أزمة شرعية تهدد الرئاسة الأمريكية

شخصية ترامب بين الأسطورة والواقع .. خطر على الدستور والأمن القومي

 الاندفاع وعدم القدرة على التنبؤ يجعلان من قرارات ترامب مصدر قلق للحلفاء والخصوم على حد سواء، حين يصبح الكذب أداة سياسية، تفقد الولايات المتحدة مصداقيتها الدولية

لم يشهد التاريخ السياسي الأمريكي في العقود الأخيرة جدلاً بحجم الجدل الذي أثاره دونالد ترامب منذ لحظة دخوله البيت الأبيض. فالرجل الذي جاء من عالم الأعمال والإعلام ليقتحم السياسة، لم يكتفِ بكسر الأعراف التقليدية، بل أعاد صياغة مفهوم القيادة الرئاسية بطريقة صادمة لكثيرين. لكن المقالة التي نشرها المحامي المحافظ جورج كونواي في مجلة ذا أتلانتيك مثّلت نقطة تحول فارقة؛ إذ لم يكن النقد هذه المرة من خصوم ديمقراطيين أو من وسائل إعلام ليبرالية، بل من داخل المعسكر المحافظ نفسه، ومن شخصية لها صلة مباشرة بالبيت الأبيض عبر زوجته كيليان كونواي. هذا التداخل بين القانون وعلم النفس، بين التشخيص السريري والتحليل الدستوري، جعل المقالة بمثابة زلزال سياسي يهدد ليس فقط صورة الرئيس، بل شرعية بقائه في المنصب.

 

ترامب بين القانون والدستور

 

القسم الرئاسي في الولايات المتحدة ليس مجرد طقس بروتوكولي، بل هو تعهد قانوني وأخلاقي بحماية الدستور وضمان أمن الأمة. حين يطرح كونواي سؤال الأهلية، فهو لا يتحدث عن خلاف سياسي عابر، بل عن أزمة وجودية تمسّ جوهر النظام الأمريكي. فالرئيس الذي يفتقر إلى الاستقرار النفسي والصدق يصبح عاجزاً عن الوفاء بالقسم الدستوري. هذا الطرح يضع ترامب في مواجهة مباشرة مع الشرعية الدستورية، ويحوّل النقاش من خلاف حزبي إلى أزمة تهدد بُنية الدولة.

 

البُعد النفسي.. تشخيص شخصية الرئيس

 

اعتماد كونواي على معايير الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) أعطى المقالة بُعداً غير مسبوق. لم يكتفِ بوصف ترامب بأنه «نرجسي»، بل ذهب أبعد من ذلك، مشيراً إلى سمات«النرجسية الخبيثة» واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع. هذه التشخيصات تحمل دلالات خطيرة: انعدام التعاطف، الكذب المرضي، الاندفاع غير المحسوب، وعدم القدرة على التنبؤ. حين تُسقط هذه السمات على منصب الرئاسة، يصبح الخطر مضاعفاً، لأن قرارات الرئيس لا تؤثر على محيطه الشخصي فحسب، بل على مصير أمة بأكملها.

 

الكذب كأداة سياسية

 

من أبرز النقاط التي ركّز عليها كونواي هي النزعة الدائمة للكذب. في السياسة، قد يُستخدم التلاعب بالحقائق كتكتيك، لكن حين يصبح الكذب مرضياً، يتحول إلى نمط حياة يهدد مصداقية الدولة نفسها. ترامب، وفق المقالة، لا يكتفي بتزييف الحقائق، بل يستخدمها كأداة للسيطرة وإعادة تشكيل الواقع وفقاً لرغباته. هذا السلوك يخلق بيئة سياسية مشوّهة، إذ يصبح من الصعب التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية.

 

البيت الأبيض في مأزق داخلي

 

ما أعطى المقالة زخماً استثنائياً هو موقع كونواي نفسه. كونه زوج كيليان كونواي، المستشارة البارزة في البيت الأبيض، جعل انتقاداته العلنية بمثابة طعنة من الداخل للمؤسسة الحاكمة. هذا التناقض بين الموقفين داخل البيت الواحد يعكس حجم الانقسام الذي أحدثه ترامب حتى في أقرب الدوائر إليه. لم يعُد الأمر مجرد خلاف بين الحزبين، بل أصبح انقساماً داخل المعسكر المحافظ ذاته، بين من يرون في ترامب زعيماً شعبوياً قادراً على تحدي المؤسسة التقليدية، وبين من يعتبرونه خطراً وجودياً على الدستور.

 

الدستور في خطر

 

يؤكد كونواي أن السلوك المتقلب والاندفاعي ليس تكتيكاً سياسياً، بل عجزاً عن التمييز بين المصلحة الشخصية والمصلحة الوطنية. هذا العجز، في نظره، يضع الدستور في خطر مباشر. فالرئيس الذي لا يلتزم بالحقيقة ولا يمتلك استقراراً نفسياً يصبح عاجزاً عن الوفاء بالقسم الدستوري. هنا يتحول النقاش من نقد سياسي إلى دعوة صريحة للمشرعين والمسؤولين كي يضعوا الولاء للدولة والدستور فوق الولاءات الحزبية الضيقة.

 

شخصية ترامب بين الأسطورة والواقع

 

منذ حملته الانتخابية الأولى، بنى ترامب صورته على أنه«الرجل القوي» الخارج من عالم الأعمال ليعيد صياغة السياسة الأمريكية. لكن المقالة تكشف تناقضاً صارخاً بين هذه الصورة والأساس النفسي لشخصيته. فالرجل الذي يقدّم نفسه كرمز للنجاح والصلابة، يظهر في التحليل النفسي كشخصية هشة، تبحث عن الاعتراف بشكلٍ دائم، وتلجأ إلى الكذب والاندفاع لتعويض شعور داخلي بالنقص. هذا التناقض بين الأسطورة والواقع هو ما يجعل شخصية ترامب مثيرة للجدل، ومصدر قلق دائم للمؤسسة السياسية.

 

مقارنات مع رؤساء سابقين

 

حين نقارن شخصية ترامب برؤساء سابقين مثل ليندون جونسون أو ريتشارد نيكسون، نجد أن النزعة السلطوية ليست جديدة في التاريخ الأمريكي. لكن الفارق أن هؤلاء الرؤساء، رغم نزعاتهم، كانوا يمتلكون قدراً من الانضباط المؤسسي والقدرة على التمييز بين المصلحة الشخصية والمصلحة الوطنية. أمّا ترامب، بحسب كونواي، فيفتقر إلى هذا الانضباط، ويجعل من شخصيته محور السياسة، لا الدستور أو المؤسسات. هذا الفارق هو ما يجعل الأزمة الحالية أكثر خطورة من أزمات سابقة.

 

انعكاسات على الداخل الأمريكي

 

النقد الذي وجّهه كونواي فتح الباب أمام نقاش أوسع داخل الحزب الجمهوري حول مستقبل القيادة. لكنه أيضاً أثار جدلاً في المجتمع الأمريكي حول معنى الأهلية الرئاسية. هل تكفي الكفاءة السياسية وحدها، أم أن الاستقرار النفسي والأخلاقي جزء لا يتجزأ من الشرعية؟ هذا السؤال يعكس عمق الأزمة التي يواجهها النظام السياسي الأمريكي في ظل رئاسة ترامب، ويضع المواطنين أمام تحدي إعادة تعريف معايير القيادة.

 

انعكاسات على السياسة الخارجية

 

شخصية الرئيس لا تؤثر فقط على الداخل، بل تنعكس على السياسة الخارجية أيضاً. الاندفاع وعدم القدرة على التنبؤ يجعلان من قرارات ترامب مصدر قلق للحلفاء والخصوم على حد سواء. حين يصبح الكذب أداة سياسية، تفقد الولايات المتحدة مصداقيتها الدولية. وحين يغيب التعاطف، تتراجع قدرتها على بناء تحالفات قائمة على الثقة. هذا البُعد الخارجي يضاعف خطورة الأزمة، لأن العالم ينظر إلى الولايات المتحدة كقوة عظمى مسؤولة عن استقرار النظام الدولي.

 

أثر النقد على المؤسسة السياسية

 

حين يأتي النقد من شخصية مثل جورج كونواي، فإن أثره يتجاوز حدود المقالة. فهو يفتح الباب أمام نقاش أوسع داخل الحزب الجمهوري حول مستقبل القيادة، ويضع المشرعين أمام مسؤولية تاريخية: هل يستمرون في دعم رئيس يصفه أحد أبرز المحامين المحافظين بأنه «غير لائق للمنصب»، أم يضعون مصلحة الدولة فوق الولاءات الحزبية؟ هذا السؤال يعكس عمق الأزمة التي يواجهها النظام السياسي الأمريكي في ظل رئاسة ترامب.

 

ختاماً المقالة التي نشرها جورج كونواي في ذا أتلانتيك ليست مجرد نقد سياسي، بل هي مرافعة قانونية ونفسية تهدف إلى إعادة تعريف مفهوم الأهلية الرئاسية. من خلال الجمع بين القانون وعلم النفس، وضع كونواي شخصية ترامب تحت المجهر، كاشفاً عن خلل بنيوي يهدد الدستور والأمن القومي. هذا النقد، القادم من داخل المعسكر المحافظ، يُمثل أخطر تحدٍ لشرعية ترامب، لأنه يضرب في صميم المؤسسة التي أوصلته إلى السلطة. في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع النظام السياسي الأمريكي أن يتجاوز هذه الأزمة، أم أن شخصية ترامب ستظل تهديداً دائماً لبُنية الدولة والدستور؟

المصدر: الوفاق/ خاص