تدخل الموسيقى الإيرانية مرحلة جديدة مع اقتراب انطلاق الدورة الواحدة والأربعين لمهرجان فجر الدولي للموسيقى، الحدث الرسمي الأبرز في المشهد الموسيقي للبلاد. فقد حملت الأيام الأخيرة مؤشرات واضحة على حراك منظم ومدروس، يعكس توجها ثقافياً يسعى إلى الجمع بين الهوية الوطنية، والتخصص المهني، والانفتاح على الأجيال الجديدة، في إطار رؤية ثقافية متكاملة.
تكريم الرموز الموسيقية
زيارة وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي سيد عباس صالحي يوم السبت 31 يناير، إلى الموسيقار المخضرم حسن رياحي، مؤلف نشيد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تندرج في إطار سياسة ثقافية تقوم على تكريم الروّاد وصون الذاكرة الموسيقية الوطنية. فالحضور الرمزي لهذه الزيارة يؤكد أن الإهتمام بالمستقبل لا ينفصل عن الإعتراف بجهود من أسهموا في بناء هذا الإرث.
ويعد حسن رياحي من أبرز الوجوه الموسيقية في البلاد، إذ تضم مسيرته الفنية تأليف أكثر من 50 عملا موسيقيا، إلى جانب توليه مناصب إدارية متعددة في مجال موسيقى الإذاعة والتلفزيون، وأمانة عدة دورات من مهرجان فجر الدولي للموسيقى.
اعتماد الجدول النهائي
إعلان معاون الشؤون الفنية لوزير الثقافة والإرشاد الإسلامي السيد مهدي شفيعي عن إعتماد الجدول النهائي لعروض المهرجان، يمثّل خطوة تنظيمية مهمة تعكس مستوى من الجدية والإستقرار المؤسسي.
فوضوح الجدول الزمني للعروض، الممتدة من 9 إلى 15 فبراير، يمنح الفنانين والجمهور على حد سواء صورة دقيقة عن مسار المهرجان، ويعزز الثقة بقدرة هذا الحدث على أداء دوره الثقافي المنتظر.
وتقام العروض في أقسام موسيقية متعددة تشمل الموسيقى الإيرانية، والموسيقى المحلية، والموسيقى الكلاسيكية، والكورال، والموسيقى الشعبية والتلفيقية، إضافة إلى موسيقى الأطفال والناشئة، في دلالة واضحة على شمولية الرؤية وتنوعها، وعلى رغبة المنظمين في تمثيل مختلف التيارات والأساليب الموسيقية.
المهرجان خارج الإطار التقليدي
لا يقتصر مهرجان فجر للموسيقى في دورته الجديدة على الحفلات والعروض الفنية، بل يتجاوز ذلك إلى خلق فضاءات للنقاش والتأمل. فقد خُصصت ندوات موسيقية تخصصية في متحف طهران للفن المعاصر، تناقش قضايا تتعلق بالموسيقى والطفل، ودور الموسيقى في تنمية المهارات، وبناء الهوية، وتعزيز الإبداع، إضافة إلى دراسة التحديات في العلاقة بين الآباء والأبناء في مسار تعليم الموسيقى.
هذا التوجه يعكس فهماً أعمق لوظيفة المهرجان، بوصفه منصة ثقافية تعليمية، لا مجرد حدث ترفيهي عابر، ويؤكد أن الموسيقى تُقدَّم هنا كأداة بناء ثقافي واجتماعي طويل الأمد.
الموسيقى في خدمة الهوية والوحدة الوطنية
من المحطات البارزة في هذه الدورة، الإعلان عن إزاحة الستار عن ألبوم «اينجا ايران است» أي «هنا إيران» خلال الحفل الختامي للمهرجان، بمشاركة 41 منشداً من الأصوات المعروفة والشابة في موسيقى البوب. ويضم الألبوم 41 عملاً موسيقياً تتمحور حول إيران، والوحدة، والتلاحم الوطني.
هذا المشروع، الذي أُنجز بدعم من مكتب شؤون الموسيقى في وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، يعكس توجهاً واضحاً نحو تعزيز الإنتاج الموسيقي ذي البعد الهوياتي، ويؤكد قدرة الموسيقى على لعب دور فاعل في ترميم الوجدان الجمعي، والتعبير عن القيم المشتركة في اللحظات المفصلية.
بيت الموسيقى في طهران
يتزامن مهرجان فجر الدولي للموسيقى مع افتتاح «بيت الموسيقى في طهران»، وهو فضاء جديد يمتد على خمسة طوابق وبمساحة تتجاوز 3500 متر مربع، في «كوشك باغ هنر» بطهران. ويشكّل هذا الإفتتاح إضافة نوعية للبنية التحتية الثقافية في العاصمة، ويوفر للفنانين والباحثين الموسيقيين فضاء مهنياً لممارسة أنشطتهم التخصصية.
إن تلازم إقامة المهرجان مع افتتاح هذا الصرح الثقافي يحمل دلالة رمزية على الإنتقال من الفعل الموسمي إلى الإستثمار المستدام في الموسيقى.
مواهب شابة وجودة متقدمة
تقييم عضوة لجنة الإختيار «آذر هاشمي» لمستوى الأعمال المشاركة، والتي وصفته بأنه فاق التوقعات، يقدم مؤشراً مهماً على حيوية المشهد الموسيقي الإيراني. فالتنوع الأسلوبي، والعدد الكبير من الأعمال المقدّمة، والحضور اللافت للمواهب الشابة، ولا سيما دون سن الثامنة عشرة، يعكس نمواً ملحوظاً في مستوى الأداء والتكوين الموسيقي.
وتؤكد هذه المعطيات أن مهرجان فجر الدولي للموسيقى لا يؤدي دور العرض فحسب، بل يسهم في اكتشاف الطاقات الجديدة، وبناء جيل موسيقي يمتلك المهارة والوعي الثقافي.
حدث فني ومشروع ثقافي
في مجملها، تكشف ملامح الدورة الواحدة والأربعين لمهرجان فجر الدولي للموسيقى عن تحول تدريجي في وظيفة المهرجان، من مناسبة فنية إلى مشروع ثقافي متكامل، يجمع بين العرض، والتفكير، والتكريم، وبناء البنية التحتية، وتعزيز الهوية.