الدكتور محمد مهدي حسن بغدادي- باحث في العلاقات الدولية
هذا الموقف لا يمكن التعامل معه كـ”رأي سياسي” أو “نصيحة دولية”، بل هو تدخل مباشر في صميم العملية الدستورية العراقية، ومحاولة فجة للتأثير على خيارات الشعب العراقي وممثليه، في انتهاك صارخ لمبدأ السيادة الذي يفترض أن يكون حجر الزاوية في العلاقات الدولية.
فحين يخرج رئيس دولة عظمى ليقول صراحة إنّ على بلد آخر “ألا يرتكب خيارًا سيئًا” عبر انتخاب شخصية بعينها، فإننا نكون أمام منطق الوصاية لا الشراكة، وأمام عقلية استعمارية قديمة تتبدّل أدواتها ولا يتبدّل جوهرها.
السيادة، في المفهوم القانوني والسياسي، تعني أنّ:
الشعب هو مصدر السلطات،
والعملية السياسية شأن داخلي محض،
ولا يحق لأي دولة _ مهما كان وزنها _ أن تفرض فيتو على أسماء أو خيارات سياسية داخل دولة أخرى.
من هذا المنطلق، يصبح موقف المالكي الرافض للتدخل الأميركي موقفًا مبدئيًا لا شخصيًا، لأن القضية لم تعد متعلقة بترشيح فرد، بل بكرامة دولة كاملة وبحقها في تقرير مسارها السياسي دون إملاءات خارجية.
اللافت في الخطاب الأميركي أنه يتحدث عن الديمقراطية حين تناسبه، ويصمت عنها حين تفرز نتائج لا تخدم مصالحه. فالولايات المتحدة التي غزت العراق عام 2003 تحت شعار “جلب الديمقراطية”، هي نفسها التي تحاول اليوم مصادرة نتائج هذه الديمقراطية مسبقًا عبر التهديد والابتزاز السياسي والاقتصادي.
والأكثر مفارقة أن التقييم الأميركي لتجربة المالكي _ بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها _ يُقدَّم كحقيقة نهائية، وكأن الشعب العراقي عاجز عن تقييم تجربته بنفسه، أو محكوم دائمًا بوصاية خارجية تعرف “مصلحته” أكثر منه.
لذا السؤال الجوهري الذي تفرضه هذه الحادثة ليس:
هل نوري المالكي مناسب أم لا؟
بل: من يملك حق الاختيار؟
فإذا كان الاختيار يتم تحت سقف التهديد بقطع الدعم، أو فرض العقوبات، أو العزل السياسي، فنحن لسنا أمام عملية ديمقراطية، بل أمام إدارة أميركية غير مباشرة للحياة السياسية العراقية. وفي هذا السياق، لا يعود الامتحان محصورًا بشخص نوري المالكي أو بغيره من الأسماء المتداولة، بل يتحوّل إلى امتحان سيادة شامل تُوضع فيه مجمل القوى والتيارات العراقية أمام مسؤوليتها التاريخية. فاليوم ليس يوم اصطفافات انتخابية عابرة، بل لحظة فاصلة بين خيارين لا ثالث لهما: إما دولة تقرّر بنفسها، أو كيان سياسي مُدار من الخارج. إنّ صمت أي طيف من الأطياف العراقية، أو تكيّفها مع هذا التدخل تحت ذرائع الواقعية السياسية أو تجنّب الضغوط، لا يعني سوى القبول الضمني بالارتهان، وتحويل التهديد الأميركي إلى أداة حكم غير معلنة. فالمعركة هنا ليست على رئاسة حكومة، بل على مستقبل السياسة العراقية برمّتها، بعدما وضعها دونالد ترامب علنًا على محك الإرادة الأميركية.
والخطورة تكمن بأنّ القبول بهذا التدخل، حتى بالصمت أو التبرير، يفتح الباب أمام تدخلات مستقبلية أوسع، وتعطيل أي مسار وطني مستقل، وتحويل الدولة إلى رهينة مزاج الخارج.
لذا فإنّ رفض التدخل الأميركي في الشأن العراقي ليس دفاعًا عن شخص، ولا عن حزب، بل هو دفاع عن مبدأ السيادة ذاته. فالدول لا تُبنى بالفيتوهات الخارجية، ولا تُدار بالتهديدات، ولا تستقيم ديمقراطيتها تحت ضغط السفارات.
العراق، إن أراد أن يكون دولة فعلية لا اسمية، لا بد أن يحسم هذه المعادلة: “القرار من بغداد… لا من واشنطن”.
