أولاً: 18 دي.. فشل الرهان على الإرهاب
شكّلت العملية الإرهابية التي وقعت في طهران يوم 18 دي اختباراً قاسياً لكل مَن راهن على زعزعة الاستقرار الداخلي في إيران عبر أدوات العنف غير المباشر. كان الهدف واضحاً: ضرب الأمن، وإثارة الهلع، وفتح ثغرة في الجبهة الداخلية؛ لكن النتيجة جاءت معاكسة تماماً. فبدلاً من الانقسام، ظهر التلاحم؛ وبدلاً من الفوضى، برز الانضباط؛ وبدلاً من اهتزاز الثقة، تعززت.
سياسياً، كانت الرسالة أوضح: المشروع الذي يقف خلف هذه العمليات، وفي مقدمته الإدارة الأميركية في عهد ترامب، فشل في فهم المجتمع الإيراني وطبيعة بنيته السياسية. الإرهاب لم يُضعف الدولة، بل فضح إفلاس مَن يستخدمه، وحوّل الاتهام من الداخل الإيراني إلى الخارج المحرّض.
ثانياً: عسكرة الشرق الأوسط.. طريقٌ إلى الخسارة
دخل ترامب الشرق الأوسط بعقلية تاجر لا رجل دولة، وبمنطق القوة العارية لا التوازن الاستراتيجي. كثّف الحضور العسكري، لوّح بالحرب، وباع السلاح بمليارات الدولارات، معتقداً أن ذلك سيُخضع المنطقة ويعيد إنتاج الهيمنة الأميركية؛ لكن الواقع أثبت أن عسكرة المنطقة لم تؤدِّ إلّا إلى نتائج عكسية: تراجع الردع الأميركي، تصاعد قوى المقاومة، وتآكل الثقة حتى لدى الحلفاء التقليديين. لقد تحولت القواعد العسكرية إلى أهداف محتملة، وتحول الوجود الأميركي من “ضامن للاستقرار” إلى “عامل توتر دائم”. وفي قلب هذا المشهد، نجحت إيران في إدارة الصراع بعقل بارد، دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، محققة توازناً ردعياً أربك الحسابات الأميركية.
ثالثاً: ملف إبستين.. إنهيار الادّعاء الأخلاقي
لم تكن قضية إبستين مجرد فضيحة شخصية، بل لحظة كاشفة لانهيار السقف الأخلاقي للنخبة السياسية الأميركية. ارتباط أسماء نافذة بهذا الملف، والصمت المتعمد، ومحاولات الطمس، كلّها أسقطت الخطاب الأميركي عن “القيم” و”حقوق الإنسان”.
في هذا السياق، خسر ترامب أخطر معاركه: معركة الصورة الأخلاقية. فكيف لمن تغاضى عن شبكات الاستغلال والانتهاك أن يمنح نفسه حق محاكمة الآخرين؟ لقد تحوّل الخطاب الحقوقي الأميركي، في عهد ترامب، إلى أداة انتقائية فاقدة للمصداقية.
رابعاً: إخفاقات دبلوماسية من غرينلاند إلى فنزويلا
في السياسة الخارجية، قدّم ترامب سلسلة من الإخفاقات التي يصعب حصرها. من الطرح العبثي لشراء غرينلاند، الذي أحرج الولايات المتحدة أمام العالم، إلى الفشل الذريع في إسقاط الحكومة الفنزويلية رغم الحصار والعقوبات، وصولاً إلى التوتر غير المسبوق مع كندا، الشريك الاستراتيجي الأقرب.
هذه الملفات كشفت غياب الرؤية، واستبدال الدبلوماسية بالعصبية، والحكمة بالغرور. لقد خرجت واشنطن من هذه المواجهات أقل نفوذاً، وأكثر عزلة، بينما أدركت دول كثيرة أن الاعتماد على إدارة كهذه مخاطرة استراتيجية.
خامساً: الهزيمة أمام القانون الدولي
انسحب ترامب من الاتفاقيات الدولية، وشرعن العقوبات الجماعية، وتجاوز قرارات الأمم المتحدة، ظناً منه أن النظام الدولي يمكن إخضاعه بإرادة أحادية؛ لكن النتيجة كانت عكسية: اهتزاز شرعية الولايات المتحدة، وتزايد الدعوات إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب.
في هذا المشهد، حافظت إيران على موقعها كدولة تعرف متى تلتزم بالقانون الدولي، ومتى تكشف ازدواجيته، دون أن تسقط في الفوضى أو العدوان. هذا التوازن منحها شرعية سياسية وأخلاقية، في مقابل عزلة أميركية متزايدة.
سادساً: إيران.. انتصار بلا ضجيج
لم يكن انتصار إيران في هذه المرحلة انتصاراً صاخباً، بل انتصاراً هادئاً، متراكماً، قائماً على الصبر الاستراتيجي ووحدة القرار. القيادة، والحكومة، والشعب، تحركوا ضمن رؤية واحدة، تُقدّم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، وتربط السياسة بالأخلاق.
هذا النموذج، مهما اختلف البعض معه، أثبت فعاليته في مواجهة الضغوط، وفي إفشال مشاريع الإخضاع.
سابعاً: سقوط أسطورة “الحاكمية المزدوجة”
أثبتت الوقائع أن الحديث عن “حاكمية مزدوجة” في إيران لم يكن سوى وهمٍ غذّته بعض الدوائر الإعلامية. اليوم، تظهر مؤسسات الدولة، السياسية والعسكرية، في حالة انسجام ووفاق غير مسبوق، تحت إشراف القيادة، وبإجماع وطني واضح. هذا التماسك كان أحد أهم أسباب فشل كل الرهانات الخارجية.
الخاتمة:
في المحصلة، لم يخسر ترامب معركة واحدة، بل خسر نموذجاً كاملاً: نموذج القوة بلا أخلاق، والسياسة بلا حكمة. وفي المقابل، قدّمت إيران نفسها بوصفها نموذجاً مغايراً: دولة تصمد، وتفاوض، وتردع، دون أن تتخلى عن سرديتها الأخلاقية.
وهكذا، حين يُكتب تاريخ هذه المرحلة، سيُسجّل أن الضجيج كان أميركياً، أمّا النتيجة فكانت إيرانية.
