شهر شعبان هو ربيع القلوب ونور العقول، حيث تُرفع الأعمال وتتنزّل البركات، وفي اليوم الرابع من هذا الشهر المبارك، بزغ قمرٌ آخر في بيت أميرالمؤمنين(ع) أضاف نوراً جديداً إلى مركز أهل البيت النبوي والولائي. في روضة رسول الله(ص) تفتحت زهرة جديدة عطّرت الأرض والزمان إلى الأبد بعطر وجودها. حين وُلد طفلٌ تتجلى في محياه آثار العظمة والشجاعة، وكان مرآةً تامةً لجمال وكمال الإمام علي(ع)، وأشرق الكون بمولد قمر بني هاشم يوم بزوغ نوره من اُفق المجد العلوي. سيدنا العبّاس(ع) هو أحد أكثر الشخصيات حضوراً في كربلاء المقدسة محبوبيةً، ويحظى بمكانة خاصة في قلوب الشعب الإيراني.
إنّ الشخصية التي تحوّلت من تاريخٍ مقدسٍ إلى أسطورة حيّة في الوجدان الإنساني، لا تحتاج إلى مناسبة زمنية لإستدعائها، فهي تفرض حضورها كـقيمة كونية متجددة. أبي الفضل العبّاس(ع) لم يبقَ حبيس النصوص التأريخية أو المنابر الحسينية، بل إخترق حواجز الزمان والمكان ليصبح رمزاً عالمياً للوفاء المتسامي والأدب الوجودي. فشخصيته ليست مجرد أخٍ للإمام الحسين(ع) أو حامل راية، بل هي نموذج إنساني كامل حوّل التبعية الإيمانية إلى فلسفة حياة، والولاء إلى ملحمة جمالية، والشجاعة إلى فنٍّ أخلاقي.
هذا المقال يُعدّ رحلة في تجليات سيدنا العبّاس(ع) الفنية والثقافية، حيث نستعرض كيف تحوّلت شخصيته إلى مصدر إلهام لا ينضب للفنانين والكتّاب، من خلال لوحاتٍ تجسّد الروح قبل الجسد، وكُتبٍ تبحث في فلسفة الوفاء لا سرد الوقائع فقط.
اللوحات الفنية
– لوحة «حامل راية الحق»: الأستاذ الراحل محمود فرشجيان في إحدى لوحاته تحت عنوان «حامل راية الحق»، يصوّر لحظة إستشهاد سيدنا العبّاس(ع) عن ظهر جواده. الحصان المضحّي له، من خلال جلوسه على الأرض، حاول أن يبقي الفارس النوراني والذي بلا ذراعين فوق ظهره. في هذا العمل، تظهر القربة التي أصيبت بالسهم وسكب الماء على الجانب الأيمن من العمل، وكذلك الرماح والسهام التي أصابت جسد سيدنا العبّاس(ع) والحصان.
الراية الخضراء لحامل اللواء لا تزال مرفوعة، وهي تحيط بجسد وذراعي سيدنا العبّاس(ع) حتى لا تُرى اليدان المقطوعتان. أشجار النخيل المنتشرة في الصحراء حول العمل، تظهر حزينة ومليئة بالحزن والألم. جو حزين يغمر كامل فضاء العمل واللوحة.
– لوحة «رب الماء»: اللوحة الرقمية «رب الماء» التي رسمها الفنان الملتزم والثوري حسن روح الأمين، نُشرت على صفحته الشخصية وأصبحت متاحة للمجالس الدينية ومحبّي سيد الشهداء(ع)، وهو يصوّر مشهد حضور سيدنا العبّاس(ع) في نهر الفرات.
الكتب
-كتاب «الكفيل؛ حياة أبي الفضل(ع) في مرآة الروايات القصيرة»: اختارت السيدة ناهيد حسن بور روايات الكتاب في قالب روايات قصيرة، محطات من حياة قمر بني هاشم المنير(ع) وجمعتها في هذا العمل.
تنوي الكاتبة أن تقدّم للقارئ في قالب قصير ووقت محدود لمحة عن حياة سيدنا العبّاس(ع)، علماً أن المحتوى الرئيسي للكتاب هو إظهار صورة جميلة عن إيثار ووفاء أبي الفضل(ع) تجاه سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين(ع).
سيدنا العبّاس(ع) هو بطل يعتبر درس حريته ومروءته قدوة لأبطال التاريخ؛ بطل يطلب جميع الأبطال العون من يديه القويتين المفرجتين، ويسير جميع الشهداء في طريقه. تتعذب ينابيع الماء من عينيه، ويُقبّل محبّوه تراب كربلاء المقدسة بسبب قدميه الشريفتين. تعلّم قمر بني هاشم(ع) درس التديّن من مدرسة والده أميرالمؤمنين(ع).
– كتاب «حامل الراية والماء والمرآة: حياة أبي الفضل العبّاس(ع)»: الكتاب للمؤلف محسن بارسا، ويتطرق إلى سيرة وحياة سيدنا العبّاس(ع) حيث جاء في قسم منه: كان سيدنا العبّاس(ع) منذ الطفولة، رغم قرابته الدمية وأخوته لأبناء السيدة فاطمة(س)، ورغم أن الدم الطاهر للإمام علي(ع) كان يجري في عروقه، يحترم دائماً مقام وشأن إخوته وأخواته الفاطميين، وكان يرى أولادهم دائماً أهلاً للسيادة عليه.
أيقونة خالدة
وهكذا يظل سيدنا العبّاس(ع) أيقونةً خالدةً تختزل معاني الوفاء والأدب والتضحية في أبهى صورها، محفورةً في الذاكرة الإنسانية بلغة الفن والكلمة، لتبقى شمساً تُضيء درب المستضعفين وتُذكّر العالم بأنَّ القيم العظيمة لا تموت.