مسعود بزشكيان أكد خلال مراسم خاصة بالسفراء بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، أن استمرارية واستقرار إيران اليوم ينبعان من النضج السياسي المتحقق نتيجة تبادل الآراء والإرادة الجماعية من أجل الإصلاح والتقدم، مشيراً إلى أن قوة البلاد متجذرة في الثقافة والتاريخ وحافز الشباب، الذين يمهدون الطريق أمام المعرفة والرفاهية.
وفي المجال الدولي، شدد على أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تؤكد على دبلوماسية تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والحوار، وأن أي مفاوضات تُقبل فقط ضمن إطار القانون الدولي، مع الحفاظ على الكرامة الوطنية والسيادة، وعلى أساس مبدأ الربح المتبادل.
مفاوضات سلطنة عمان تمثل فرصة مناسبة للتوصل إلى حل عادل ومتوازن
وأشار بزشكيان إلى أن مفاوضات سلطنة عمان تمثل فرصة مناسبة للتوصل إلى حل عادل ومتوازن لهذه القضية، مؤكداً أن الجولة الجديدة من المفاوضات النووية، التي بدأت بدعم من الدول المجاورة واستضافتها سلطنة عمان، توفر أرضية لتحقيق نتائج عادلة.
وأكد التزام إيران بضمان حقوقها في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، بما في ذلك حق تخصيب اليورانيوم ورفع العقوبات الجائرة، مشيراً إلى أن إيران تأمل في تحقيق النتائج المرجوة في حال التزام الطرف الآخر بالتعهدات وتجنّب المطالب المبالغ فيها.
وشدد بزشكيان على أن إيران دولة ملتزمة بالعهد، وتمد يد الصداقة إلى الدول الراغبة في التعاون الصادق، وأن تطوير العلاقات مع الجيران ودول المنطقة الإسلامية، وتعزيز الدبلوماسية الإقليمية لتوسيع التجارة الخارجية، لا سيما في المحافظات الحدودية، من أولويات الحكومة الحالية.
التعاون متعدد الأطراف يعزز النمو والتنمية
وقال بزشكيان: بالاعتماد على الروابط التاريخية والثقافية في المنطقة والاستفادة من الخبرات العالمية، يمكن توسيع مجالات التعاون في مختلف القطاعات.
وأكد أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تولي أولوية لتطوير التعاون مع الدول المتفقة معها والقوى الصاعدة الداعمة للتعددية واحترام القانون الدولي، معتبرة هذه التفاعلات أساساً لتعزيز نمو وتنمية الشعوب.
النص الكامل لكلمة الرئيس الإيراني أمام السفراء الأجانب المقيمين في طهران:
بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب السعادة؛
السفراء المحترمون وممثلو المنظمات الدولية؛
السيدات والسادة؛
السلام عليكم،
إن يوم 11 فبراير، ذكرى انتصار الثورة الإسلامية، هو اليوم الوطني للجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحطة تاريخية فريدة في تاريخ إيران.
ويمثل هذا اليوم بداية مرحلة جديدة قائمة على الديمقراطية الدينية في إيران. ويسعدنا اليوم أن نحتفل بحضوركم بالذكرى السابعة والأربعين لهذا اليوم المجيد. ومن موقعي كرئيس للجمهورية الإسلامية الإيرانية، أتقدم بالتحية إلى أبناء شعبي الصبور والحازم، تقديراً لشجاعتهم وتضحياتهم وتكاتفهم وصبرهم طوال المرحلة التي أعقبت انتصار الثورة، وأُعرب عن احترامي العميق لهم.
إن الثورة الإسلامية الإيرانية تُعد من أكبر أحداث التاريخ المعاصر، حيث تمكنت من ضمان الاستقلال السياسي وحق الشعب في تقرير مصيره وترسيخ السيادة الوطنية. وخلال هذه السنوات، وعلى الرغم من المؤامرات المتعددة التي حيكت من قبل الأعداء في الخارج، خطا شعبنا خطوات كبيرة نحو الاستقلال والتنمية.
وعلى الصعيد السياسي، كان نهج الجمهورية الإسلامية الإيرانية يتمثل في توسيع مشاركة الشعب في الحياة السياسية من خلال تنظيم انتخابات متعددة وإشراك المواطنين في تقرير مصيرهم.
أي ثورة أو تحول جذري في الأنظمة السياسية تتذكرون أنه بعد 45 يوماً فقط من انتصارها أُجري استفتاء حول شكل النظام السياسي المنشود للشعب، بطريقة ديمقراطية وشفافة بالكامل؟ وأي ثورة كبرى في التاريخ بادرت خلال أقل من عام إلى إعداد دستور وعرضه على الشعب للاستفتاء؟ وفي أي بلد يدّعي الديمقراطية تم تنظيم ما يقرب من 50 انتخابات خلال 47 عاماً؟
إن فلسفة ورمز انتصارنا ونجاحنا يتمثل في الوحدة والتماسك والحضور الشعبي في الساحة، والوصول إلى قناعة راسخة بأننا قادرون على الوقوف في وجه القوى الكبرى من أجل تحقيق الاستقلال.
وعلى الصعيد الثقافي والاجتماعي، تستند الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى القيم الإسلامية التي تمثل إرادة غالبية الشعب، وخلال العقود الماضية شهد مستوى الوصول إلى التعليم في مختلف أنحاء البلاد، وعدد المراكز الثقافية والفنية، ومستوى الصحة العامة، نمواً ملحوظاً.
وفي مجال العلم والتكنولوجيا، شهدت إيران خلال ما يقرب من خمسة عقود نمواً كبيراً في عدد الجامعات والمؤسسات العلمية والبحثية، وحققت تقدماً ملحوظاً في مجالات متعددة، من بينها العلوم البيولوجية والطبية وتكنولوجيا النانو وعلوم الفضاء، كما احتلت مراتب متقدمة عالمياً في نشر الأبحاث العلمية بفضل اعتمادها على علمائها الشباب.
وفي المجال الصناعي، وعلى الرغم من العقوبات والضغوط الاقتصادية، حققت إيران الاكتفاء الذاتي في إنتاج العديد من المنتجات الاستراتيجية، وسجلت تقدماً كبيراً في الصناعات الدفاعية والمعدات العسكرية. كما شهدت شبكات الطرق والسكك الحديدية والمطارات والموانئ، إلى جانب تطوير البنى التحتية وشبكات الطاقة، نمواً كبيراً خلال العقود الخمسة الماضية.
وقد تحققت هذه الإنجازات في وقت واجهت فيه إيران تحديات كبرى، من بينها الحرب المفروضة التي استمرت ثماني سنوات، وأشد العقوبات الدولية، والضغوط السياسية والاقتصادية، وكذلك الحرب المركبة الأخيرة التي شنها الكيان الصهيوني وأمريكا. وفي الأسابيع الأخيرة، شاهدنا كيف تحولت احتجاجات سلمية للمواطنين بشأن بعض المشكلات الاقتصادية إلى أعمال عنف نتيجة عمليات إرهابية واستخدام الأسلحة النارية.
إن الاحتجاج حق للشعب، لكن الاعتداء على المرافق العامة ومعدات الإغاثة والمؤسسات الحكومية، وإحراق المساجد والمكتبات والمدارس، هو بلا شك مؤامرة منظمة من أعداء إيران الإسلامية.
لقد ارتكب الكيان الإسرائيلي في غزة أبشع الجرائم؛ إذ قتل الأطفال والنساء والمرضى وكبار السن بلا ذنب تحت القصف، وكانت الولايات المتحدة تدعمه بكل قوتها.
كما أن عدداً من الدول الأوروبية دعم هذه الجرائم الوحشية، وقدمت بعض الدول مساعدات عسكرية، ومع ذلك لم نشهد إدانة تُذكر في المنظمات الدولية والحقوقية.
وهؤلاء الذين يزعزعون الأمن والاستقرار في غزة وسوريا وقطر واليمن وإيران، يعاودون اليوم تحريض الشعب الإيراني على الفوضى والأعمال التخريبية، ويقدمون وعوداً بالدعم العسكري. وللأسف، فقد أدى هذا التحريض إلى سقوط عدد كبير من الضحايا من أبناء الشعب الإيراني، سواء من القوات الأمنية والعسكرية أو من المدنيين وكذلك من المحتجين.
ويتم تأجيج هذا الغضب والكراهية داخل المجتمع عبر مؤسسات إعلامية تابعة لقوى تتحكم بأخبار العالم، غافلين عن أن أبناء شعبنا سيضعون مجدداً، من خلال حضورهم المليوني في 12 يناير، حداً للفوضى والتخريب.
غير أن الحزن والأسى لفقدان الأحبة يبقى ولن يُنسى أبداً. واليوم، ورغم كل المشكلات والصعوبات، لا يزال الشعب الإيراني العظيم يطالب بالاستقلال ورفض التدخل الأجنبي وبناء إيران مزدهرة وحرة ومتقدمة بعيداً عن الضغوط والعقوبات والتهديدات التي يفرضها أعداء هذه الأرض والمياه.
وهذا الشعب الشريف والعظيم، الذي واجه عبر التاريخ مراراً هجمات وحشية من الأعداء وتذوق مرارة العدوان الخارجي، تعلم جيداً كيف يواجه المعتدين.
ومن هذا المنطلق، أذكّر أعداء هذا الوطن بأنه رغم اختلاف الأذواق وتباين وجهات النظر ووجود الانتقادات، فإننا لن نتردد لحظة واحدة في الدفاع عن وحدة الأراضي الإيرانية واستقلالها السياسي.
إن الأحداث الأخيرة في بلادنا دليل على أن المجتمع الإيراني مجتمع حي ومتطور، وسيواصل طريقه دائماً عبر الحوار البنّاء والمشاركة الفاعلة للشعب. والجمهورية الإسلامية الإيرانية، انطلاقاً من مبدأ الديمقراطية، ترى في هذه الأحداث فرصة للحوار الداخلي وتعزيز الروابط مع الأجيال الشابة.
ونحن نعتقد أن الإصغاء لصوت الشعب واجب سياسي وضرورة أخلاقية، وهو متجذر في مبادئ ثورتنا. إن الاستقرار والاستمرارية التي تشاهدونها اليوم في إيران هي ثمرة نضج سياسي نشأ من تضارب الآراء وإرادة الإصلاح والتقدم المستمر. ونحن متفائلون جداً بالمستقبل. فقوتنا تكمن في ثقافتنا وتاريخنا وشبابنا الذين يقودون إيران بحماس نحو قمم العلم والرفاه.
أصحاب السعادة، السيدات والسادة؛
على الساحة الدولية، أكدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية دوماً على الدبلوماسية القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. ونحن نؤمن بأن التفاعل والحوار هما السبيل المستدام الوحيد لمعالجة التحديات الإقليمية والعالمية. وأي مفاوضات تتم في إطار القانون الدولي، مع الحفاظ على الكرامة واحترام السيادة الوطنية، ومن موقع الندية، وعلى أساس مبدأ الربح المتبادل، تحظى بقبولنا وترحيبنا. إن سياستنا الخارجية تقوم على مبدأ التفاعل بعزة وكرامة.
إن الجولة الجديدة من المفاوضات النووية التي بدأت بمساعدة ودعم جيراننا في سلطنة عمان، تمثل فرصة مهمة جداً للتوصل إلى حل عادل ومنطقي ومنصف يرضي جميع الأطراف. ونحن نسعى لضمان حقوقنا وفق معاهدة عدم الانتشار، بما في ذلك حق التخصيب ورفع العقوبات الجائرة. والجمهورية الإسلامية الإيرانية ستقوم بدورها لإنجاح هذا المسار، وتأمل أن يلتزم الطرف المقابل أيضاً دون مطالب إضافية بهذا الهدف ومتطلباته، حتى يمكن الوصول إلى نتيجة مرضية.
رسالتنا إلى العالم واضحة: إيران دولة تفي بالتزاماتها، شريطة أن ترى الصدق والالتزام بالتعهدات من الآخرين أيضاً. والجمهورية الإسلامية الإيرانية تمد يد الصداقة إلى جميع الدول التي ترغب في تعاون صادق.
إن القدرات الاقتصادية والنقلية والمعرفية في إيران تشكل أرضية مناسبة للتعاون متعدد الأطراف. وفي حكومتي، تم التأكيد بشكل كبير على توسيع العلاقات الودية مع الجيران ودول المنطقة الإسلامية. كما نؤكد في هذا السياق على الدبلوماسية الإقليمية وتعزيز قدرات المحافظات لتوسيع التجارة الخارجية، لا سيما في المحافظات الحدودية.
وأؤمن إيماناً عميقاً بأنه بالاعتماد على الروابط التاريخية والثقافية بين شعوب المنطقة والاستفادة من تجارب مناطق أخرى من العالم، يمكن توسيع التعاون في مختلف المجالات. كما نولي أولوية لتعزيز التعاون مع الدول المتقاربة معنا والقوى الصاعدة التي تسعى إلى تعزيز التعددية والحفاظ على مكانة القانون الدولي في العلاقات بين الدول. ومثل هذا التعاون بلا شك يبشر بالنمو والتنمية لشعوب مناطق مختلفة من العالم.
أتمنى لكم جميعاً التوفيق في مهامكم الدبلوماسية، وأشكركم على حسن اهتمامكم.
والسلام عليكم ورحمة الله.