وتحوّل ميزان النفوذ العالمي

الصراع الأطلسي الجديد.. أوروبا في مواجهة استفزازات واشنطن

يرى الكثير من الأوروبيين أن الولايات المتحدة لم تعُد شريكاً موثوقاً، وأن سياساتها الأحادية قد تعرض مصالح القارة للخطر

تعيش العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ نهاية الحرب الباردة، مرحلة تتسم بتآكل الثقة، وتضارب المصالح، وتنامي الشعور الأوروبي بأن الحليف الأمريكي لم يعُد كما كان. فالتوتر الذي أثارته تصريحات دونالد ترامب بشأن جزيرة غرينلاند، وما تبعها من مواقف عدائية أو مستفزة تجاه القارة الأوروبية، لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل كان انعكاساً لمسار طويل من التباعد الاستراتيجي بين ضفتي الأطلسي. ومع أن أوروبا لطالما اعتبرت الولايات المتحدة شريكها الأمني الأول، فإن السنوات الأخيرة كشفت هشاشة هذا الارتباط، وأظهرت أن التحالف الذي صمد لعقود أمام الحروب والأزمات لم يعُد محصناً أمام التحولات السياسية الداخلية في واشنطن، ولا أمام صعود النزعات القومية والشعبوية التي باتت تؤثر في صنع القرار الأمريكي.

 

غرينلاند.. الشرارة التي كشفت عمق الأزمة

 

لم تكن أزمة غرينلاند مجرد خلاف دبلوماسي حول جزيرة نائية في القطب الشمالي، بل كانت لحظة كاشفة لعمق التوتر بين أوروبا والولايات المتحدة. فعندما أعلن ترامب رغبته في شراء الجزيرة التابعة للدانمارك، بدا الأمر في نظر الأوروبيين إهانة مباشرة لسيادة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. ورغم أن الفكرة بدت عبثية للكثيرين، فإن الطريقة التي طُرحت بها، وما رافقها من تصريحات تُقلل من شأن الدانمارك وتستخف بمواقفها، أثارت غضباً واسعاً في أوروبا، ودفعت العديد من القادة إلى التساؤل عن مدى احترام واشنطن لسيادة حلفائها. وقد جاءت المظاهرات التي شهدتها غرينلاند وكوبنهاغن لتؤكد أن الاستياء لم يكن حكومياً فقط، بل شعبياً أيضاً، وأن الأوروبيين باتوا يشعرون بأن الولايات المتحدة تتعامل معهم بمنطق الهيمنة لا الشراكة.

 

استفزازات أمريكية متكررة وتآكل الثقة الأوروبية

 

لم تكن أزمة غرينلاند سوى حلقة في سلسلة طويلة من المواقف الأمريكية التي أثارت غضب الأوروبيين. فالإدارة الأمريكية الحالية تبنت خطاباً يعتبر أوروبا منافساً اقتصادياً وخصماً سياسياً في بعض الملفات، لا شريكاً استراتيجياً. وقد ظهر ذلك بوضوح في انتقادات ترامب المتكررة لحلف الناتو، واتهامه الدول الأوروبية بعدم تحمل نصيبها من الأعباء الدفاعية، بل والاستخفاف بتضحيات الجنود الأوروبيين الذين قاتلوا إلى جانب القوات الأمريكية في أفغانستان. هذا الخطاب لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل كان طعناً مباشراً في أساس التحالف الذي قام على مبدأ التضامن المتبادل. كما أن السياسات التجارية التي فرضتها واشنطن، بما في ذلك الرسوم الجمركية على منتجات أوروبية، عززت الشعور بأن الولايات المتحدة تستخدم قوتها الاقتصادية لفرض إرادتها على حلفائها. وزاد من حدة التوتر إعلان مشاركة عناصر من الهجرة الفدرالية الأمريكية في تأمين دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في ميلانو، وهو ما اعتبره الأوروبيون تدخلاً غير مبرر في شؤونهم الأمنية.

 

تحولات استراتيجية أوروبية في مواجهة أمريكا

 

أمام هذا الواقع المتوتر، بدأت أوروبا في إعادة النظر في استراتيجياتها على مختلف المستويات. فالقارة التي اعتمدت لعقود على المظلة الأمنية الأمريكية، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى التفكير في بدائل جديدة، وإلى بناء قدرات ذاتية تقلل من اعتمادها على واشنطن. وقد ظهر هذا التوجه في سعي الاتحاد الأوروبي إلى تنويع شراكاته الاقتصادية، وتعزيز علاقاته التجارية مع الصين ودول أمريكا الجنوبية، في محاولة لتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية. كما بدأت عدة دول أوروبية في مراجعة عقودها مع شركات الدفاع الأمريكية، والبحث عن بدائل أوروبية أو آسيوية، في خطوة تعكس رغبة في بناء قاعدة صناعية دفاعية مستقلة. وفي الوقت نفسه، أصبح النقاش حول مستقبل الناتو أكثر علانية من أي وقتٍ مضى، إذ بات العديد من القادة الأوروبيين يتساءلون عن جدوى استمرار الحلف بصيغته الحالية، وعن مدى إمكانية الاعتماد على الولايات المتحدة في الأزمات المستقبلية. وقد دفع هذا الواقع أوروبا إلى تعزيز مبادراتها الدفاعية المشتركة، مثل التعاون الهيكلي الدائم (PESCO) وصندوق الدفاع الأوروبي، في محاولة لبناء قوة عسكرية قادرة على حماية مصالح القارة دون الحاجة إلى تدخل أمريكي مباشر.

 

الرأي العام الأوروبي.. تحوّل غير مسبوق في النظرة إلى أمريكا

 

تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن أغلبية سكان الدانمارك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا ينظرون الآن إلى الولايات المتحدة نظرة سلبية. هذا التحول غير المسبوق يعكس عمق الأزمة، ويؤكد أن التوتر لم يعُد مجرد خلاف بين الحكومات، بل أصبح شعوراً عاماً يتغلغل في المجتمعات الأوروبية. ويرى الكثير من الأوروبيين أن الولايات المتحدة لم تعُد شريكاً موثوقاً، وأن سياساتها الأحادية قد تعرض مصالح القارة للخطر. ومع ذلك، لا يزال بعض القادة الأوروبيين يسعون للحفاظ على علاقات قوية مع واشنطن، خصوصاً في الملفات التي تتطلب تعاوناً وثيقاً، مثل الحرب في أوكرانيا ومكافحة الإرهاب. لكن هذا التعاون لا يلغي حقيقة أن الثقة قد تآكلت، وأن إعادة بنائها ستتطلب وقتاً وجهداً كبيرين.

 

مؤتمر ميونخ للأمن.. لحظة مفصلية في إعادة صياغة العلاقة

 

يأتي مؤتمر ميونخ للأمن هذا العام في لحظة حساسة، ليكون منصة لمناقشة مستقبل العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة. ومن المتوقع أن يشهد المؤتمر نقاشات عميقة حول ضرورة احترام السيادة الأوروبية، وإعادة تقييم دور الناتو، وتعزيز التعاون الأمني داخل الاتحاد الأوروبي، ووضع قواعد جديدة للتجارة والتكنولوجيا، والتعامل مع التحديات المشتركة مثل الحرب في أوكرانيا. ورغم الخلافات، يدرك الأوروبيون أن القطيعة مع الولايات المتحدة ليست خياراً واقعياً، وأن التعاون لا يزال ضرورياً في عالم يزداد تعقيداً. لكن هذا التعاون يجب أن يقوم على الندية، لا على التبعية، وعلى الاحترام المتبادل، لا على الإملاءات.

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة