سيد عباس عراقجي، وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ألقى اليوم السبت 7 فبراير، كلمة خلال مشاركته في “منتدى الجزيرة 2026” في دولة قطر، تناول فيها السياسة الخارجية الإيرانية والتطورات الإقليمية والدولية، وفيما يلي نص كلمته:
يشرفني أن أتحدث في هذا المحفل الفكري، وأن أتطرق إلى القضية الأكثر جوهرية في منطقتنا: فلسطين. اسمحوا لي أن أبدأ حديثي بحقيقة تعلمتها منطقتنا عبر عقود من التجارب المؤلمة، واليوم بات العالم أيضاً يدركها من جديد، بثمن إنساني كارثي وفادح: «فلسطين ليست مجرد واحدة من بين قضايا عديدة».
ففلسطين هي القضية المحورية للعدالة في غرب آسيا وما وراءها. وفلسطين هي البوصلة الاستراتيجية والأخلاقية لمنطقتنا. وهي اختبار لمعرفة ما إذا كان القانون الدولي لا يزال ذا معنى، وما إذا كانت حقوق الإنسان عالمية بالفعل، وما إذا كانت المؤسسات الدولية قد أُنشئت لحماية الضعفاء أم أنها مجرد أدوات لتبرير قوة الأقوياء.
وعلى مدى أجيال، كان يُنظر إلى أزمة فلسطين في الغالب باعتبارها نتيجة للاحتلال غير القانوني وإنكار حق ثابت لا جدال فيه: حق تقرير المصير لشعبٍ ما. غير أننا اليوم يجب أن نقرّ بأن هذه الأزمة تجاوزت بكثير مفهوم الاحتلال. فما نشهده في غزة ليس مجرد حرب. وليس «صراعاً» بين طرفين متكافئين. كما أنه ليس نتيجة غير مقصودة لإجراءات أمنية. إن ما يحدث هو تدمير متعمد وواسع النطاق لحياة المدنيين. إنه إبادة جماعية.
إن الكلفة الإنسانية لجرائم إسرائيل في غزة قد جرحت ضمير البشرية. وقد مزقت هذه الفظائع قلب العالم الإسلامي، وفي الوقت ذاته هزّت ملايين البشر الآخرين أيضاً، من المسيحيين واليهود إلى أتباع جميع الأديان؛ أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأن حياة الطفل ليست أداة للمساومة، وأن التجويع ليس سلاحاً، وأن المستشفى ليس ساحة قتال، وأن قتل العائلات لا يُعد دفاعاً مشروعاً.
واليوم لم تعد فلسطين مجرد مأساة؛ بل أصبحت مرآةً أمام العالم. مرآة تعكس ليس فقط معاناة الفلسطينيين، بل أيضاً الفشل الأخلاقي لأولئك الذين كانوا قادرين على وقف هذه الكارثة، لكنهم بدلاً من ذلك برروها، أو جعلوها ممكنة، أو سعوا إلى تطبيعها.
غير أن فلسطين وغزة ليستا مجرد أزمة إنسانية. فقد تحولت هذه الحالة إلى أرضية لمشروع أكبر وأكثر خطورة: مشروع توسعي يُساق تحت راية «الأمن».
ولهذا المشروع ثلاث نتائج، جميعها عميقة ومثيرة للقلق:
النتيجة الأولى: عالمية.
إن سلوك الكيان الإسرائيلي في فلسطين، والحصانة التي مُنحت له، قد أضعفا بشدة النظام القانوني الدولي. ويجب أن نصرّح بهذه الحقيقة بوضوح: إن العالم يتجه نحو وضع لم يعد فيه القانون الدولي يحكم العلاقات بين الدول.
والأخطر من ذلك كله هو السابقة التي تتشكل اليوم: وهي أن حكومةً ما، إذا تمتعت بغطاء ودعم سياسي كافيين، يمكنها قصف المدنيين، ومحاصرة السكان، واستهداف البنى التحتية، واغتيال الأفراد عبر الحدود، ثم تواصل الادعاء بأنها تتحرك ضمن إطار الشرعية القانونية. وهذه ليست قضية فلسطين وحدها؛ بل إنها أزمة عالمية. فنحن لا نشهد فقط مأساة فلسطين، بل نشهد تحول العالم إلى مكان يُستبدل فيه القانون بالقوة.
النتيجة الثانية: إقليمية.
إن المشروع التوسعي الإسرائيلي ترك تأثيراً مباشراً ومزعزعاً للاستقرار على أمن جميع دول المنطقة.
واليوم ينتهك الكيان الإسرائيلي الحدود علناً، ويدوس على سيادة الدول، ويغتال مسؤولين رسميين، وينفذ عمليات إرهابية، ويوسّع نطاق نفوذه على جبهات مختلفة، وكل ذلك ليس في الخفاء، بل بشعور من الحصانة والاستحقاق، لأنه تعلّم أن المساءلة الدولية لن تكون مطروحة.
وبكل صراحة يجب القول: إذا تم «حل» قضية غزة عبر التدمير والتهجير القسري، وإذا تحولت إلى نموذج يُحتذى، فإن الضفة الغربية ستكون الهدف التالي، وسيتحول ضم الأراضي إلى سياسة رسمية.
وهذا هو جوهر ما جرى الحديث عنه لسنوات تحت مسمى مشروع «إسرائيل الكبرى».
وعليه، فإن السؤال ليس ما إذا كانت إجراءات إسرائيل تهدد الفلسطينيين وحدهم أم لا؛ بل السؤال هو: هل ستقبل المنطقة مستقبلاً تصبح فيه الحدود مؤقتة، والسيادة مشروطة، ويُعرَّف الأمن لا على أساس القانون والدبلوماسية، بل على أساس طموحات محتل عسكري.
النتيجة الثالثة: بنيوية، وربما هي الأخطر بينها.
فالمشروع التوسعي الإسرائيلي يستلزم إضعاف الدول المحيطة، عسكرياً وتكنولوجياً واقتصادياً واجتماعياً، كي يحافظ هذا النظام دائماً على تفوقه الاستراتيجي.
وفي إطار هذا المشروع، يكون لإسرائيل كامل الحرية في توسيع ترسانتها العسكرية دون أي قيود، بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل التي تقع خارج أي نظام رقابة أو تفتيش.
وفي المقابل، يُطلب من الدول الأخرى أن تنزع سلاحها؛ ومن بعضها يُنتظر أن تقلّص قدراتها الدفاعية؛ ويُعاقَب البعض بسبب التقدم العلمي؛ بينما تُفرض العقوبات على آخرين بذريعة تعزيز قدرتهم على الصمود الوطني.
ولا ينبغي الوقوع في الوهم: فهذا ليس ضبطاً للتسلح، ولا منعاً للانتشار، ولا تحقيقاً للأمن.
إنه فرض لعدم مساواة دائمة: يجب أن تتمتع إسرائيل دائماً بـ«تفوق عسكري واستخباراتي واستراتيجي»، فيما يجب أن يبقى الآخرون عرضة للضعف. إنها عقيدة الهيمنة.
السيدات والسادة،
ومن هنا فإن قضية فلسطين ليست مجرد قضية إنسانية؛ بل هي قضية استراتيجية. إنها لا تتعلق بغزة والضفة الغربية فحسب، بل بمستقبل منطقتنا وبالقواعد الحاكمة للعالم.
فماذا ينبغي أن نفعل؟
إن مجرد إبداء القلق لا يكفي. إصدار البيانات لا يكفي. الحداد لا يكفي. نحن بحاجة إلى استراتيجية منسقة للعمل؛ استراتيجية قانونية ودبلوماسية واقتصادية وأمنية، تقوم على مبادئ القانون الدولي والمسؤولية الجماعية.
أولاً، يجب على المجتمع الدولي أن يدعم دون تردد الآليات القانونية.
ثانياً، يجب أن تقترن الانتهاكات بعواقب حقيقية.
ونحن نطالب بفرض عقوبات شاملة وموجهة على إسرائيل، من بينها:
الحظر الفوري على بيع الأسلحة
تعليق التعاون العسكري والاستخباراتي
فرض قيود على المسؤولين المتورطين
حظر التبادلات التجارية
ثالثاً، ينبغي رسم أفق سياسي موثوق قائم على القانون. وعلى المجتمع الدولي أن يؤكد على المبادئ التالية:
إنهاء الاحتلال
حق العودة والتعويض وفقاً للقانون الدولي
إقامة دولة فلسطينية مستقلة وموحدة تكون القدس الشريف عاصمة لها
رابعاً، يجب التعامل مع الأزمة الإنسانية بوصفها مسؤولية عاجلة ودولية. ولا ينبغي أبداً تطبيع العقاب الجماعي.
خامساً، ينبغي لدول المنطقة أن تنسق فيما بينها لحماية سيادتها وتعزيز الردع في مواجهة العدوان. ويجب أن يكون المبدأ واضحاً: لا يمكن بناء أمننا على انعدام أمن الآخرين.
وأخيراً، يجب على العالم الإسلامي والعالم العربي ودول الجنوب العالمي تشكيل جبهة دبلوماسية موحدة.
ينبغي لمنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية وسائر المؤسسات الإقليمية أن تتجاوز الطابع الرمزي، وأن تنتقل إلى عمل منسق: دعم قانوني، ومبادرات دبلوماسية، وإجراءات اقتصادية، ورسائل استراتيجية.
إن هذا النداء ليس دعوة إلى المواجهة؛ بل هو محاولة لمنع إعادة رسم المنطقة بالقوة.
الزملاء الكرام،
لا ينبغي لأحد أن يخطئ في الحسابات: إن منطقة يُسمح فيها لفاعلٍ واحد أن يعمل فوق القانون، لن تبقى مستقرة أبداً. عقيدة الحصانة لا تجلب السلام، بل تنتج صراعات أوسع.
إن طريق الاستقرار واضح: العدالة لفلسطين، والمساءلة عن الجرائم، وإنهاء الاحتلال والفصل العنصري، وإقامة نظام إقليمي قائم على السيادة والمساواة والتعاون.
إذا كان العالم يريد السلام، فعليه أن يتوقف عن مكافأة العدوان.
وإذا كان العالم يبحث عن الاستقرار، فعليه أن ينهي دعم التوسع.
وإذا كان العالم يؤمن بالقانون الدولي، فعليه أن يطبقه على الجميع وبشكل متساوٍ ومن دون معايير مزدوجة.
وإذا كانت شعوب هذه المنطقة تريد مستقبلاً خالياً من الحروب التي لا تنتهي، فعليها أن تقر بهذه الحقيقة الأساسية: فلسطين ليست مجرد قضية للتضامن؛ بل هي حجر الأساس الذي لا يمكن تجاوزه للأمن الإقليمي.