إيران والحرب الموعودة: بين التهويل والتطمين الساذج

قراءة هادئة في طبيعة الصراع الأميركي–الإيراني، وحدود الحرب، وأدوات الردع التي تمنع الانفجار الشامل دون أن تُنهي المواجهة.

الدكتور محمد مهدي حسن بغدادي- باحث في العلاقات الدولية

 

 

 

منذ سنوات، تتحرك العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران في مساحة رمادية تكثر حولها التفسيرات المتناقضة. خطاب إعلامي يهوّل بقرب الحرب الشاملة، في مقابل خطاب آخر يُطمئن إلى استحالتها المطلقة، وكلاهما يعكس قراءة قاصرة لطبيعة الصراع القائم. فالواقع لا يُختصر بسؤال: هل تقع الحرب أم لا؟ بل بكيفية إدارة المواجهة، وحدودها، والأدوات المستخدمة فيها، وما إذا كانت الظروف تسمح بانفجارها أو تفرض إبقاءها تحت السيطرة.

 

في هذا الإطار، لا يمكن فهم ما يجري بين واشنطن وطهران بوصفه حالة سلام متوتر، ولا حربًا مؤجلة، بل كصراع مفتوح يُدار بوعي نسبي للكلفة والمخاطر. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، دخلت العلاقة مرحلة “الضغط الأقصى”، حيث فُعّلت العقوبات الاقتصادية والمالية إلى أقصى حد، واستُهدفت صادرات النفط، وشُدّد الخناق على النظام المصرفي، وترافقت هذه الإجراءات مع حرب نفسية وإعلامية تهدف إلى إنهاك الداخل الإيراني. ومع ذلك، لم يتحول هذا التصعيد إلى مواجهة عسكرية شاملة، لا بسبب تراجع حدة العداء، بل بسبب إدراك متبادل لارتفاع كلفة هذا الخيار.

 

أحد العوامل التي كثيرًا ما تُهمَل في التحليل الغربي هو العامل الشعبي. التجربة الإيرانية تُظهر أن التهديد الخارجي المباشر لا يؤدي إلى تفكك الداخل بقدر ما يدفعه إلى إعادة ترتيب أولوياته. اغتيال الفريق قاسم سليماني في كانون الثاني/يناير 2020 شكّل محطة مفصلية في هذا السياق، إذ تحوّل الحدث من محاولة ردع إلى عامل تعبئة وطنية واسعة، عزّز الالتفاف الشعبي حول خيار المواجهة ورسّخ قناعة عامة بأن الصراع مع الولايات المتحدة ليس ظرفيًا بل بنيويًا. وقد تكرّس هذا المعطى مجددًا خلال حرب الأيام الاثني عشر الأخيرة، حيث أظهرت التطورات الميدانية مستوى ملحوظًا من التماسك الداخلي وتراجعًا واضحًا للخلافات السياسية والاجتماعية أمام الشعور بوجود تهديد خارجي مباشر. هذا السلوك الجماعي لا يمكن فصله عن الوعي التاريخي الإيراني بطبيعة المواجهة، ولا عن إدراك راسخ بأن الضغوط الأميركية لا تستهدف سياسات بعينها، بل موقع إيران ودورها الإقليمي برمّته.

 

كما يبرز العامل العسكري بوصفه أحد أهم عناصر الردع الإيرانية في أي سيناريو تصعيد محتمل. فإيران لم تبنِ قوتها العسكرية على منطق الاستعراض، بل على التراكم الهادئ للقدرات، ولا سيما في مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. وقد كشفت حرب الأيام الاثني عشر الأخيرة، في بعض مراحلها، عن جانب من هذا الاستعداد؛ سواء لناحية دقة الإصابات، أو تنوع المنصات، أو القدرة على إدارة النيران ضمن حسابات سياسية دقيقة، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. هذه القدرات لا تُقرأ فقط بوصفها أدوات حرب، بل كجزء من معادلة ردع تهدف إلى رفع كلفة أي مغامرة عسكرية ضد إيران، وإفهام الخصم أن خيار القوة لن يكون بلا أثمان استراتيجية وأمنية واقتصادية واسعة.

 

أيضا تحتل الجغرافيا الإيرانية موقعًا مركزيًا في معادلة الردع. فإيران ليست دولة هامشية يمكن تطويقها بسهولة أو إخضاعها بضربة سريعة. موقعها الجيوسياسي، وإشرافها على مضيق هرمز الذي يمر عبره ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية، يجعل أي مواجهة عسكرية معها ذات انعكاسات مباشرة على أمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق. وهذا العامل وحده كافٍ لإدخال حسابات إضافية على أي قرار عسكري، حتى قبل النظر في القدرات الدفاعية أو الهجومية.

 

ولا يمكن فصل هذه المعادلة عن البعد العقائدي. فالعقيدة الإسلامية السياسية في إيران لا تعمل فقط كإطار أيديولوجي، بل كمنظومة تعبئة وصبر استراتيجي طويل الأمد. تجربة الحرب المفروضة بين عامي 1980 و1988 لا تزال حاضرة في الذاكرة السياسية الإيرانية، بوصفها نموذجًا لقدرة الدولة والمجتمع على تحمّل الاستنزاف في ظل عزلة دولية قاسية، وتحويل التحدي الوجودي إلى عامل تماسك داخلي.

 

إلى ذلك، راكمت إيران خلال العقود الماضية شبكة علاقات إقليمية متينة، لم تُبنَ كردّ فعل آني أو ظرف طارئ، بل كجزء من رؤية استراتيجية بعيدة المدى. وجود حلفاء فاعلين في أكثر من ساحة إقليمية يعني أن أي مواجهة مباشرة مع إيران لن تبقى محصورة ضمن حدودها الجغرافية، بل ستتحول سريعًا إلى اشتباك إقليمي متعدد الجبهات، وهو ما تدركه واشنطن جيدًا، وتتعامل معه كأحد أبرز عناصر الكلفة المحتملة لأي خيار عسكري.

 

لهذه الأسباب مجتمعة، تتعامل الولايات المتحدة مع إيران بمنطق الاحتواء عبر الاستنزاف، لا بمنطق الحسم العسكري. فصانع القرار الأميركي يدرك أن إيران ليست العراق عام 2003، ولا ليبيا عام 2011، ولا أفغانستان التي انتهت التجربة الأميركية فيها بانسحاب مكلف عام 2021. أي حرب مع إيران ستكون طويلة، مفتوحة النتائج، وعالية الكلفة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، مع احتمالات محدودة لتحقيق نصر واضح أو سريع.

 

الأحداث الإقليمية التي تلت السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أضافت طبقة جديدة من التعقيد إلى هذا المشهد. تصاعد التوتر، وتآكل بعض معادلات الردع التقليدية، وازدياد الحذر الأميركي من الانجرار إلى مواجهة مباشرة، كلها مؤشرات إلى أن الصراع دخل مرحلة أكثر حساسية، لكن من دون أن يخرج عن إطاره الأساسي: صراع مُدار، لا حرب مقررة.

 

في المحصلة، لا تخوض الولايات المتحدة صراعها مع إيران وهي تبحث عن حرب شاملة، كما لا تواجه إيران الضغوط وهي تتوهّم تسوية قريبة أو مخرجًا سهلًا. ما يجري هو صراع إرادات طويل، تُستخدم فيه أدوات الاستنزاف السياسي والاقتصادي والأمني، ضمن سقوف تمنع الانفجار الكبير، لكنها لا تُنهي الاشتباك. غير أن الإفراط في اختبار خطوط الردع، أو سوء التقدير في لحظة إقليمية شديدة التوتر، يبقى احتمالًا قائمًا لا يمكن تجاهله.

 

ما ينبغي التوقف عنده أن إيران، رغم الضغوط المتراكمة، لم تُظهر أي استعداد للتراجع تحت التهديد، بل راكمت عناصر قوة شعبية وجيوسياسية وعقائدية وإقليمية تجعل كلفة الحرب عليها مرتفعة، لكن كلفتها على خصومها أعلى بكثير. لذلك، يبقى الرهان الأميركي محصورًا في إدارة الصراع لا في حسمه، وفي الاستنزاف لا في المواجهة المفتوحة. أما أي انتقال إلى حرب شاملة، فلن يكون نتيجة قرار مدروس، بل نتيجة فشل في ضبط هذا الصراع، وهو فشل تدرك واشنطن مسبقًا أن تداعياته قد تتجاوز قدرتها على السيطرة.

 

 

المصدر: الوفاق / خاص