الأدلة من أفواههم..

دور أمريكا و«إسرائيل» في هندسة الفتنة داخل إيران

إنّ دراسة أعمال الشغب الأخيرة في إيران من دون الالتفات إلى الاعترافات الصريحة، وأحياناً الفجّة، الصادرة عن مسؤولين سياسيين وأمنيين وعسكريين وأكاديميين غربيين، تقدّم صورة ناقصة وساذجة، وفي نهاية المطاف مضلِّلة عن الواقع الميداني. ففي الأشهر والسنوات الماضية، ولا سيّما بالتزامن مع الفتنة الأخيرة في إيران، نُشرت سلسلة من التصريحات العلنية والمقابلات والمذكّرات والتحليلات على لسان شخصيات أمريكية و«إسرائيلية» وأوروبية معروفة، تكشف بوضوح عن الدور النشط والمنظّم والهادف لأجهزة الاستخبارات الأمريكية و«الكيان الصهيوني» في تشكيل هذه التطورات وتوجيهها وتصعيدها. وهذه الاعترافات لم تصدر عن وسائل الإعلام الداخلية الإيرانية، بل جاءت على لسان أشخاص عملوا لسنوات في قلب بنية السلطة الغربية؛ أشخاص إمّا شاركوا مباشرةً في تصميم وتنفيذ مثل هذه العمليات، أو أن موقعهم أتاح لهم الوصول إلى معلومات مصنّفة وسرّية. وهذه النقطة بحدّ ذاتها تضاعف وزن هذه التصريحات ومصداقيتها.

في هذا السياق، تحتل تصريحات لورنس ويلكِرسون، رئيس مكتب و«المستشار الأقدم» لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولين باول، مكانة خاصة. إذ يعلن ويلكِرسون بصراحة أن تحرّكات أجهزة الاستخبارات الغربية، بما فيها الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA وجهاز الاستخبارات البريطاني MI6 داخل إيران، تتم بدعم مباشر من دونالد ترامب. ويؤكد أن عناصر هذه الأجهزة موجودون داخل البلاد تحت غطاء مواطنين إيرانيين، وأن مهمتهم تتمثل في تعميق حالة عدم الاستقرار، ودفع الاحتجاجات باتجاه العنف، واستنزاف الحاكمية. وتصدر هذه الأقوال عن شخص أمضى سنوات في أعلى مستويات صنع القرار في السياسة الخارجية الأمريكية، ويعرف آليات التشغيل الأمنية والاستخبارية في هذا البلد.

 

 

وفي الإطار نفسه، يرى جيفري ساكس، الاقتصادي البارز وأستاذ جامعة كولومبيا، أن احتجاجات إيران ليست ظاهرة اجتماعية فحسب، بل هي شكل من «الحرب الخاصة» أو الحرب الهجينة؛ حربٌ استخدمتها الـCIA والموساد مراراً على مدى عقود في بلدان مختلفة من أمريكا اللاتينية إلى غرب آسيا. ويؤكد ساكس أن نمط سلوك الولايات المتحدة و«إسرائيل» في هذا المجال معروف تماماً: ضغط اقتصادي وتحريض على السخط واختراق استخباري وعمليات نفسية، ثم محاولة تغيير النظام السياسي. وبرأيه، ما يجري اليوم في إيران هو إعادة إنتاج للنمط القديم نفسه بأدوات أكثر حداثة. وتُظهر هذه التصريحات أنه حتى داخل أوساط النخب الأكاديمية الغربية لا يوجد تردّد في القول إن هذه التطورات مُهندسة ومُدارة.

 

 

كما أن وسائل الإعلام “الإسرائيلية” اعترفت أحياناً—ولو من حيث لا تشعر—بهذه الحقيقة. فقد أشارت صحيفة “جيروزالِم بوست” العبرية في تقرير إلى الدور النشط للموساد في التطورات الداخلية في إيران، واعتبرته جزءاً من «حرب الظلال» بين طهران وتل أبيب.

 

 

وفي هذا المسار، يذهب جون كرياكو، الضابط السابق في الـCIA ومُسرّب معلومات برنامج التعذيب في هذه الوكالة، إلى أبعد من ذلك، إذ يقول إن «الإسرائيليين» أنفسهم أكدوا أن جزءاً من المحتجّين الإيرانيين هم عناصر تابعة للموساد أو على صلة به، بل إن بعض وسائل الإعلام «الإسرائيلية» تتباهى بذلك. ويؤكد كرياكو أن هذه «الاعترافات» تأتي ضمن إطار حرب نفسية مصمَّمة لإرسال رسالة إلى طهران، وفي الوقت نفسه لتحريض الأجواء داخل إيران.

 

 

وتزداد دلالة هذه التصريحات عندما توضع إلى جانب رسالة مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق. فقد قدّم بومبيو في رسالة علنية وبأسلوب ساخر تهنئة رأس السنة إلى «الإيرانيين الموجودين في الشوارع»، وكذلك إلى «أي عميل للموساد يسير إلى جانبهم». وهذه العبارة ليست مجرد «مزحة» سياسية، بل هي شكل من الاعتراف بحضور عناصر استخبارية «إسرائيلية» في ساحة أعمال الشغب داخل إيران؛ اعتراف يصدر عن أحد أعلى المسؤولين الأمنيين والدبلوماسيين في إدارة أمريكية سابقة.

 

 

إلى جانب ذلك، يصرّح لاري جونسون، الضابط السابق في الـCIA، بشكل واضح أن الفوضى الأخيرة في إيران لم تكن انتفاضة طبيعية وعفوية، بل كانت نتيجة عملية استخبارية محسوبة ومتعددة الطبقات نفذتها الـCIA والموساد. ويؤكد أن هذه العملية شملت بناء الشبكات، وتدريب العناصر الميدانية، والحرب الإعلامية، وتوجيه الاحتجاجات نحو العنف.

 

 

كما يشرح دوغلاس ماكغريغور، العقيد المتقاعد في الجيش الأمريكي والمستشار السابق في البنتاغون، أن احتجاجات إيران رغم أنها بدأت بمطالب اقتصادية واجتماعية واقعية، إلا أنها سرعان ما صودرت من قبل لاعبين خارجيين وتحولت إلى عملية استخبارية مشتركة. وبحسب قوله، شملت هذه العملية ضخّ الموارد المالية، وتوفير أدوات اتصال مثل الإنترنت الفضائي ستارلينك Starlink، وتحريض المتظاهرين، ودفع الحشود نحو الاشتباك المسلح، مؤكداً أن كل ذلك انتهى بالفشل. وهذه التفاصيل تظهر أن مشروع زعزعة الاستقرار لم يقتصر على الحرب الإعلامية، بل دخل مرحلة أمنية وميدانية.

 

 

وعلى المستوى الدولي، أشار ألكسندر فوتشيتش، رئيس جمهورية صربيا، إلى انقلاب عام 1953م في إيران، مؤكداً أن الموساد والـCIA يسعيان لتكرار سيناريو «عملية أجاكس» Operation Ajax. وحذّر من أن الغرب يستخدم الأدوات نفسها والمنطق القديم نفسه، لكن بواجهة جديدة.

 

 

كما تؤكد تصريحات أستاذ جامعة كولومبيا، وكذلك أليستر كروك، الدبلوماسي وضابط الاستخبارات البريطاني السابق، وجود عناصر مدرَّبة ومنظَّمة ومرتبطة بأجهزة أجنبية بين مثيري الشغب. وقد شدد أليستر كروك على أن مجموعة صغيرة شديدة العنف من مثيري الشغب في إيران كانت قد تلقت تدريباً من قبل منظمات غير حكومية أجنبية ومؤسسات استخبارية غربية أخرى. وأن هذه الجهات هندست الفوضى في إيران لتهيئة الأرضية لتدخل الولايات المتحدة و«إسرائيل».

 

 

إن مجموع هذه الاعترافات والتصريحات يبيّن أن دور الولايات المتحدة و«إسرائيل» في أعمال الشغب الأخيرة في إيران ليس ادعاءً دعائياً داخلياً من طهران، بل حقيقة ينطق بها اللاعبون الغربيون أنفسهم.

 

 

 تحليل نمط التدخل الأمريكي و«الإسرائيلي» في تطورات إيران

 

 

عندما تُجمع هذه الاعترافات إلى بعضها، يتكشف نمط مألوف ومتكرر وقابل للتعرّف عليه بوضوح؛ نمط سبق أن جرى اختباره في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وغرب آسيا.

 

 

ويشرح جون ميرشايمر، أستاذ العلاقات الدولية المعروف، هذا النمط خطوةً خطوة، فيعتبر أن الخطوة الأولى تتمثل في فرض عقوبات واسعة ومُشلّة لتخريب الاقتصاد ومعاقبة الناس بشكل مباشر. والهدف من هذه المرحلة ليس تغيير سلوك الدولة، بل صناعة ضغط معيشي، واستنزاف رأس المال الاجتماعي، ورفع مستوى السخط العام.

 

 

وفي الخطوة الثانية، ما إن يتشكل السخط، تُهيَّأ الأرضية لتحريك الاحتجاجات وتغذيتها. وهنا يبرز دور الأجهزة الاستخبارية، ووسائل الإعلام العابرة للحدود، وشبكات التواصل الاجتماعي، والمنظمات التي تُقدَّم على أنها «غير حكومية». وتشمل أدوات هذه المرحلة تدريب العناصر الميدانية، وضخّ التمويل، وإنشاء شبكات اتصال آمنة، وتوجيه الرأي العام، وتضخيم روايات محددة.

 

 

أما الخطوة الثالثة، وفق ميرشايمر، فهي إطلاق حملة واسعة من التضليل والعمليات النفسية لإقناع الرأي العام الغربي بأن هذه الاحتجاجات «عفوية بالكامل» و«شعبية» ولا علاقة لها بأي تدخل خارجي. وفي هذا المناخ، يُقدَّم أي ردّ من جانب الحاكمية على أنه «قمع»، ويُمهَّد الطريق لمزيد من الضغوط السياسية و«الحقوقية» وحتى العسكرية.

 

 

وفي النهاية، إذا لم تحقق هذه المراحل النتائج المطلوبة، تُطرح خيارات التدخل المباشر أو التخريب أو الاغتيال أو ضرب البنى التحتية الحيوية على الطاولة. ولهذا يشدد بعض المحللين الغربيين، ومنهم جنك أويغور، على أن الولايات المتحدة و«إسرائيل» لا تسعيان إلى «الديمقراطية» في إيران، بل إن هدفهما الأساسي هو إيصال بنية سياسية تابعة وقابلة للتحكم.

 

 

إن التطورات الأخيرة في إيران يمكن تحليلها ضمن هذا الإطار بدقة: ضغط اقتصادي شديد وحرب نفسية واسعة ثم دعم إعلامي لأعمال الشغب ومحاولة جرّ الاحتجاجات إلى مرحلة العنف المسلح. كما أن وجود عناصر أجنبية، والترويج ل “صناعة القتلى”، وتخريب الممتلكات العامة، ومحاولة إحداث شرخ اجتماعي—كلها مؤشرات على أن الهدف الأساسي كان زعزعة الاستقرار واستنزاف الأمن الداخلي.

 

 

النتيجة:

 

 

إن مجموع الاعترافات والأدلة والتحليلات المقدَّمة يثبت بوضوح أنه لا يمكن النظر إلى أعمال الشغب الأخيرة في إيران على أنها ظاهرة اجتماعية أو اقتصادية فحسب. بل إن هذه التطورات كانت جزءاً من حرب هجينة شاملة ضد إيران؛ حرب بدأت بالعقوبات الاقتصادية ثم امتدت إلى عمليات استخبارية وأمنية وإعلامية ونفسية.

 

 

وما يجعل هذه الحقيقة أكثر بروزاً هو أن جزءاً كبيراً من هذه «الاعترافات» صدر على لسان مسؤولين وعسكريين وخبراء غربيين، لا على لسان مصادر داخلية إيرانية. وهذا ما يؤكد ويرفع رواية التدخل الخارجي من مستوى الادعاء إلى مستوى «الواقع الموثَّق». فضلاً عن ذلك، فإن تحريض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمثيري الشغب بشكل مباشر وعَلني يُعدّ بحدّ ذاته أكبر وثيقة في هذا السياق.

 

 

وباعتراف بعض الخبراء والمحللين الغربيين، فإن هذا المشروع فشل في الوصول إلى أهدافه النهائية. فقد حالت متانة البنية السياسية الإيرانية، ويقظة جزء كبير من المجتمع، وعجز المخططين عن التحكم بتداعيات العنف، دون تحقق السيناريو الذي جرى التخطيط له.

 

 

المصدر: الوفاق / موقع khamenei.ir

الاخبار ذات الصلة