3” والأجيال القادمة منه بهدف الوصول إلى مدار الجيو وتقديم الخدمات على ارتفاع عال.
تشير التحليلات المنطقية لكلام المسؤولين الفضائيين في البلاد إلى أن “نقاط المدار” هي في الواقع أصول غير مرئية ولكنها حيوية لأي دولة في الفضاء الخارجي. وعندما نتحدث عن تعطيل قمر مثل “إنتلسات”، فإننا في الواقع نتحدث عن عدم استقرار “المستأجر” في الفضاء.
إن الوصول إلى مدار الجيو (36 ألف كيلومتر)، الذي يؤكد عليه سالاريه، ليس مجرد إنجاز علمي، بل يعني إنشاء “حصن إعلامي محصن”، حيث تقع مفاتيح تشفير وإدارة الإشارة داخل الحدود وتحت البروتوكولات المحلية. وفي المقابل، فإن مشروع أقمار “ناهيد” هو الردّ الفني لإيران على التهديدات التي تسببها الأحداث الأخيرة.
القمر الصناعي الذي يتم وضعه في مدار الجيو لا يتأثر بسهولة بهجمات “استبدال المحتوى”، نظراً للمسافة الشاسعة عن الأرض والتعقيدات التقنية في إرسال الإشارة البديلة. في الواقع، الاستقلال في مدار الجيو يعني إنهاء عصر التشويش الخارجي والاختراقات الفضائية التي تُفرض على البنى التحتية الوطنية عبر المشغلين الوسطاء.
كيف يقف القمر الصناعي المحلي سدًا أمام القراصنة؟
يعتقد العديد من الخبراء أن التواجد المستقل في مدار الجيو ليس مجرد عرض للقوة، بل هو ضرورة تقنية لإنهاء التغلغلات الإشارية. لو كانت إيران قد نشرت قمرها الصناعي المخصص في مدار 36 ألف كيلومتر، لكان الأمن الإعلامي للبلاد قد تحول جذرياً على المستويات الثلاثة التالية:
– السيطرة على بروتوكولات الوصول (Uplink): في الأقمار الصناعية المستأجرة مثل “إنتلسات”، تُحدَّد معايير الوصول وفقًا للقواعد الدولية والعادية، مما يسهل الطريق أمام القراصنة المحترفين؛ لكن في القمر الصناعي المحلي، تُصمَّم جميع طبقات التشفير وبروتوكولات إرسال الإشارة بشكل خاص وسري، مما يجعل التسلل إليه عمليًا مستحيلاً أو معقدًا للغاية.
– الإدارة الذكية في الحرب الإلكترونية: في حالة حدوث تشويش متعمد على القمر الصناعي المحلي، يمتلك مركز التحكم داخل البلاد الصلاحية الكاملة لتغيير التردد في جزء من الثانية أو “خنق” الإشارة المزعجة من خلال رفع غير مسبوق في قوة الإرسال (Power)؛ وهي صلاحيات محدودة للغاية في الأقمار المستأجرة بسبب القيود التعاقدية مع المشغل الأجنبي.
– الأمن في سلسلة إمداد الإشارة: إن امتلاك قمر صناعي مخصص يعني إنشاء شبكة مغلقة بالكامل (Closed-loop) من الاستوديو إلى الفضاء. في هذه الحالة، تصبح جميع نقاط الضعف الأمني في محطات الإرسال الأرضية تحت سيطرة محلية، ولن يتمكن القراصنة بعد الآن من استغلال الثغرات الموجودة في المعايير التجارية الدولية لحقن محتوى ملوث.
من “ناهيد 2” إلى معركة الإشارات في مدار “الجيو”
في مسار توطين التقنيات الفضائية، تلعب عائلة أقمار “ناهيد” للاتصالات دوراً محورياً. قمر “ناهيد 2” الصناعي، الذي تمّ وضعه بنجاح في المدار سابقاً، لم يكن مجرد إنجاز تقني في التصميم والبناء، بل أثبت قدرة إيران على البث الإذاعي والتلفزيوني (Broadcast) ونقل البيانات الضخمة عبر استخدامه لنطاق التردد “Ku”.
وقد صُمم هذا القمر الصناعي لاختبار الأنظمة الفرعية الحيوية، مثل التحكم في الوضع ثلاثي المحاور وأنظمة توزيع الطاقة الكهربائية، لتمهيد الطريق للأجيال الأكثر تقدماً.
“ناهيد 2” محطة عبور نحو الاستراتيجية العليا
تُظهر خارطة الطريق الفضائية الوطنية أن “ناهيد 2” ما هو إلا محطة انتقالية. حالياً، يخضع النموذج الثاني من قمر “ناهيد 2”، إلى جانب أقمار سلسلة “بجوهش”، للمراحل النهائية من التصنيع والاختبارات التكميلية، وهو مصطف للإطلاق بواسطة حوامل الإطلاق الوطنية.
إن إطلاق هذه النماذج المُعدَّلة يعني التثبيت النهائي لتقنية الاتصالات الإيرانية في المدارات المنخفضة (LEO) قبل القفزة الكبرى نحو الارتفاعات الأعلى.
“ناهيد 3” نقطة التحول الحاسم نحو الاستقلال الاستراتيجي
لكن نقطة التحول المحورية في هذه السلسلة هي القمر الصناعي “ناهيد 3”، الذي اجتاز بنجاح مرحلة التصميم الأولي، وبإكمال التصميم التفصيلي، دخل الآن مرحلة بناء النماذج الأولية.
تتمثل مهمة “ناهيد 3” في نقل إيران، بالاعتماد على الخبرات المكتسبة من أداء “ناهيد 2”، إلى حافة تكنولوجيا الاتصالات في المدار 36 ألف كيلومتر (الجيو).
إن هذه القفزة هي المفتاح المفقود الذي سيضمن بشكل كامل أمن البث التلفزيوني ضدّ الهجمات الإشارية والتشويش المتعمد، وذلك عبر إلغاء الوسطاء الخارجيين.