من بوابة ولاية مينسوتا

انقسام متزايد وانتشار للمیلیشیات والسلاح .. هل أمريكا على وشك اندلاع حرب أهلية ثانية؟

تشهد الولايات المتحدة انقسامًا سياسيًا عميقًا، يتجاوز الخلافات التقليدية بين الجمهوريين والديمقراطيين. فهناك انقسام ثقافي جغرافي بين المدن والريف، وانقسام عرقي وكذلك اقتصادي،  هذا الانقسام يجعل أي أزمة قابلة للتحول إلى صراع هوياتي

منذ تأسيس الولايات المتحدة، ظلّ شبح الحرب الأهلية الأولى (1861–1865) حاضرًا في الذاكرة السياسية الأمريكية، لكنه بقي في خانة التاريخ أكثر منه في خانة التوقعات المستقبلية. غير أنّ التطورات المتسارعة في ولاية مينيسوتا مطلع عام 2026، وما رافقها من تصعيد بين الحكومة الفدرالية وحكومة الولاية، أعادت هذا الشبح إلى الواجهة بقوةٍ غير مسبوقة. فالتوترات التي أثارتها عمليات إنفاذ الهجرة التي تشرف عليها إدارة دونالد ترامب، وردود الفعل الحادة من جانب حاكم الولاية تيم والز، دفعت عددًا من الخبراء إلى التحذير من احتمال انزلاق البلاد نحو مواجهة داخلية قد تتجاوز حدود الخلافات السياسية التقليدية.

 

تأتي هذه التحذيرات في سياق سياسي واجتماعي بالغ الحساسية، يتّسم باستقطاب حاد، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتنامي النزعات الشعبوية، وتزايد الاحتكاكات بين السلطات الفدرالية وسلطات الولايات. ومع أنّ الحديث عن حرب أهلية جديدة قد يبدو للبعض ضربًا من المبالغة، إلا أنّ عدداً من الأكاديميين والمحللين يرون أنّ ما يجري في مينيسوتا يشبه إلى حدٍّ كبير السيناريوهات التي طُرحت في محاكاة أُجريت قبل عامين لاستشراف مخاطر الانقسام الداخلي في الولايات المتحدة.

 

جذور الأزمة – من الهجرة إلى الصدام المؤسسي

 

يُعدّ ملف الهجرة أحد أكثر الملفات إثارةً للجدل في السياسة الأمريكية في العقدين الأخيرين. ومع وصول إدارة ترامب إلى السلطة، اكتسب هذا الملف طابعًا أكثر حدّة، خصوصًا مع توسّع عمليات دائرة الهجرة والجمارك (ICE) داخل المدن والولايات التي تُعرف بمواقفها المتحفظة تجاه سياسات الترحيل.

 

في مينيسوتا، وهي ولاية ذات توجهات سياسية تميل إلى الديمقراطيين، أثارت العمليات الفدرالية موجة اعتراض واسعة، ليس فقط من جانب المسؤولين المحليين، بل أيضًا من جانب قطاعات واسعة من المجتمع المدني. وقد اعتبر حاكم الولاية تيم والز أنّ هذه العمليات تتجاوز حدود الإنفاذ القانوني التقليدي، وتتحول إلى ما يشبه «الاستعراض القسري للقوة».

 

وعندما وضع الحاكم «والز» الحرس الوطني في حالة تأهّب، بدا الأمر وكأنه خطوة دفاعية لحماية مؤسسات الولاية من تدخل فدرالي متزايد. لكن هذه الخطوة حملت دلالات رمزية وسياسية خطيرة، لأنها تعيد إلى الأذهان لحظات تاريخية شهدت صدامًا بين سلطات الولايات والسلطات الفدرالية، مثل أزمة الحقوق المدنية في الستينيات.

 

الخطير في هذه الحالة أنّ الحرس الوطني ليس مجرد قوة أمنية محلية، بل هو مؤسسة ذات طبيعة مزدوجة، فهي تتبع الولاية في الظروف العادية، لكنها قد تُستدعى للخدمة الفدرالية في حالات الطوارئ. هذا التداخل يجعل أي مواجهة بين الحرس الوطني والقوات الفدرالية احتمالًا كارثيًا بكل المقاييس.

 

كذلك أن قانون التمرّد هو أحد أكثر القوانين حساسية في النظام الأمريكي، لأنه يمنح الرئيس صلاحيات واسعة لنشر الجيش داخل البلاد. تاريخيًا، لم يُستخدم هذا القانون إلاّ في حالات استثنائية، مثل قمع أعمال الشغب أو حماية الحقوق المدنية.

 

لكن التلويح باستخدامه في سياق خلاف سياسي بين الولاية والحكومة الفدرالية يفتح الباب أمام أسئلة خطيرة حول حدود السلطة التنفيذية، وإمكانية استخدام الجيش كأداة سياسية. وهذا ما دفع عددًا من الخبراء إلى التحذير من أنّ تفعيل هذا القانون قد يكون نقطة اللاعودة في الأزمة الراهنة.

 

هل الحرب الأهلية احتمال واقعي؟

 

أعلن ستيف سايدمان: «الولايات المتحدة على بُعد ساعات أو أيام من حرب أهلية» تصريحات ستيف سايدمان، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كارلتون، أثارت ضجة واسعة لأنها جاءت بصيغة مباشرة وصادمة. فهو يرى أنّ استخدام الحرس الوطني لعرقلة عمليات( ICE)  وردّ الحكومة الفدرالية باستدعاء الجيش قد يؤديان إلى مواجهة مسلحة غير محسوبة، سايدمان لا يجزم بوقوع الحرب، لكنه يرى أنّ الظروف الحالية تجعل احتمال الانفجار «واقعيًا».

 

يشير سايدمان إلى أنّ رئاسة ترامب اتسمت بسلسلة من الأزمات المتلاحقة، وأنّ استمرار هذا النمط يجعل من وقوع أزمة كبرى مسألة وقت. هذا التحليل يستند إلى مفهوم«تراكم المخاطر»، إذ يؤدي تكرار الأزمات إلى إنهاك المؤسسات، وإضعاف قدرة النظام على امتصاص الصدمات. ولكن ماذا لو تدخل المواطنون؟ يُحذر سايدمان من أنّ أي حادث فردي – مثل إطلاق مواطن النار على عناصر( ICE) قد يُشعل فتيل أزمة أكبر. فالمجتمع الأمريكي يشهد انتشارًا واسعًا للسلاح، وتناميًا في الميليشيات المحلية، وتزايدًا في الخطاب التحريضي. وهذا يجعل أي احتكاك صغير قابلًا للتحول إلى مواجهة واسعة.

 

 

البُعد القانوني والدستوري – من يملك القرار؟

 

النظام الأمريكي قائم على مبدأ الفيدرالية، إذ تتقاسم الولايات والحكومة المركزية الصلاحيات. لكن هذا التوازن هشّ بطبيعته، وقد شهد عبر التاريخ لحظات توتر حاد، مثل أزمة الحقوق المدني، أزمة المدارس في أركنساس،  مواجهات بين حكّام الولايات والرؤساء، لكن ما يُميز أزمة مينيسوتا هو أنّها تأتي في سياق استقطاب سياسي غير مسبوق، وفي ظلّ تراجع الثقة بالمؤسسات.

 

كما أن قانون التمرّد يمنح الرئيس صلاحيات واسعة، لكنه ليس مطلقًا. فهناك شروط قانونية يجب توفرها، مثل:وجود تمرد فعلي، عجز سلطات الولاية عن فرض النظام، تهديد الأمن القومي،  لكن الخلاف يكمن في تفسير هذه الشروط. فإذا اعتبر الرئيس أنّ رفض الولاية التعاون مع ICE يُشكل «تمردًا»، فقد يستخدم القانون بطريقة توسعية.

 

نظريًا، يمكن للكونغرس أو القضاء الحدّ من سلطات الرئيس. لكن عمليًا الكونغرس يعاني من انقسام حاد ، المحاكم بطيئة في اتخاذ القرارات ، الأزمة قد تتطور أسرع من قدرة المؤسسات على التدخل،  وهذا ما يجعل السيناريو أكثر خطورة.

 

السياق الاجتماعي والسياسي – لماذا الآن؟

 

تشهد الولايات المتحدة انقسامًا سياسيًا عميقًا، يتجاوز الخلافات التقليدية بين الجمهوريين والديمقراطيين. فهناك انقسام ثقافي جغرافي بين المدن والريف، وانقسام عرقي وكذلك اقتصادي،  هذا الانقسام يجعل أي أزمة قابلة للتحول إلى صراع هوياتي.

 

وفقًا لاستطلاعات الرأي، تراجعت الثقة في الكونغرس، القضاء، الإعلام، الأجهزة الأمنية. هذا التراجع يجعل المواطنين أكثر ميلًا لتصديق الروايات المتطرفة، وأقل استعدادًا للقبول بقرارات المؤسسات.  والأخطر انتشار السلاح والميليشيات فالولايات المتحدة تضم أكثر من 400 مليون قطعة سلاح، إضافة إلى عشرات الميليشيات المحلية، هذا الواقع يجعل أي صراع سياسي قابلًا للتحول إلى صراع مسلح.

 

ختاماً الأزمة في مينيسوتا ليست مجرد خلاف سياسي حول الهجرة، بل هي اختبار حقيقي لقدرة النظام الأمريكي على الصمود أمام الضغوط الداخلية. فالتوتر بين الحكومة الفدرالية والولاية يكشف هشاشة البُنية الدستورية، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول حدود السلطة التنفيذية، ودور القضاء، ووظيفة الحرس الوطني، والعلاقة بين الدولة والمجتمع.

 

التحذيرات من حرب أهلية جديدة قد تبدو صادمة، لكنها تعكس حجم القلق الذي يعيشه الخبراء والمراقبون. فالعوامل التي تغذي الانقسام – من الاستقطاب السياسي إلى انتشار السلاح – تجعل من أي أزمة قابلة للتحول إلى مواجهة واسعة، الأيام المقبلة ستكون حاسمة، ليس فقط لمينيسوتا، بل لمستقبل الاتحاد الأمريكي بأسره.

 

المصدر: الوفاق/ خاص