صنعاء في قلب المشهد

اليمن يلوّح بمرحلة المواجهة الكبرى.. وحشدٌ مليونيّ يجدد البيعة لفلسطين

 أصبح اليمن رقماً صعباً في معادلة الشرق الأوسط، وقوة إقليمية تُربك العدو الصهيوني وتفرض عليه إعادة حساباته

تتعامل صنعاء مع التهديدات الصهيونية المتصاعدة بوصفها جزءاً من معركة لم تعُد فيها اليمن ساحة هامشية، بل طرفاً فاعلاً يفرض حضوره. ومع ارتفاع نبرة التهديدات، جاء الرد اليمني سريعاً وواضحاً، ليس فقط عبر التصريحات الرسمية، بل عبر مشهد شعبي واسع ظهر يوم الجمعة، حين امتلأت ساحات العاصمة ومحافظات أخرى بمئات الآلاف من اليمنيين الذين خرجوا ليؤكدوا أن اليمن، شعباً وقيادة، جاهز لأي جولة مقبلة من الصراع.

 

هذا المشهد الشعبي لم يكن مجرد تظاهرة، بل كان إعلاناً عن وحدة داخلية نادرة. اليمنيون الذين عاشوا سنوات من الحرب خرجوا ليقولوا إنهم جزء من المواجهة، وإنهم يقفون خلف قيادتهم في لحظة يعتبرونها مفصلية. وفي هذا السياق، جاء كلام السيد القائد عبد الملك الحوثي ليُعطي المشهد بعده السياسي والعسكري، حين شدّد على أن «المرحلة المقبلة تتطلب جهوزية كاملة»، مؤكداً أن اليمن «لن يسمح للعدو بفرض معادلاته»، وأن «الرد سيكون فورياً ومباشراً إذا فُرضت المواجهة».

 

 

الحشود الشعبية..رسالة تتجاوز حدود اليمن

 

المشهد الذي شهدته صنعاء يوم الجمعة كان كفيلاً بإرباك العدو الصهيوني. هذا الأخير الذي اعتاد النظر إلى اليمن كملف ثانوي وجد نفسه أمام شارع واسع، متماسك، يعلن موقفه بوضوح. الحشود التي ملأت ميدان السبعين وأكثر من 500 ساحة أخرى لم تكن مجرد أرقام، بل كانت دليلاً على أن اليمن يمتلك عمقاً اجتماعياً يجعل أي مواجهة معه معركة طويلة ومكلفة.

 

هذه الحشود، التي رفعت شعارات تؤكد الاستعداد للجولة المقبلة، كانت تعبيراً عن قناعة راسخة بأن اليمن لم يعُد في موقع الدفاع، بل في موقع الفعل. وفي هذا السياق، قال السيد عبد الملك الحوثي إن «شعبنا حاضر، ثابت، لا يتراجع ولا يخاف»، وهي عبارة تلخص المزاج العام الذي ظهر في الشارع اليمني، وتكشف أن أي عدوان لن يواجه جيشاً فقط، بل مجتمعاً كاملاً.

 

 

القلق الصهيوني.. ارتباك أمام مشهد يمني غير مسبوق

 

لم يكن المشهد اليمني يوم الجمعة حدثاً عادياً بالنسبة للعدو الصهيوني. فالتقارير العبرية التي صدرت بعد ساعات قليلة من التظاهرات كشفت عن حالة ارتباك حقيقية داخل المؤسسة الأمنية الصهيونية. الإعلام العبري تحدّث عن «استعدادات يمنية مقلقة»، وعن «تحركات غير مألوفة» في مواقع الصواريخ والطائرات المسيّرة، وعن «نقل منظومات حساسة» من مواقع ثابتة إلى مواقع تشغيل ميدانية، وهو ما اعتبرته تل أبيب مؤشراً على أن صنعاء تستعد لردّ سريع إذا اندلعت المواجهة.

 

هذا القلق لم يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل امتدّ إلى الجانب الشعبي. فالعدو الصهيوني فوجئ بحجم الحشود التي خرجت في صنعاء والمحافظات الأخرى، واعتبر أن هذا المشهد «يعقّد أي خيار عسكري» لأن اليمن، كما قالت بعض التحليلات العبرية، «يمتلك اليوم عمقاً اجتماعياً يجعل استهدافه مكلفاً وغير مضمون النتائج». وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام صهيونية أن رئيس أركان الاحتلال طلب من قيادة العمق تحديث بنك الأهداف في اليمن «بأقصى سرعة»، في خطوة تعكس خوفاً من أن تتحول أي ضربة إلى مواجهة مفتوحة.

 

وما زاد من ارتباك العدو الصهيوني أن خطاب السيد عبد الملك الحوثي جاء حاسماً، حين قال إن «الرد سيكون فورياً ومباشراً»، وإن اليمن «لن يسمح للعدو بفرض معادلاته». هذه العبارات، التي التقطتها وسائل الإعلام العبرية بدقة، اعتُبرت مؤشراً على أن صنعاء لا تتعامل مع التهديدات بمنطق الدفاع، بل بمنطق الردع الهجومي، وهو ما يجعل العدو الصهيوني أمام خصم لا يمكن التنبؤ بردّه ولا يمكن احتواؤه بسهولة.

 

الاستعدادات العسكرية.. انتقال من التحصين إلى الجهوزية الهجومية

 

بالتوازي مع المشهد الشعبي، كانت صنعاء تتحرك ميدانياً. فالتقارير الصهيونية التي تحدثت عن نقل مخازن الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى مواقع تشغيل ميدانية تعكس أن اليمن يستعد لسيناريوات متعددة. هذه الخطوة ليست مجرد احتياط، بل جزء من استراتيجية تهدف إلى جعل القدرات العسكرية أكثر مرونة، وأكثر قدرة على الرد السريع.

 

وتشير المعلومات إلى أن القوات اليمنية أجرت تقييماً شاملاً لجاهزية الوحدات البحرية ووحدات الإطلاق البعيدة المدى، في خطوة تؤكد أن صنعاء تتعامل مع التهديدات بجدية كاملة. وفي هذا السياق، قال السيد عبد الملك الحوثي إن «قدراتنا اليوم أقوى مما كانت عليه في أي وقت مضى»، وهي جملة أثارت قلقاً واسعاً في الإعلام العبري لأنها تعكس ثقة يمنية متزايدة بقدراتها الصاروخية والبحرية.

 

صنعاء تغيّر قواعد اللعبة

 

ما يقلق العدو الصهيوني اليوم ليس فقط حجم الحشود اليمنية ولا الخطاب السياسي المرتفع، بل التحوّل العميق في طريقة إدارة صنعاء للصراع. فاليمن أصبح اليوم طرفاً يفرض إيقاعه، ويحدد توقيت الرد، ويصنع المبادرة. هذا التحول ظهر بوضوح في الأسابيع الأخيرة، حين بدأت صنعاء بإعادة تموضع قدراتها العسكرية، ونقل منظومات الصواريخ والمسيرات إلى مواقع تشغيل ميدانية، في خطوة فسّرها الخبراء الصهاينة بأنها «استعداد لردٍّ سريع ومباشر» إذا اندلعت المواجهة.

 

العدو الصهيوني يعي أن اليمن لم يعُد ينتظر الضربة الأولى، بل بات يمتلك القدرة على المبادرة، وعلى فتح جبهة استنزاف طويلة في البحرين الأحمر والعربي، وعلى ضرب مصالح حساسة في لحظة واحدة. هذا الإدراك جعل المؤسسة الأمنية الصهيونية تتعامل مع اليمن بوصفه «تهديداً متصاعداً»، لا مجرد طرف بعيد. وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام عبرية أن بعض التقديرات داخل جيش الاحتلال ترى أن «اليمن يمتلك اليوم قدرة على تعطيل الملاحة الصهيونية أكثر من أي وقت مضى»، وأن أي مواجهة معه «لن تكون محدودة أو قصيرة».

 

 

هذا التحول في موقع صنعاء هو ما يجعل  العدو الصهيوني في حالة ارتباك دائم. فالكيان المؤقت الذي اعتاد أن يكون صاحب المبادرة يجد نفسه أمام خصم لا يمكن توقع خطواته، ولا يمكن احتواؤه بسهولة، ولا يمكن الضغط عليه عبر الأدوات التقليدية. اليمن، ببساطة، خرج من موقع الضعف، ودخل مرحلة جديدة عنوانها: المبادرة، الردع، وصناعة المعادلة.

 

المعركة الاستخباراتية.. كشف خلايا تجسسية

 

كشف الأجهزة الأمنية اليمنية عن ضبط خلايا تجسسية تعمل لصالح الولايات المتحدة والعدو الصهيوني كان تطوراً لافتاً. فهو يعكس أن اليمن لم يعُد ساحة مفتوحة للاختراق، وأن صنعاء تمتلك منظومة أمنية قادرة على كشف التحركات المعادية وإحباطها. هذا الكشف أربك العدو الصهيوني، الذي كان يعتقد أن اليمن ساحة سهلة لجمع المعلومات، فإذا به يواجه دولة تراقب، وتكشف، وتغلق الأبواب أمام أي محاولة لاختراق جبهتها الداخلية.

 

اليمن يفرض معادلة جديدة

 

ما حدث يوم الجمعة لم يكن مجرد حدث عابر، بل كان نقطة تحوّل. اليمن اليوم يمتلك قدرة عسكرية متطورة، ومنظومة أمنية قوية، وشارعاً واسعاً يقف خلف خيار المواجهة. والعدو الصهيوني الذي كان يتعامل مع اليمن كملفٍ غير أساسي، يجد نفسه اليوم أمام قوة صاعدة قادرة على تغيير قواعد اللعبة.

 

وفي هذا السياق، جاءت عبارة السيد عبد الملك الحوثي:«لن نسمح للعدو أن يفرض علينا معادلاته»، لتُلخص المرحلة. فصنعاء، بثقتها العالية واستعدادها المعلن، تقول بوضوح إنها جاهزة للجولة المقبلة، وأن أي عدوان لن يمر بلا رد.

 

ختاماً اليمن لم يعُد مجرد ساحة حرب، بل أصبح رقماً صعباً في معادلة الشرق الأوسط، وقوة إقليمية تُربك العدو الصهيوني وتفرض عليه إعادة حساباته.

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص