ترامب.. مستبدّ حديث على طريق السقوط

الوفاق/ يمثّل الرئيس الحالي للولايات المتحدة نموذجًا واضحًا لما يمكن تسميته بـ«الاستبداد الحديث»؛ وهو نمط من الاستبداد لا يتشكل عبر الانقلابات العسكرية، بل ينشأ من داخل الآليات الديمقراطية نفسها، مستفيدًا من الانقسامات الاجتماعية والإعلامية والمؤسسية. فعلى خلاف المستبدين الكلاسيكيين، وصل إلى السلطة عبر الانتخابات، إلا أن تجربته تثبت أن الشرعية الانتخابية لا تعني بالضرورة الالتزام بمبادئ الديمقراطية وروحها. فجميع مؤشرات السلطوية الحديثة تظهر بوضوح في أدائه السياسي.

عمليًا، حوّل ترامب السلطة إلى ملكية شخصية، وأصبحت المؤسسات المستقلة -من الجهاز القضائي إلى وسائل الإعلام والمحاكم- محل احترام منه فقط عندما تخضع لتوجيهاته وتخدم أهدافه الشخصية.

 

ويكشف هذا السلوك أن حتى الأنظمة الديمقراطية قد تنزلق إلى السلطوية عندما يتركّز القرار بيد شخص لا يحترم القواعد الأساسية، وأن تحقيق التوازن بين المؤسسات والرئيس لا يكون ممكنًا إلا بوجود التزام حقيقي بالمبادئ الدستورية.

 

صناعة العدو واستقطاب المجتمع

 

يعمد ترامب بصورة منهجية إلى تقسيم المجتمع الأمريكي إلى معسكرين: «نحن» و«هم». فالمهاجرون، والمسلمون، ووسائل الإعلام المستقلة، والنخب الأكاديمية، بل وحتى بعض السياسيين من حزبه، جرى مرارًا تقديمهم على أنهم «أعداء».

 

ويؤدي هذا النهج إلى إضعاف الحوار الديمقراطي وتعميق الاستقطاب الاجتماعي، ويخلق مناخًا تُواجَه فيه أي معارضة أو نقد بسرعة بتهم الخيانة أو التآمر.

 

وقد نجح ترامب في حشد دعم شريحة معينة من المجتمع عبر تضخيم الإحساس بالتهديد والخطر الجماعي، ما أتاح له تعزيز قاعدته الشعبية ودفع الأصوات المعارضة إلى الهامش.

 

التحكم في السردية والهجوم على الإعلام

 

الرئيس السابع والأربعون للولايات المتحدة وصف مرارًا وسائل الإعلام المنتقدة له بأنها ناشرة «للأخبار الزائفة» و«عدوّة للشعب»، في محاولة لإضعاف الثقة العامة واستبدال الواقع المتعدد الأصوات بسردية رسمية أحادية.

 

وأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي أداته الرئيسية للتواصل المباشر مع الجمهور؛ لكنها في الوقت نفسه وفّرت له منصة لنشر معلومات مضللة وتحريض المشاعر الجماعية.

 

ويمثل هذا التحكم في السردية أحد الأساليب الاستبدادية التي يعتمدها لترسيخ سلطته، عبر التلاعب بالواقع وتقييد مصادر المعلومات المستقلة.

 

وتُظهر هذه الظاهرة أن التكنولوجيا الحديثة لم تضمن الديمقراطية تلقائيًا، بل تحولت إلى أداة لتكريس السلطة وصناعة «وقائع بديلة».

 

وفي مثل هذا المناخ، يصبح تمييز الحقيقة أمرًا بالغ الصعوبة على المواطنين، وتضعف القدرة على المقاومة الجماعية، ما يؤدي إلى مزيد من تركّز السلطة بيد شخص مثل ترامب.

 

الاستخفاف بالحقيقة وتطبيع الكذب

 

يُعدّ الاستخفاف بالحقيقة وتطبيع الكذب من أبرز سمات الاستبداد الحديث. فقد أطلق ترامب مرارًا تصريحات غير قابلة للتحقق؛ لكن تكرارها المستمر أدّى إلى تآكل ثقة شريحة واسعة من المجتمع بمفهوم الحقيقة ذاته، وظهور ما يُسمّى «الواقع البديل».

 

وتُهيئ هذه العملية بيئة خصبة لنمو السلطوية، حيث تحل الولاءات السياسية محل الأدلة والوقائع، وتتراجع المعايير الجماعية لصنع القرار بصورة حادة.

 

وعندما تتحول الحقيقة السياسية إلى مسألة ولاء للسلطة والانتماء الجماعي، يفقد المجتمع قدرته على المقاومة المشتركة، وتُقيد إمكانات النقد وتصحيح السياسات.

 

ويجسد هذا الوضع أحد الأوجه الجوهرية للاستبداد الحديث لدى الرئيس الأمريكي، الذي يسهم عبر صناعة وقائع بديلة في تركيز السلطة وتقليص المساءلة.

 

سياسات الهجرة وانتهاك الكرامة الإنسانية

 

تُعدّ سياسات الهجرة التي انتهجها ترامب -ومنها حظر دخول مواطني بعض الدول الإسلامية، وفصل الأطفال عن عائلاتهم- مثالًا واضحًا على النظرة الأداتية للإنسان. ففي هذه السياسات، لا يُنظر إلى البشر كأصحاب حقوق، بل كوسائل لتحقيق أهداف سياسية وأمنية.

 

ويقوّض هذا النهج الأسس الأخلاقية والإنسانية للعمل السياسي، ويجعل العدالة والكرامة الإنسانية ضحية لحسابات السلطة. وقد استخدم ترامب ملف الهجرة لإنتاج الخوف وفرض القيود، بهدف ضبط المجتمع وتعزيز دعم فئات محددة.

 

الاستخفاف بقواعد اللعبة الديمقراطية

 

بعد خسارته انتخابات عام 2020، رفض ترامب الاعتراف بالنتائج، وأطلق ادعاءات عن التزوير أدّت إلى اندلاع موجة من العنف داخل الولايات المتحدة.

 

ويُعدّ الهجوم على مبنى الكونغرس مثالًا صارخًا على تجاهل قواعد المؤسسات الانتخابية والسعي إلى تركيز السلطة بيد فرد واحد. وهو سلوك استبدادي لا يعترف بالقواعد إلا عندما تخدم مصالحه، ويتجاوزها حين تعاكسها.

 

وتُظهر هذه الحادثة أن حتى الأنظمة الانتخابية التي تبدو ديمقراطية يمكن أن تنزلق إلى أزمات سياسية وعنف عام عندما يترافق تركّز السلطة مع الاستخفاف بالمؤسسات. وهي ظروف تتآكل فيها الثقة العامة بالديمقراطية بسرعة، ويصبح ترميمها عملية طويلة وشاقة.

 

سياسة خارجية قائمة على القوّة والإذلال

 

في ميدان السياسة الخارجية، انتهج ترامب مقاربة أحادية ومتعالية. فالانسحاب من الاتفاقيات الدولية، وفرض سياسة «الضغط الأقصى»، وتجاهل المؤسسات العالمية، كلها تعكس رؤية تعتبر العلاقات الدولية ساحة لاستعراض القوة الشخصية لا للتعاون أو حل النزاعات. وقد أسهم هذا السلوك في زيادة عدم الاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

 

ويُظهر التاريخ أن الاعتماد على القوة والإذلال في العلاقات الدولية غالبًا ما يقود إلى الصراع والفوضى. وتكشف تجربة ترامب أنه حتى في العالم الحديث يمكن تجاهل القواعد والمؤسسات الدولية؛ لكن ثمن ذلك يكون زعزعة الاستقرار على نطاق واسع، وإضعاف مصداقية المنظومات والمنظمات الدولية.

 

النتيجة:

 

خلاصة القول إن الرئيس الحالي للولايات المتحدة، دونالد ترامب، يجسّد صورة حيّة لمستبد حديث يتجاهل الأخلاق والقانون والديمقراطية تحت وطأة الغرور، والنزعة الفردية، وتركيز السلطة.

 

وقد أثبت التاريخ أن مثل هذه الشخصيات، مهما بدت قوية، تنتهي في نهاية المطاف إلى السقوط تحت ضغط الإخفاقات والهزائم السياسية.

 

ينظر ترامب إلى القانون لا بوصفه إطارًا ملزمًا، بل كأداة مؤقتة لخدمة مصالحه الشخصية والسياسية. وينعكس هذا التصور في الساحة الدولية عبر تجاهل الالتزامات القانونية، والانسحاب الأحادي من الاتفاقيات، وإضعاف المؤسسات العالمية. ومن خلال إقصاء قواعد القانون الدولي، حوّل العلاقات بين الدول إلى ميدان للابتزاز والضغط.

 

إنّ العقوبات الأحادية، والتهديد العلني للدول، وإهانة الحلفاء، والاستخدام الأداتي للقوة الاقتصادية والعسكرية، كلها شواهد على أن ترامب لا يفهم سوى منطق القوة والإكراه.

 

وتدلّ التجربة التاريخية على أن الفوضى القانونية في النظام الدولي تؤدي تدريجيًا إلى تآكل الشرعية، وتفكك التحالفات، وتصاعد المقاومة العالمية.

 

وبإصراره على هذا المسار، يقترب ترامب أكثر فأكثر من المصير المحتوم للمستبدين، أي «السقوط»؛ وهو مصير كرره التاريخ مرات عديدة ولا يزال.

 

 

المصدر: الوفاق

الاخبار ذات الصلة