إحسان صالحي
وخلال هذه المدة نُشرت مشاهدات ووثائق كثيرة تتعلق بتفاصيل الأعمال الإرهابية، ولا تزال وقائع أخرى قيد الكشف، غير أن ما يستحق قراءة أعمق هو عوامل فشل الهجوم الثاني، حيث يبدو أن العامل الأهم تمثّل في القوة الداخلية لإيران. فالمراقبون العالميون، حين يخرجون من دائرة المعلومات الزائفة التي تروّجها وسائل الإعلام الخاضعة للصهيونية، يُبدون دهشتهم إزاء قوة خرجت، خلال سبعة أشهر، من قلب حربين مفروضتين وهي أكثر تماسكًا واقتدارًا.
والقوة التي أظهرتها إيران في ساحتين، هما حرب الاثني عشر يومًا والعمليات الإرهابية الأخيرة، شملت كلًا من القوة الصلبة والقوة الناعمة. فالقوة الصلبة للجمهورية الإسلامية، المتمثلة في قدراتها الدفاعية والصاروخية، قلبت بصورة لافتة حسابات المعتدين في حرب الاثني عشر يومًا، ولا تزال حتى اليوم مصدر القلق الرئيسي لهم إزاء أي مغامرة جديدة، في ضوء تعاظم تلك القدرات. غير أن الوجه الآخر للقوة، الذي تجلّى في الحرب المذكورة عبر الالتفاف حول الراية الوطنية، وبرز في الأحداث الأخيرة كعامل مباشر في إفشال الحرب الإرهابية، هو القوة الناعمة المتجسدة في الجوهر الديني والوطني للشعب الإيراني.
ويمكن تناول أبعاد القوة الناعمة الوطنية التي تتجلى في المنعطفات الحساسة بإسهاب، إلا أن أحد أعمدتها الأساسية، والذي جرى اختباره عمليًا وملموسًا من قبل الناس في هذه الأحداث كما في حرب الاثني عشر يومًا، المفروضة، هو ركن القيادة.
ففي حرب الاثني عشر يومًا، اختبرت شرائح المجتمع، بما فيها مجموعات وأفراد من توجهات سياسية ودينية مختلفة، حقيقة أن العامل الحاسم في هزيمة العدو المعتدي كان القيادة ودور قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي. ومن هذا الإدراك الجمعي الممزوج بالعاطفة والعقلانية، نشأ شعور وطني مشترك حين حضر قائد الثورة، رغم المخاطر، مراسم ليلة عاشوراء، حيث ساد بين الإيرانيين إحساس جامع امتزج فيه الفرح والطمأنينة والاقتدار.
وشهدت الأحداث الأخيرة إحساسًا مشابهًا. فمنذ بداية الاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025، التي انحرفت للأسف نحو أعمال شغب وعنف إرهابي، ظهر قائد الثورة خلال أربعة عشر يومًا في ثلاث مناسبات عامة وألقى ثلاث خطابات مفصلية.
الخطاب الأول كان في 3 يناير 2026، أي بعد ستة أيام من انطلاق احتجاجات السوق، وفي وقت كانت قد شهدت بعض المدن اشتباكات وأعمال شغب. وقد ركّز فيه قائد الثورة الإمام السيد علي الخامنئي على محورين أساسيين: الاعتراف بالاحتجاجات والتعاطف معها، والترسيم الواضح للحدود مع أعمال الشغب والتأكيد على مواجهتها. وعلى الرغم من وضوح مساعي العدو لاستغلال موجة الاحتجاجات بهدف خلق مواجهات عنيفة وسقوط قتلى، فإن قائد الثورة لم يحجب تعاطفه مع المحتجين.
وقبل هذا الخطاب، كان الرئيس الأميركي قد أعلن، في مناسبتين، الأولى في 29 ديسمبر 2025 على هامش لقائه مع نتنياهو، والثانية في 2 يناير 2026، ما يشبه كلمة السر للعملية الإرهابية، مستخدمًا مصطلح «القتل»، ومعلنًا دعمه لمن يقوم بـ«قتل المحتجين». إلا أن موقف قائد الثورة، القائم على الفصل بين الاحتجاج والشغب، والتعاطف مع الاحتجاج مع التشديد على مواجهة الشغب، أدى إلى إفشال مشروع استقطاب اجتماعي واسع لصالح أعمال الشغب.
وكان سيناريو العدو يقوم على تشكيل حشود كبيرة من المحتجين ودفعها نحو مسار الشغب، غير أن هذا التفكيك الذكي حال دون تنفيذ المخطط، بحيث لم تتجاوز أعداد المتواجدين في ذروة الأحداث، سواء من المتفرجين أو المخربين، نحو واحد في المئة من إجمالي السكان.
أما الخطاب الثاني، والذي يُعد بلا شك من الخطابات التاريخية لقائد الثورة، فقد أُلقي في 9 يناير 2026، بعد ساعات من أعمال الشغب الإرهابية التي وقعت ليلة الخميس. وكان هذا اللقاء مقررًا سلفًا بمناسبة ذكرى التاسع من يناير، إلا أن تزامنه مع أعمال الشغب المسلحة منح حضور القائد ومواقفه أثرًا حاسمًا في تغيير المعادلات. وقد أوضحت عبارته المحورية، التي أكد فيها أن الجمهورية الإسلامية قامت بدماء مئات آلاف الشرفاء، ولن تتساهل مع المخربين أو مع عملاء الأجانب، أن لا مجال لأي تراجع، وأن الشعب نفسه سيتصدى للمشروع الميداني للعدو وأدواته.
وكان لذات الحضور دلالة خاصة، إذ إن من بين أهداف العدو في مثل هذه الأحداث إظهار رأس النظام بمظهر المتزعزع. وقد نُفّذ هذا المشروع هذه المرة بقدر من الفجاجة دفع حتى الرئيس الأميركي نفسه إلى التدخل، حيث قال في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، ردًا على سؤال بشأن شائعة مغادرة قائد الثورة إيران: «نعم، يبدو أنه ينوي الذهاب إلى مكان ما».
وعليه، فإن حضور قائد الثورة بعد ساعات من أحداث 8 يناير 2026، أسهم من جهة في بث الطمأنينة في نفوس الناس القلقين من الهجمات الإرهابية، ومن جهة أخرى في ترسيخ نهج المقاومة الوطنية إلى حد إفشال مشروع الشغب الإرهابي.
أما الخطاب الثالث، فقد ألقاه قائد الثورة في 17 يناير 2026، بمناسبة ذكرى المبعث، وكان ذا طابع تفسيري وتثبيتي. فبعد تنظيم المسيرات الكبرى في 12 يناير 2026 في عموم البلاد، واحتواء الفتنة الداخلية، قدّم القائد في هذا الخطاب قراءة جامعة لطبيعة الفتنة وأهدافها وأطرافها، وبيّن مقاربة الجمهورية الإسلامية تجاه المتورطين الداخليين والخارجيين.
وكان تصريحه الواضح بأن رئيس الولايات المتحدة يُعد مجرمًا، تعبيرًا عن صلابة النظام واعتماده موقفًا فاعلًا وهجوميًا، وقد عكست ردود الفعل الغاضبة للرئيس الأميركي أن الرسالة أصابت هدفها بدقة.
ويبدو أن حضور قائد الثورة الإمام السيد علي الخامنئي وتواصله مع الشعب قبل الأزمة وأثناءها وبعدها، عبر نهج قائم على التوضيح والتفكيك والتحصين والتثبيت، شكّل تجليًا واضحًا للقوة الناعمة للبلاد. وقد أسهم ذلك في فصل صفوف المحتجين عن مثيري الشغب إلى حد كبير، وتحديد مهام الأجهزة المعنية في مواجهة العناصر المسلحة، وتعزيز معنويات المجتمع في مواجهة صدمة الهجمات الإرهابية، وإفشال الحرب النفسية التي روّجت لانهيار النظام والمجتمع، وإعادة الاستقرار والتماسك بين الشعب والمسؤولين لأداء الواجبات الوطنية.
