من هولندا إلى موانئ المتوسط..

 القارة الأوروبية تنتفض على السلاح الصهيوني

قرار البرلمان الهولندي بتقليص الاعتماد على السلاح الصهيوني ليس مجرد خطوة إدارية، بل هو انعكاس لتحوّل أعمق في أوروبا

لم يعُد قرار البرلمان الهولندي بتقليص اعتماد البلاد على استيراد الأسلحة من كيان الاحتلال مجرد خطوة تقنية في ملف مشتريات الدفاع، بل أصبح علامة فارقة في مسار سياسي أوسع يجتاح أوروبا منذ اندلاع حرب غزّة. فالقارة التي لطالما تعاملت مع الصناعات العسكرية الصهيونية بوصفها شريكًا موثوقًا، تجد اليوم نفسها أمام أسئلة أخلاقية وسياسية واستراتيجية لم تعُد قابلة للتجاهل.

 

إن مشاهد الدمار في القطاع، والتقارير الحقوقية الدولية، والضغط الشعبي المتصاعد، كلها عوامل دفعت دولًا مثل هولندا إلى إعادة النظر في علاقتها بالسلاح الصهيوني، ليس فقط على مستوى الخطاب، بل على مستوى السياسات الفعلية.

 

ومع استمرار المظاهرات الأوروبية المناهضة لـكيان الاحتلال واستعداد «أسطول الصمود العالمي» للإبحار نحو غزّة، يبدو أن المزاج الأوروبي يتغيّر بسرعة، وأن العلاقة مع كيان الاحتلال لم تعُد محصّنة كما كانت في العقود الماضية.

 

قرار هولندا.. مراجعة للعلاقات مع كيان الاحتلال

 

حين صوّت البرلمان الهولندي على قرار يلزم الحكومة بتقليص اعتماد البلاد على استيراد الأسلحة من كيان الاحتلال، لم يكن الهدف مجرد إعادة ترتيب عقود التسلّح، بل إرسال رسالة سياسية واضحة مفادها أن أوروبا لم تعد قادرة على تجاهل ما يجري في غزّة، ولا على التعامل مع السلاح الصهيوني كمنتج محايد.

 

فالقرار، الذي يلزم الحكومة بتقديم تقارير دورية حول الإجراءات المتخذة لتقليص الاعتماد على المعدات الأمنية الصهيونية، يعكس رغبة في مراقبة دقيقة للسياسات الدفاعية، وفي التأكد من أن الحكومة تسير فعلًا نحو الابتعاد عن الصناعات العسكرية الصهيونية.

 

هولندا، التي اشترت في السنوات الأخيرة معدات عسكرية بقيمة تقارب ملياري يورو من الصناعات الصهيونية، تدرك أن قرارها سيترك أثرًا يتجاوز حدودها. فهي دولة ذات وزن سياسي داخل الاتحاد الأوروبي، وغالبًا ما تُشكّل مواقفها مؤشرًا على اتجاهات أوسع داخل القارة.

 

حرب غزّة.. الحدث الذي أعاد تشكيل الوعي الأوروبي

 

منذ اندلاع الحرب، شهدت أوروبا واحدة من أكبر موجات الاحتجاجات الشعبية في تاريخها الحديث. خرج مئات الآلاف إلى الشوارع في لندن، باريس، أمستردام، برلين، مدريد، كوبنهاغن، وفي مدنٍ أخرى، مطالبين بوقف الدعم العسكري لكيان الاحتلال ومنددين بالعمليات العسكرية في غزّة.

 

هذه الاحتجاجات لم تكن مجرد تعبير عن التعاطف مع المدنيين في القطاع، بل كانت أيضًا تعبيرًا عن رفض أوروبي متزايد لسياسات القوة التي يمارسها كيان الاحتلال، وللدور الذي تلعبه الأسلحة الأوروبية في تغذية الصراع.

 

لقد أصبحت المظاهرات حدثًا أسبوعيًا في العديد من المدن الأوروبية، هذا الضغط الشعبي لم يعُد بالإمكان تجاهله، وبدأ ينعكس على مواقف البرلمانات والحكومات، كما حدث في هولندا.

 

صيحات الاستهجان تلاحق كيان الاحتلال في أولمبياد إيطاليا الشتوي

 

وقد قوبل الوفد الصهيوني الذي يضم 9 رياضيين في افتتاح أولمبياد إيطاليا الشتوي 2026 بصيحات استهجان من جماهير رفعت شعارات مؤيدة لفلسطين، في ظل غضب واسع بعد مقتل مئات الرياضيين الفلسطينيين خلال حرب غزّة. حيث سُمعت هتافات من بعض الجماهير التي رفعت شعارات مؤيدة للقضية الفلسطينية، بينما رفعت إدارة الحفل صوت الموسيقى للتغطية على تلك الصيحات. برز هذا المشهد كدليل على الرفض الشعبي لمشاركة كيان الاحتلال.

 

التحوّلات داخل الاتحاد الأوروبي.. قارة تعيد تعريف نفسها

 

لم يكن القرار الهولندي معزولًا عن سياق أوروبي أوسع. فالاتحاد الأوروبي يعيش منذ سنوات حالة إعادة تقييم شاملة لسياساته الدفاعية، لكن حرب غزّة سرّعت هذه العملية بشكلٍ غير مسبوق. فالدول الأوروبية، التي كانت تتعامل مع كيان الاحتلال كشريك أمني مهم، بدأت تعيد النظر في هذه العلاقة تحت ضغط أخلاقي وسياسي وشعبي.

 

داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، برزت نقاشات حادة حول مستقبل التعاون العسكري مع كيان الاحتلال. بعض الدول، مثل إسبانيا وإيرلندا وبلجيكا، دفعت باتجاه مواقف أكثر صرامة، مطالبةً بوقف تصدير السلاح أو مراجعة الاتفاقيات القائمة.

 

كما أن البرلمان الأوروبي شهد جلسات مطوّلة حول الوضع في غزّة، تخللتها مداخلات حادة وانتقادات مباشرة للعمليات العسكرية الصهيونية.

 

هذا النقاش الداخلي يعكس أن الاتحاد الأوروبي لم يعُد قادرًا على التحدث بصوتٍ واحد في ما يتعلق بكيان الاحتلال، وأن الانقسام داخل القارة أصبح جزءًا من المشهد السياسي الجديد.

 

 

الصناعات العسكرية الصهيونية.. صورة تهتز

 

لطالما قدّم كيان الاحتلال نفسه كرائد في التكنولوجيا العسكرية، وكمصدر موثوق للسلاح، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة، أنظمة المراقبة، والتكنولوجيا الاستخباراتية. لكن حرب غزّة وضعت هذه الصناعات تحت المجهر، ودفعت العديد من الدول الأوروبية إلى إعادة النظر في علاقتها بها.

 

التقارير الدولية التي تتحدث عن استخدام أسلحة في عمليات تُعتبر انتهاكًا للقانون الدولي، جعلت من الصعب على الحكومات الأوروبية الاستمرار في شراء السلاح من دون مساءلة، كما أن الضغط الشعبي دفع السياسيين إلى إعادة النظر في العلاقة مع الصناعات الصهيونية، التي أصبحت مرتبطة في الوعي الأوروبي بصور الإبادة الجماعية والدمار في غزة.

 

 

الموانئ الأوروبية تتحرك ضد الحرب

 

وفي موازاة التحوّلات السياسية داخل أوروبا، برزت تحركات عمالية غير مسبوقة على مستوى البحر المتوسط، بعدما علّق اتحاد عمال الموانئ في أكثر من عشرين ميناء العمل ليومٍ كامل رفضًا لشحن الأسلحة إلى كيان الاحتلال. هذا الإضراب، الذي شمل موانئ في اليونان وإيطاليا وتركيا وإسبانيا والمغرب، حمل شعارًا واضحًا: «عمال الموانئ لا يعملون من أجل الحرب».

 

وقد شكّل هذا التحرك نقلة نوعية في مشهد التضامن الأوروبي، إذ لم يعُد الاعتراض محصورًا في الشارع أو الجامعات، بل امتد إلى مواقع العمل الحيوية التي تُشكّل شرايين التجارة والسلاح. واعتُبر الإضراب رسالة مباشرة إلى الحكومات الأوروبية بأن العمال أنفسهم يرفضون أن تكون موانئهم جزءًا من سلسلة الإمداد العسكري لكيان الاحتلال.

 

ورغم أن الخطوة جاءت من مبادرة نقابية، فإن صداها السياسي كان واسعًا، خصوصًا مع رفع الأعلام الفلسطينية داخل الموانئ، وتنظيم وقفات واعتصامات في مناطق حساسة من المرافئ. وقد طالبت هذه التحركات الدول الأوروبية بوقف تسهيل الدعم العسكري لكيان الاحتلال، في مشهد يعكس مدى التحوّل في المزاج الشعبي والمهني داخل القارة.

 

 

المظاهرات الأوروبية.. صوت الشارع الذي لا يهدأ

 

لم تتوقف المظاهرات الأوروبية منذ اندلاع الحرب، بل ازدادت زخمًا مع مرور الوقت، في لندن، خرجت أكبر مسيرة مؤيدة لفلسطين منذ عقود، في باريس، تحدّى المتظاهرون القيود الأمنية، في أمستردام، امتلأت الساحات بشعارات تطالب بوقف التعاون العسكري مع كيان الاحتلال، وفي برلين، شهدت الجامعات موجة احتجاجات طلابية واسعة.

 

هذه المظاهرات لم تعُد حدثًا عابرًا، بل أصبحت جزءًا من المشهد السياسي الأوروبي، وهي تضغط على الحكومات، وتؤثر على البرلمانات، وتدفع نحو قرارات مثل القرار الهولندي.

 

أسطول الصمود العالمي.. أوروبا تراقب وتشارك

 

في موازاة التحولات السياسية، يستعد «أسطول الصمود العالمي» للإبحار نحو غزّة، في محاولة جديدة لكسر الحصار. هذا الأسطول، الذي يضم ناشطين من عشرات الدول، من المتوقع أن يحظى بدعم شعبي واسع في أوروبا، خصوصًا في ظل الغضب المتزايد من السياسات الصهيونية. وجود هذا الأسطول يعيد إلى الواجهة صورة أوروبا كقارة لا تزال تحتفظ بجذوة التضامن الشعبي، حتى عندما تتردد الحكومات.

 

ختاماً قرار البرلمان الهولندي بتقليص اعتماد البلاد على السلاح الصهيوني ليس مجرد خطوة إدارية، بل هو انعكاس لتحوّل أعمق في أوروبا. فالحرب في غزّة لم تغيّر فقط المواقف الشعبية، بل دفعت الحكومات إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، وفي علاقتها بالصناعات العسكرية الصهيونية.

 

المصدر: الوفاق/ خاص