إيران قبل الثورة.. دولة بلا سيادة وهُويّة مهدَّدة
مع مطلع القرن الماضي، كانت إيران تعيش حالة انحطاط شامل: تبعية سياسية واقتصادية، اختراق أجنبي مباشر، وغياب مشروع نهضوي وطني.
انقسمت النخب بين تيارٍ أصيلٍ يرى الإصلاح من داخل الهُويّة الإسلامية والحضارية، وتيارٍ متغرّبٍ دعا إلى القطيعة مع الدين والتراث واللغة، وتقليد النموذج الغربي قسرًا.
ورغم نجاح الحركة الدستورية عام 1905 في إقرار دستور وبرلمان، سرعان ما تكشّف أنّ المشروع كان مُدارًا بريطانيًا، فانكفأ التيار الأصيل إلى مسارات مقاومة سياسية وثقافية ودينية، أبرزها دور العلماء والحوزات، وشخصيات فكرية اسلامية في مواجهة الهيمنة الأجنبية
من الانقلاب إلى التبعية الكاملة
بدعم بريطاني، صعد رضا خان إلى الحكم، ثم ورثه ابنه محمد رضا بهلوي، لتدخل إيران مرحلة قمعٍ ممنهج ومحاولة اقتلاع الهُويّة الإسلامية بالقوة. وبعد انقلاب 1953 المدعوم أمريكيًا ضد حكومة محمد مصدّق، أصبحت إيران قاعدة متقدمة للنفوذ الأمريكي-الصهيوني، وأداة لضرب حركات التحرر في المنطقة، بينما تولّى جهاز «السافاك» القمعي إخضاع المجتمع بالخوف والفساد، ومحاولة طمس الهوية الدينية لصالح ثقافة الاستهلاك والتحلل.
لحظة الانفجار.. من قم إلى سقوط الشاه
عام 1978 انطلقت الشرارة من قم، وتحوّلت «الأربعينيات» إلى موجات جماهيرية عارمة، التزمت السلمية والانضباط رغم المجازر، أبرزها «الجمعة السوداء». ومع انتقال الإمام روح الله الخميني(رض) إلى باريس، تضاعف الزخم العالمي للثورة. وفي 16 كانون الثاني 1979 غادر الشاه البلاد، ثم عاد الإمام إلى طهران في مشهد تاريخي أنهى النظام الملكي في 11 شباط 1979.
الإمام الخميني(رض).. وبناء الوعي الثوري
في هذا السياق، برز الإمام بوصفه قائدًا فكريًا وروحيًا، لا مجرد معارض سياسي. ومنذ انتفاضة الستينيات ونفيه، بلور مشروع «العودة إلى الانتماء الحضاري»، وفضح مثلث الهيمنة: الشاه – أمريكا – العدو الصهيوني. ومن منفاه في النجف الأشرف ثم باريس، أدار الإمام “حرب وعي” شاملة، محوّلًا الجماهير من حالة الاستسلام إلى حالة “الهجوم السلمي”.
- عظمة 22 بهمن: في فبراير 1979 تحققت المعجزة بسقوط النظام الشاهنشاهي المدجج بالسلاح أمام “قبضات الزهور” والجماهير العزلاء.
- دولة المؤسسات: في سرعة لا مثيل لها، أُقيم استفتاء شعبي (98% لصالح الجمهورية الإسلامية) ليؤكد أن الثورة لا تعني الفوضى، بل تعني “بناء القانون” المنبثق من إرادة الشعب.
لم تكن دعوته احتجاجًا آنياً، بل تأسيسًا نظريًا لبديل كامل: الاستقلال، والحرّية، والجمهورية الإسلامية، حيث تتحول الإرادة الشعبية المؤمنة إلى قوة تاريخية قادرة على كسر التفوق المادي.
السياسة الخارجية.. “لا شرقية ولا غربية”
نجحت الثورة في كسر الثنائية القطبية، وأصبحت إيران اليوم من أبرز المدافعين عن قضايا المستضعفين، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، محوّلةً إياها من قضية قومية محدودة إلى قضية إسلامية وعالمية كبرى. وبعد رحيل الإمام الخميني(رض)، تسلّم الإمام الخامنئي الراية في ظروف دولية وإقليمية بالغة التعقيد، لتبدأ مرحلة “تثبيت الاقتدار” وتحويل الثورة إلى “نموذج دولة” يسعى إلى الجمع بين الاستقلال والسيادة وبناء المؤسسات.
من التأسيس إلى الاستمرار.. عهد الإمام الخامنئي
بعد رحيل الإمام الخميني(رض)، انتقلت القيادة إلى الإمام الخامنئي لتدخل الثورة مرحلة «ترسيخ الدولة». هنا لم يعد التحدي إسقاط نظام، بل حماية النموذج في مواجهة حصار وضغوط دولية وحروب إدراكية. وفي عهده، تحولت الجمهورية الإسلامية إلى لاعب إقليمي مستقل، ورسّخت معادلة الردع، ووسّعت مشروعها العلمي والتقني، وكرّست سياسة «لا شرقية ولا غربية» كنهج عملي في العلاقات الدولية.
الوحدة الإسلامية والتحول الروحي
أكد الإمام الخامنئي – استكمالاً لنهج الإمام الخميني – أن وحدة الشيعة والسنّة “عامل قدرة” استراتيجي، وأن تفكيك المجتمعات يبدأ من ثغرة الانقسام الداخلي. كما ركزت الدولة على “التزكية والتربية”، بما أنتج جيلاً من الشباب يجمع بين “التقوى المعنوية” و”التميّز العلمي”، ويقرأ الدين بوصفه قوة بناء لا مجرد طقسٍ اجتماعي.
الاقتدار العلمي والتقني
تحوّلت إيران من دولة تستورد أبسط احتياجاتها إلى دولة تنافس في مجالات متعددة، أبرزها:
- النانو تكنولوجيا والفضاء مع حضور في مراتب متقدمة.
- الطاقة النووية السلمية كعنوان لرفض “الاحتكار العلمي” الغربي.
- التصنيع العسكري: من التبعية للمستشارين الأجانب إلى إنتاج الصواريخ والمسيرات والمنظومات الدفاعية بقدرات محلية واسعة.
ثورة برسالة ودولة بمؤسسات
تميّزت الثورة الإسلامية بأربع خصائص مفصلية:
- الشعبية: مشاركة كل فئات المجتمع
- الرسالية: إسقاط النظام الشاهنشاهي وإقامة بديل حضاري، لا إصلاحات تجميلية.
- السلمية المنضبطة: مقاومة بلا فوضى.
- السرعة المؤسسية: استفتاءات ودستور وانتخابات خلال وقت قياسي.
وتجلّت الأهداف في شعار جامع: استقلال – حرّية – جمهورية إسلامية، وتُوّجت بدستور 1979 الذي جعل السيادة للشعب ضمن إطار القيم الإسلامية.
ثمار الثورة.. من الداخل إلى العالم
- سياسيًا: كسر التبعية، وإسقاط هيبة القوى العظمى، والدفاع عن المستضعفين.
- اجتماعيًا: صون كرامة الإنسان، وتمكين المرأة ضمن منظومة القيم.
- اقتصاديًا: السعي إلى العدالة الاجتماعية رغم الحصار والحرب.
- عسكريًا: بناء قوة ردع ذاتية وصناعة دفاعية مستقلة.
- علميًا: نهضة معرفية متسارعة دفعت إيران إلى مصاف الدول الصاعدة.
- حضاريًا: إحياء الإسلام المحمدي الأصيل، وتعزيز وحدة الأمّة، وبث روح المعنى في عالمٍ مأزوم ماديًا.
الفلسفة الراهنة: “يأس العدو” كاستراتيجية بقاء
وفق الرؤية التي تتقدّم في خطاب القيادة، فإن الهدف المرحلي يتمثل في إيصال الخصم إلى “مرحلة اليأس”. وهذا اليأس لا يأتي بالصدفة، بل هو نتاج:
- وحدة الكلمة: حضور شعبي واسع يصدّ محاولات التفكيك.
- قوة الفكر: وعي سياسي يمنع الاختراق الثقافي.
- الاستمرارية: قدرة الثورة على البقاء فتية رغم مرور عقود طويلة.
خلاصة المعنى
انتصار الثورة الإسلامية لم يكن انتصار يومٍ أو نظامٍ فحسب، بل انتصار فكرة: حين تتجذّر الهُويّة في وعي الشعب، وتتحوّل الإرادة الجماعية إلى مشروع، يصبح التاريخ قابلًا لإعادة الكتابة.
ومن الإمام الخميني(رض) إلى الإمام الخامنئي، تثبت التجربة الإيرانية أن القوة الحقيقية ليست في السلاح وحده، بل في الإنسان الواعي؛ وأن يأس الخصم أمام إرادةٍ لا تُشترى ولا تُكسَر، هو الانتصار الأعمق والأبقى.
إن الثورة الإسلامية في إيران ليست مجرد “تاريخ يُحكى”، بل هي “مستقبل يُصنع”: شعب يمتلك إرادة الاستقلال وبصيرة الإيمان قادر على إرغام القوى العظمى على التراجع، ليظل يوم “22 بهمن” إعلاناً سنوياً بأن السيادة حق للشعوب، وأن المستقبل لمن يملك المعنى والاقتدار.