الوفاق/خاص/ د. أكرم شمص
ومع انقشاع الغبار، تبيّن أنّ طهران لم تكن فقط تدافع، بل ترسم فصلاً جديدًا في “الردع الشامل”، مدمجةً إرث القوة العسكرية لـ“الوعد الصادق” مع دهاء استخباري حوّل “المعجزة التقنية” الغربية إلى مصيدة، لتخرج الجمهورية الإسلامية بانتصار استراتيجي مركّب جمع بين الردع العسكري والتفوّق الاستخباري، وتعلن للعالم أنّ “الحرب الهجينة” قد تحطّمت، وأنّ إيران ليست فنزويلا ولا غرينلاند.
انتصار الردع.. وانكسار الحسابات الأمريكية
تشير القراءات المعمّقة إلى أنّ المواجهة انتهت بانتصار استراتيجي لطهران وهزيمة مدوية للمشروع الأمريكي في الجولة الأولى، دون إطلاق رصاصة واحدة. أخطأت واشنطن حين تعاملت مع إيران كما لو كانت “فنزويلا” تُختطف أو “غرينلاند” تُشترى، بينما كان الرادع الحقيقي هو معادلة الرعب الاقتصادية والعسكرية التي تجعل إغلاق مضيق هرمز يعني صدمة نفطية عالمية لا يتحملها الغرب ولا ترامب انتخابيًا.
لم يكن المشهد عفويًا، بل حربًا هجينة هدفت إلى تحويل الاحتجاج المطلبي إلى “تشغيل شارع” ونزيف شامل، فيما قرأت طهران ما جرى كاختبار سيادة لا أزمة أمن، وأعلنت أن الهدف هو “ابتلاع إيران” لا الإصلاح. وعلى الضفة الأخرى بدا ترامب متخبطًا بين وعود “المساعدة في الطريق” وخشية المجهول، بعدما أدرك أن أي تصعيد سيحوّل المضائق إلى ساحة نار، والقواعد إلى أهداف، والأسواق إلى فوضى، وأن خيار “تغيير النظام” عسكريًا سقط عمليًا منذ حرب الـ12 يومًا و“الوعد الصادق 3”.
هكذا أوقفت معادلة الردع المتراكمة الحرب قبل أن تبدأ؛ لأن القرار العسكري في هذه المنطقة يشبه توقيع شيك بلا سقف، ولأن الشرق الأوسط لا يُدار بالمنصّات ولا تُحسم معاركه بالبوستات، بل بميزان قوة لا يسمح بالمغامرات.
“فخّ ستارلينك”.. حين انقلبت العصا السحرية على أصحابها
كان يُفترض بـ“ستارلينك” أن تكون العصا السحرية التي تكسر قبضة الدولة عبر إنترنت فضائي يفلت من القطع ويمنح الشبكات قدرة التنظيم بعيدًا عن الرقابة؛ لكن الحقيقة التي تجاهلها الغرب أن كل تقنية تُضيء للمستخدم تُضيء أيضًا للخصم إذا امتلك أدوات الطيف والرصد؛ فـ“ستارلينك” ليست استقبالًا فقط، بل إرسالًا واستقبالًا يترك بصمة راديوية قابلة للالتقاط.
هنا تحوّلت الساحة إلى “حرب أطياف” تُدار بالتشويش الذي يُربك الاتصال، وبالتثليث الاتجاهي الذي يجرّد السرّية من معناها، ثم بـ“فخ العسل” الذي يترك نافذة مفتوحة لتتكثّف فوقها الاتصالات قبل سحب الخريطة من تحت أقدام مستخدميها.
بهذا المنطق الأمني حوّلت طهران ما رُوّج له كـ“حصان طروادة” إلى مصيدة مزدوجة: تعطيل موجي أصاب الأطباق بالعمى وشلّ فاعليتها بنحو 80%، ثم رصدٌ دقيق لإشارات الـUplink سمح بتحديد المواقع الجغرافية واعتقال رؤوس الشبكات في أوكارهم الآمنة ظاهريًا.
هكذا انتقلت “ستارلينك” من طوق نجاة إلى أصفاد تقنية، وتُختصر المعادلة القاسية للجولة في جملة واحدة: الإنترنت الذي ظنّوه ملاذًا صار دليل إدانة.
من منطق الفتنة إلى منطق الوجود.. ومن القوّة إلى العدالة
في خطاب الإمام الخامنئي، تتجاوز “الفتنة” كونها حادثًا سياسيًا لتصبح اختبارًا وجوديًا يكشف ما إذا كانت الدولة جسدًا ميكانيكيًا قابلًا للتفكيك أم كائنًا حيًا يمتلك مناعة وقدرة على الترميم.
هزيمتها ليست مجرد إخفاق للشغب، بل انتصار لوحدة المعنى والوجود الجمعي، حيث يتحول الشعب إلى فاعل أخلاقي – تاريخي لا كتلة تُدار من الخارج. وفي توصيفه لأمريكا كـ“إرادة ابتلاع” يقدّم نقدًا أنطولوجيًا للهيمنة الحديثة التي تسعى لنزع السيادة وإعادة تشكيل الهوية، لينقل الصراع من السياسة إلى معركة على “حق الوجود المختلف”.
كما أنّ وصفه لترامب بـ“المجرم” يحوّل المواجهة من صراع مصالح إلى صراع قيم، ويؤسس لفلسفة ردع أخلاقي تقوم على الحكمة مع الحزم: لا حرب استباقية؛ لكن لا إفلات من العقاب.
وفي ربطه بين الجغرافيا والإمكانات والتقدم العلمي، تتحوّل إيران إلى “مكان – معنى” في التاريخ لا مجرد مساحة، فيما تُقرأ الثورة كاستمرارية جدلية بين إرادة الهيمنة وإرادة التحرر.
هكذا يُعيد الخطاب تعريف الدولة ككائن حي، والسيادة كحق وجودي، والعدالة كمسؤولية عابرة للحدود.
لماذا انتصرت طهران “بلا رصاصة”؟ ولماذا سقط المشروع الأميركي؟
انتهت هذه الجولة بانتصار إيراني بلا إطلاق رصاصة لأن طهران قرأت ما جرى بوصفه صراع سيادة لا اضطرابًا أمنيًا، فحوَّلت صمود الداخل إلى فعل “بقاء سياسي – حضاري” في مواجهة محاولة “الابتلاع”.
في المقابل، اكتشفت واشنطن أن الضغط لا يفضي إلى الحسم، وأن الضربة العسكرية ليست مضمونة النتائج وتحتاج كلفة نارية وسياسية أعلى مما تحتمله. وفرضت جغرافيا الخليج الفارسي “اقتصاد ردع” يجعل أي تصعيد مقامرة عالمية تهدد الطاقة والملاحة والأسواق.
وحاول الأميركيون لعب مباراة قديمة بأدوات جديدة؛ لكن إيران نقلتها إلى ملعب آخر: الداخل لم يتفكك، بل أُدير بمنطق الفصل بين المطلب والتخريب؛ والخارج تراجع لأن النهاية مكلفة بلا ضمانات؛ والتقنية تحولت إلى ساحة اشتباك رجحت فيها كفة الحرب الإلكترونية الإيرانية.
والأهمّ أن الردع المتراكم منذ “حرب الـ12 يومًا” و“الوعد الصادق 3” جعل خيار الحرب أقرب إلى انتحار سياسي–اقتصادي منه إلى “نصر سريع”.
الخاتمة:
يمكن قراءة خطاب الإمام الخامنئي كبيان فلسفي يؤسس لمعنى جديد للدولة بوصفها كائنًا حيًا لا آلة، وللشعب كذات أخلاقية لا جمهورًا قابلًا للتلاعب، وللسيادة كحق وجودي لا امتيازًا سياسيًا، وللصراع كمعركة على الهوية والمعنى قبل القوة، وللعدالة كمسؤولية أخلاقية تتجاوز الحدود؛ خطابٌ ينقل إيران من منطق “الدفاع عن البقاء” إلى منطق “إثبات الحق في الوجود المختلف”.
وفي يناير 2026، انتصرت طهران دون إطلاق رصاصة واحدة، لأن “الرصاصة” الاستراتيجية كانت قد أُطلقت مسبقًا: رصاصة ردع جعلت الحرب قرارًا مستحيلًا، ورصاصة أمن جعلت الفوضى مكلفة، ورصاصة “مصيدة ستارلينك” التي قلبت المعجزة التقنية إلى عبء على أصحابها.
أرادت واشنطن إسقاط إيران بالشبكات والضغط والفوضى؛ لكنها وجدت نفسها أمام دولة تقول بثبات: جرِّبوا؛ لكن تذكّروا أنّ الباب لا يفتح من جهة واحدة.
