قراءة ثقافية في أعمال مسرحية تستحضر التاريخ والهوية

المسرح الإيراني على خشبة الوعي يستحضر الثورة والإنسان

المسرح الإيراني، وهو يحتفي بالثورة الإسلامية، يواصل أداء رسالته بوصفه مساحة للتنوير.

يحتلّ المسرح الإيراني مكانةً خاصةً في المشهد الثقافي الإيراني، بوصفه فنّاً يجمع بين الوعي التاريخي، والطرح الجمالي، والالتزام الاجتماعي. وخلال أيّام عشرة الفجر المباركة، وعلى أعتاب ذكرى انتصار الثورة الإسلامية، تتجدّد أهمية العودة إلى الأعمال المسرحية التي أعادت قراءة تاريخ إيران المعاصر، ليس بوصفه سرداً توثيقياً جامداً، بل كفضاءٍ للتحليل، والمساءلة، واستخلاص المعنى. فالمسرح، في التجربة الإيرانية، كان ولا يزال أداةً لفهم التحوّلات الكبرى، ومجالاً لتجسيد دور الإنسان في مواجهة الاستبداد وصناعة الوعي.

 

 «النصل البالي»

 

تأتي مسرحية «تیغ کهنه»، أي «النصل البالي»، من تأليف محمد أمير يار أحمدي، وإخراج يعقوب صديق جمالي، كعملٍ واقعي يتناول تداعيات انقلاب 28 مرداد. ينتمي النص إلى المدرسة الواقعية الصارمة، ويتميّز ببناءٍ دراميّ متماسك وشخصياتٍ متعدّدة الأبعاد. تمثّل شخصية الدكتور فرزام المثقّف المرتبط بالفعل السياسي، بينما تكشف شخصية خسرواني آليات الوشاية والسلطة القمعية.

 

إنّ انتقال الأحداث عبر فترتين زمنيتين، واستمرار السرد حتى انتصار الثورة الإسلامية عام 1978، يمنح العمل بعداً تاريخياً ممتدّاً، ويجعل المسرحية شهادةً فنيةً على المسار الذي انتهى بانتصار الثورة الإسلامية.

 

«قلب مطمئن قَلِق»

 

تعالج مسرحية «دل‌آرام ناآرام»، أي «قلب مطمئن قَلِق»، من تأليف مصطفى جعفري ونرجس صابري، سيرة امرأةٍ تبحث عن الحقيقة وسط تشابك الأيديولوجيات قبل انتصار الثورة الإسلامية.

 

يستلهم العمل شخصيةً تاريخيةً قريبةً من الواقع، هي مرضية حديدجي، ليطرح سؤالاً جوهرياً حول استغلال المرأة في التنظيمات السياسية. تكمن قوة المسرحية في تحليلها لمسار التحوّل الداخلي للشخصية الرئيسة، التي تنتقل من الانخداع بالشعارات إلى الوعي بحقيقة الثورة الإسلامية وقيم الإمام الخميني (رض). وهنا تُقدَّم المرأة بوصفها ذاتاً مفكّرة قادرةً على اتخاذ القرار المصيري عن وعيٍ لا عن انفعال.

 

«السقوط الاضطراري»

 

أمّا مسرحية «سقوط اضطراري»، لسيد علي موسويان، فتتّجه إلى تفكيك أحد أكثر الملفات حساسيةً في تاريخ إيران قبل الثورة الإسلامية، من خلال شخصية مئير عزري، آخر سفير للكيان الصهيوني في عهد النظام البهلوي البائد.

 

يعتمد النص على وثائق ومذكّراتٍ حقيقية، لكنه لا يكتفي بالسرد التاريخي، بل يحوّل المادة السياسية إلى دراما تكشف عمق التبعية، وطبيعة العلاقة بين النظام السابق والكيان الصهيوني. تمثّل المسرحية قراءةً فنيةً نقديةً تنسجم مع الوعي الثوري، وتؤكّد البعد الإنساني والأخلاقي في الموقف الثقافي الإيراني بعد الثورة الإسلامية.

 

مسرح إيراني واعٍ

 

تكشف هذه الأعمال المسرحية، بتنوّع أساليبها وموضوعاتها، عن مسرحٍ إيرانيّ واعٍ بدوره التاريخي، ومؤمن بأنّ الفن لا ينفصل عن الهوية والذاكرة الجماعية. إنّ المسرح الإيراني، وهو يحتفي بالثورة الإسلامية، يواصل أداء رسالته بوصفه مساحةً للتنوير، والتحليل، وصون القيم التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية.

 

 

المصدر: الوفاق