في مشهد ثقافي يعكس عمق العلاقة بين المعرفة والهُويّة، احتضنت قاعة «وحدت» أمس الأحد 8 فبراير مراسم اختتام الدورة الثالثة والأربعين لجائزة كتاب العام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكان ذلك بحضور رئيس الجمهورية الدكتور مسعود بزشكيان، ووزير الثقافة والإرشاد الإسلامي سيد عباس صالحي، ومساعد وزير الثقافة في الشؤون الثقافية محسن جوادي، ومساعد وزيرالثقافة في الشؤون الفنية مهدي شفيعي، ورئيس أكاديمية اللغة والأدب الفارسي غلامعلي حداد عادل، والمدير العام لمؤسسة بيت الكتاب والأدب إبراهيم حيدري، والأمين العلمي لجائزة كتاب العام محمدعلي مهدوي راد، وجمع من أهل القلم ورجال الثقافة والعلم في قاعة «وحدت» بطهران، حيث تسلّم الفائزون في الأقسام المختلفة جوائزهم من رئيس الجمهورية.

نبذة تاريخية عن سابقة جائزة كتاب العام
مُنحت جائزة كتاب العام في إيران لأول مرة بهدف تشجيع خدّام المعرفة والثقافة الإيرانية في عام 1955. وقد مُنحت هذه الجائزة لمؤلفي أحد عشر كتاباً مختاراً نُشرت في عام 1953. ومنذ ذلك العام فصاعداً، تتم دعوة جميع الكتاب والمترجمين والمؤلفين سنوياً عبر إعلان لإرسال خمس نسخ من كتابهم الذي نُشر لأول مرة في العام الماضي وباللغة الفارسية إلى عنوان أمانة هذه الجائزة، ليتم تقييمه من قبل لجنة التحكيم.
كانت هذه الجائزة تُمنح للفائزين حتى عام 1977 في مجالات العلوم والفنون الأدبية، والعلوم الإنسانية، والعلوم الاجتماعية – التربوية للأطفال والناشئة. ومنذ عام 1977، ومع تصاعد وقوة أحداث الثورة والتحركات الشعبية، تأجل منح هذه الجائزة، وبعد أربع سنوات، في عام 1982، طُرح هذا الموضوع مجدداً في وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، وفي عام 1983 تمت الموافقة على لائحة كيفية اختيار كتاب العام من قبل سيد محمد خاتمي، وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي آنذاك. ومنذ ذلك الحين، تقام مراسم منح جائزة كتاب العام سنوياً في عشرة الفجر المباركة.
وزير الثقافة: نحن مدينون بهُويّتنا الوطنية للكتاب

قال وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي سيد عباس صالحي في حفل اختتام الدورة الثالثة والأربعين لجائزة كتاب العام: إن الإيرانيين في جميع العلوم الإسلامية، والعلوم الإنسانية، والعلوم الطبيعية، من خلال الكتب التي ألّفوها، كتبوا وربّوا تاريخ الحضارة الإسلامية الذهبية، ومرة أخرى يجب أن نشير في هذا الصدد إلى أننا، بشكل ما، مدينون بهويتنا الوطنية للكتاب.
وأضاف: إن التاريخ يمتلك رواياته الخاصة في الكتب الدينية، والفلسفية، والأدبية، والعلوم البحتة والطبية، ويشكّل جزء منها التاريخ القيّم لجامعة جندي شابور، التي تمتلك تاريخاً عظيماً في الكتابة والكتب منذ عهد شابور الأول وحتى العصر الإسلامي وما بعد الإسلام.
الموسوعة الطبية لجندي شابور
وتابع صالحي: إن الموسوعة الطبية لجندي شابور «كناش في الطب»، التي كانت معارف طبية، هي أمر يُرى أثره في الكتب الطبية بعد الإسلام في أعمال أبو زكريا الرازي وغيره. لقد كانت إيران قبل الإسلام حضارة زاخرة بعشق الكتاب والشغف بالكتاب. وعندما جاء الإسلام إلى هذه الأرض، كان جزء من محبة الإيرانيين للإسلام يعود إلى أنه دين يعرّف نفسه بالكتاب. وفي عصر ما بعد الإسلام أيضاً، وكما روى الشهيد مطهري جزءاً من ذلك في كتاب «الخدمات المتبادلة بين الإسلام وإيران»، فإن ذلك جزء من مجموعة واسعة توضح كيف أزهر الإيرانيون الحضارة الإسلامية بالكتابة والكتاب.
وأضاف وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي: لقد استمدت إيران والإيرانيون، طوال الألف عام التي تلت الإسلام، هويتهم وقرأوها بشكل ما من الكتاب، وإن كتباً مثل الشاهنامه، وكليلة ودمنة، وديوان حافظ الشيرازي، وكلستان وبوستان سعدي، هي بحيث أنها صاغت وشكّلت طبيعتنا الإيرانية.
الثورة الإسلامية ثورة الكلمة
وقال صالحي: إن الكتاب، قبل الإسلام وبعده، هو توأم الحضارة الإيرانية. ومع ظهور الثورة الإسلامية بدأت حقبة جديدة لزماننا. كانت ميزة الثورة الإسلامية الإيرانية أنها لم تكن ثورة الرصاص، بل ثورة الكلمة، ولأنها كانت ثورة الكلمة، فقد وجد الكتاب مكانته الخاصة في هذا المسار الذي استمر 45 عاماً.
وتابع الوزير: من عام 1941 حتى عام 1978، أي خلال 37 عاماً، كان لدينا حوالي 50 ألف عنوان كتاب، ولكن بعد الثورة الإسلامية وحتى الآن لدينا أكثر من مليون ونصف المليون عنوان كتاب، بين طبعة أولى وإعادة طباعة. لا يمكن القول أن كل هذه الكتب عبثية أو قليلة الفائدة. إن قسماً كبيراً من هذه الكتب مؤثرة ومفيدة، وهذه واحدة من إنجازات الثورة الإسلامية، حيث كان نصيبنا الكمّي من التأليف والكتابة هكذا خلال هذه الـ 45 عاماً.
وأضاف وزير الثقافة: بعد الثورة الإسلامية، كانت نسبة النساء المؤلفات 8%، وفي العقد الرابع 29%، والآن هي حوالي 40%. لقد اقتربنا من نوع من العدالة بين الجنسين في التأليف، وهو من إنجازات الثورة الإسلامية في مجال الكتاب، وتُلاحظ مثل هذه النقاط في مجال الموضوعات أيضاً.
وقال صالحي: كان لدينا أربعة آلاف عنوان كتاب في العلوم التطبيقية مثل الهندسة، وفي العقد الرابع أصبح لدينا 88 ألف عنوان كتاب. إن المسار الذي سلكته الثورة الإسلامية في السنوات الـ 45 الماضية في مسار الكتاب يمكن تحليله دلالياً، وهذا يرتكز على اتساع وأساس ما ذكرته من أن إيران، قبل الإسلام وبعده، هي توأم للكتاب، وكانت الثورة عودة إلى هذه النواة الدلالية. لقد كثر المؤلفون في المجتمع الإسلامي، ويجب علينا توثيق نسبتهم بقضايا المجتمع بشكل أكبر.
مرآة التنوع الثقافي
جسدت الدورة الثالثة والأربعون لجائزة كتاب العام هذا التنوع المعرفي، من خلال تتويج أعمال متميزة في مجالات الوثائق، والفلسفة الإسلامية، والحديث، والفقه، وعلم الكلام، والفنون، والأدب، والتاريخ، وكتب الطفل والناشئة. كما حملت الجائزة في بعدها الرمزي رسالة تقدير عميقة للبحث الرصين، والجهد العلمي طويل الأمد.
وفي هذا السياق، تم تكريم الفائزين في الأقسام المختلفة ومنحت الهيئة العلمية للجائزة جائزتها الخاصة في قسم «الشخصية العلمية» للفيلسوف المعاصر الدكتور رضا داوري أردكاني، تقديرا لمسيرته الفكرية الممتدة لأكثر من خمسة عقود، وما قدمه من إسهامات نوعية في الفكر الفلسفي والنقد الحضاري.
الكتاب بوصفه مستقبل الثقافة
إن استمرار جائزة كتاب العام منذ عقود، وتزامنها سنويا مع احتفالات عشرة الفجر، يؤكد أن المشروع الثقافي الإيراني ينظر إلى الكتاب بوصفه استثماراً في المستقبل، لا مجرد منتج معرفي آني. فالكتاب هو الوعاء الذي تُصان فيه الذاكرة، وتُبنى به الهوية، وتُرسم عبره ملامح الغد.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، تبقى رسالة جائزة كتاب العام واضحة: لا نهضة ثقافية بلا كتاب، ولا هوية راسخة بلا معرفة، ولا مستقبل مشرق بلا قراءة واعية ومسؤولة.