فضيحة إبستين.. عندما تسقط الأقنعة الأخلاقية للحضارة الليبرالية

خاص الوفاق: لم تكن فضيحة جيفري إبستين مجرّد خبر عابر في الصفحات الجنائية للصحف الأمريكية، ولا يمكن اختزالها في إطار «فضيحة أخلاقية» أو «انتحار غامض» داخل أحد السجون الفيدرالية. فمع مرور الوقت، وتراكم التساؤلات، واتساع دائرة الصمت الرسمي، تحوّلت هذه الفضيحة إلى مرآة كاشفة لأزمة عميقة تضرب الأسس الفكرية والأخلاقية للنظام الليبرالي الديمقراطي الغربي.

الدكتور محمدعلي صنوبري

 

 

إنّ خطورة هذه الفضيحة لا تكمن فقط في طبيعة الجرائم المرتكبة، بل في الطريقة التي تعامل بها النظام السياسي والإعلامي والقضائي الغربي معها؛ طريقة كشفت حجم التناقض بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية، وبين الادّعاءات الأخلاقية والواقع البنيوي الذي يحكم مراكز القرار.

 

لقد اعتاد الغرب، لعقود طويلة، تقديم نفسه بوصفه «النموذج الأعلى» للحضارة الإنسانية، واحتكار الحديث عن: حقوق الإنسان، كرامة المرأة، حماية الطفل، سيادة القانون، الشفافية والمساءلة. غير أنّ فضيحة إبستين جاءت لتضع كل هذه الشعارات تحت مجهر الواقع، وتكشف أنها ليست قيماً ثابتة، بل أدوات سياسية انتقائية تُستخدم حين تخدم مصالح القوة، وتُعطّل حين تمسّ النخب الحاكمة.

 

 

إبستين.. رأس جبل الجليد لا الاستثناء

 

تحاول المنظومة الإعلامية الغربية، منذ انفجار الفضيحة، حصرها في إطار «الشذوذ الفردي» أو «الانحراف الشخصي»، في محاولة واعية لفصل الحدث عن السياق البنيوي الذي نشأ فيه. غير أن أي قراءة متأنية للوقائع تشير بوضوح إلى أن إبستين لم يكن استثناءً، بل نتاجاً طبيعياً لمنظومة تحمي الأقوياء وتُسقِط الضعفاء.

 

لقد كان إبستين جزءاً من شبكات نخبوية عابرة للحدود، وحاضراً في دوائر المال والسياسة، ومحاطاً بعلاقات نافذة وفّرت له الحصانة، وقادراً على الإفلات من الملاحقة لسنوات طويلة. وهذا ما يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لشخص واحد أن يعمل بهذا الحجم من الجرائم، وبهذا الاتساع الجغرافي، وبهذه العلنية، دون غطاء مؤسسي؟

 

إنّ الإجابة تقودنا مباشرة إلى الدولة العميقة الغربية، حيث تتقاطع المصالح السياسية، والمالية، والإعلامية، والأمنية، في منظومة واحدة، تجعل من العدالة مفهوماً نسبياً، ومن القانون أداة انتقائية.

 

 

القضاء الغربي.. بين الأسطورة والواقع

 

لطالما سوّق الغرب نظامه القضائي بوصفه نموذجاً عالمياً للاستقلال والنزاهة. غير أن فضيحة إبستين كشفت هشاشة هذه الأسطورة. فالتساؤلات التي مازالت بلا إجابة حتى اليوم، لا تتعلق بتفاصيل تقنية، بل بجوهر العدالة نفسها:

 

– لماذا أُغلقت ملفات سابقة رغم وضوح الأدلة؟

 

– لماذا مُنح المتهم صفقات قضائية مخففة؟

 

– لماذا غابت أسماء نافذة عن لوائح الاتهام؟

 

– كيف فشل النظام الأمني في «حماية» متهم بحجم إبستين؟

 

– ولماذا انتهت الفضيحة بطريقة تضمن إسكات المتهم نهائياً؟

 

هذه الأسئلة لا يمكن فصلها عن طبيعة النظام الليبرالي الذي يدّعي المساواة أمام القانون، بينما يكرّس عملياً امتيازات طبقية وسياسية تحصّن النخب من المحاسبة.

 

الإعلام الغربي.. من سلطة رقابة إلى أداة تواطؤ

 

في الخطاب الغربي، يُقدَّم الإعلام بوصفه «السلطة الرابعة» ورقيباً على السلطة؛ لكن سلوك الإعلام السائد في قضية إبستين كشف عن وظيفة مختلفة تماماً. فبدلاً من المتابعة الاستقصائية الجادة، والضغط لكشف الأسماء، ومساءلة مراكز القرار، شهد العالم تسطيح الفضيحة والتركيز على التفاصيل الثانوية، وتغييب السياق البنيوي، وتجنّب المساس بالشخصيات النافذة. وهذا السلوك لا يعكس فشلاً مهنياً، بل تماهياً وظيفياً بين الإعلام والسلطة داخل النظام الليبرالي، حيث تتحول حرّية الصحافة إلى حرّية مشروطة بسقف المصالح السياسية والاقتصادية.

 

 

ازدواجية المعايير.. جوهر الأزمة لا عرضها

 

إنّ أخطر ما كشفت عنه فضيحة إبستين هو الازدواجية البنيوية التي تحكم المنظومة الغربية. فالغرب الذي يفرض العقوبات باسم حقوق الإنسان، ويتدخل عسكرياً بحجة حماية المدنيين، ويشنّ حملات إعلامية ضدّ الدول المستقلة، هو نفسه الذي يتستّر على جرائم نخبِه، ويُعطّل العدالة حين تمسّ مصالحه، ويصمت أمام انتهاكات موثّقة داخل حدوده.

 

وهنا، لا تعود الفضيحة أخلاقية فحسب، بل سياسية وحضارية، لأنها تسقط الأساس الذي يقوم عليه الادّعاء الغربي بالوصاية على العالم.

 

 

الإنسان في المنظور الليبرالي.. من كرامة إلى سلعة

 

لا يمكن فهم فضيحة إبستين بمعزل عن الرؤية الليبرالية للإنسان. ففي الفلسفة الليبرالية المعاصرة: تُفصل الحرّية عن المسؤولية، وتُفكك القيم الأخلاقية، ويُعاد تعريف الإنسان بوصفه «فرداً استهلاكياً»، ويُحوَّل الجسد إلى منتج، وتُشرعن الانحرافات باسم الاختيار الشخصي. وفي مثل هذا الإطار، لا يصبح استغلال الإنسان انحرافاً، بل انزلاقاً منطقياً في مسار يجرّد القيم من قدسيتها، ويستبدلها بمنطق المنفعة واللذة.
إنّ إبستين لم يعمل ضدّ الثقافة الغربية، بل داخلها وبأدواتها.

 

 

من الفضيحة إلى الإدانة الحضارية

 

إنّ اختزال فضيحة إبستين في بُعدها الجنائيّ يُعدّ هروباً من الحقيقة. فالفضيحة في جوهرها وثيقة إدانة حضارية لنظام يرفع شعار الأخلاق ويمارس نقيضها، ويتحدّث عن القانون ويعطّله، ويدّعي حماي

ة الإنسان ويحوّله إلى أداة. وهنا، يصبح السؤال المركزي ليس: «كيف حدثت فضيحة إبستين؟»، بل: «كيف يسمح نظامٌ يدّعي التفوق الأخلاقي بإنتاج وحماية مثل هذه الظواهر؟»

 

هذا السؤال هو ما يقودنا في الأجزاء التالية إلى تحليل البنية الثقافية الغربية، وربط هذه الفضيحة بأفول الهيمنة الأمريكية، والمقارنة مع المنظومة الأخلاقية الإسلامية، وكشف البُعد الصهيوني والابتزازي للشبكات العابرة للحدود.

 

 

حين تتحوّل الحرّية إلى غطاء للجريمة

 

إذا كانت فضيحة إبستين قد كشفت شيئاً، فهي لم تكشف «انحراف فرد»، بل فضحت بنية ثقافية كاملة جعلت من الانحراف ظاهرة قابلة للحماية والتطبيع. فالجريمة في هذه الفضيحة لم تكن فقط في الفعل، بل في البيئة التي سمحت بالفعل، وحمته، ووفّرت له أدوات الاستمرار.

 

إنّ الثقافة الليبرالية الغربية، في نسختها المعاصرة، قامت على إعادة تعريف المفاهيم الأساسية التي شكّلت عبر التاريخ ضوابط السلوك الإنساني، فتمّ تفكيك مفهوم الأسرة بوصفها نواة أخلاقية، ونزع القداسة عن الجسد الإنساني، ونسبية الأخلاق وتحويلها إلى «اختيارات شخصية»، وفصل الحرّية عن أي التزام قيمي أو اجتماعي. وفي ظل هذا التحول، لم يعد السؤال: «هل هذا الفعل أخلاقي؟»، بل: «هل هو قانوني؟ وهل يحقق المنفعة؟»، وهنا، تبدأ الكارثة.

 

 

تسليع الإنسان.. من النظرية إلى الممارسة

 

في المنظور الليبرالي، لا يُنظر إلى الإنسان ككائن ذي كرامة مطلقة، بل كـ«فرد» في سوق مفتوحة، تحكمه قوانين العرض والطلب. هذه الرؤية، التي قد تبدأ في الاقتصاد، سرعان ما تمتد إلى الاجتماع والثقافة والسياسة. لقد أصبح الجسد سلعة، والعلاقات الإنسانية عقوداً، والقيم أدوات تفاوض، والأخلاق ملفاً قابلاً للتأجيل. وفي هذا السياق، لا يعود استغلال الإنسان إنحرافاً، بل أحد أشكال الاستثمار.

 

إنّ شبكات الاستغلال المنظم، التي تمثّل قضية إبستين نموذجاً صارخاً لها، لم تظهر فجأة، بل نشأت داخل منظومة:

 

– تُشرعن الإباحية

 

– تُطبع الانحراف

 

– تُضعف الرقابة الأخلاقية

 

– تُقدِّس «الحرّية المطلقة»

 

وهكذا، يتحوّل الإنسان من غاية إلى وسيلة، ومن قيمة إلى مادة خام.

 

 

التربية الغربية.. صناعة الفرد المنفصل عن القيم

 

 

لا يمكن فهم هذا الانحراف دون التوقف عند منظومة التربية والتعليم في الغرب، التي تقوم، في جوهرها على الفردانية المتطرفة، وإلغاء المرجعيات الأخلاقية الثابتة، وتقديم اللذّة بوصفها حقاً، وتسويق «التحرر» كغاية بحدّ ذاته.

 

وفي هذا النموذج التربوي، لا يُربّى الفرد على ضبط النفس، والمسؤولية الاجتماعية، وقدسية الآخر، بل يُدفع إلى تعظيم الرغبة، وكسر الحدود، واختبار المحرمات، واعتبار القيود «قمعاً». وفي مجتمع كهذا، يصبح ظهور شخصيات مثل إبستين عرضاً طبيعياً لا خللاً استثنائياً.

 

 

الإعلام.. وصناعة التطبيع

 

 

يلعب الإعلام الغربي دوراً مركزياً في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، لا عبر ما يقوله فقط، بل عبر ما يختار تجاهله. ففي السنوات التي سبقت انفجار فضيحة إبستين، كان الإعلام يُروِّج لثقافة الابتذال، ويُجمِّل الانحراف، ويسخر من القيم الدينية، ويشيطن أي خطاب أخلاقي بديل. وحين انفجرت الفضيحة، لجأ الإعلام نفسه إلى تشتيت الانتباه، والتركيز على التفاصيل السطحية، وتغييب النقاش الحضاري، وحماية «الأسماء الكبيرة». وهكذا، لم يعدّ الإعلام سلطة رقابة، بل جزءاً من منظومة الحماية الناعمة للفساد.

 

 

نماذج متكررة.. لا حادثة وحيدة

 

إنّ من الخطأ النظر إلى إبستين كحالة منفردة. فالتاريخ الحديث للغرب مليء بقضايا مشابهة:

 

– فضائح استغلال داخل مؤسسات دينية وسياسية

 

– شبكات ابتزاز مرتبطة بالمال والإعلام

 

– ملفات أُغلقت فجأة دون محاسبة

 

– شخصيات نافذة أفلتت من العدالة

 

القاسم المشترك في هذه القضايا ليس فقط الفعل، بل آلية التعامل، مثل: الإحتواء الإعلامي، وتسويات قضائية، وصمت سياسي، ونسيان مُتعمِّد. وهذا ما يؤكد أنّ المشكلة منهجية لا عرضية.

 

 

الابتزاز الأخلاقي كأداة سلطة

 

تكشف فضيحة إبستين بُعداً بالغ الخطورة، يتمثل في استخدام الانحراف الأخلاقي كأداة ابتزاز سياسي. فالملفات السوداء، والصور، والتسجيلات، ليست مجرد أدوات فضيحة، بل وسائل سيطرة. وفي هذا السياق لا يُستغل الضحايا فقط، بل يُستغل الجناة أنفسهم، وتُدار العلاقات السياسية من خلف الكواليس. وهكذا، تتحوّل الأخلاق من قيمة إنسانية إلى سلاح سياسي، يُستخدم لإخضاع الأفراد وصُنّاع القرار.

 

 

الليبرالية.. وسقوط المعنى

 

إنّ أخطر ما في النموذج الليبرالي الغربي ليس الفساد بحدّ ذاته، بل تفريغ الحياة من المعنى. فحين تُلغى الغاية، وتُفكك القيم، ويُختزل الإنسان في رغباته يصبح كل شيء قابلاً للتبرير، وكل جريمة قابلة للتأويل، وكل انحراف قابلاً للتطبيع.

 

وفي هذا الفراغ القيمي، تنمو الشبكات المظلمة، وتزدهر ثقافة الإفلات من العقاب، ويتحوّل القانون إلى أداة تقنية بلا روح.

 

 

من الانحراف الفردي إلى الأزمة الحضارية

 

فضيحة إبستين، في هذا السياق، ليست سوى عنوان بارز لأزمة أعمق:

 

– أزمة معنى

 

– أزمة قيم

 

– أزمة نموذج حضاري

 

إنها أزمة نظام ادّعى أنه نهاية التاريخ، فإذا به يكشف عن نهاية أخلاقه.

 

وهنا، لا يعود السؤال مقتصراً على الغرب، بل يمتدّ إلى العالم كلّه: هل يمكن لنظام فاقد للبوصلة الأخلاقية أن يقود البشرية؟

 

 

تمهيد للانهيار الأكبر

 

 

إنّ ما تكشفه هذه الفضيحة، ومعها قضايا مشابهة، ليس فقط خللاً داخلياً، بل تمهيداً لانهيار أوسع:

 

– انهيار الثقة

 

– انهيار الشرعية

 

– انهيار القوة الناعمة

 

وهو ما يتقاطع مباشرة مع التحولات الدولية الكبرى، وأفول النظام الأحادي القطبية، وصعود قوى تطرح نفسها بوصفها بدائل حضارية.

 

هذا ما يقودنا، في الجزء الثالث والأخير، إلى الربط بين الفضيحة وأفول الهيمنة الأمريكية، والمقارنة التفصيلية مع المنظومة الأخلاقية الإسلامية، وكشف دور الصهيونية الدولية والابتزاز المنظم، واستخلاص الدروس الاستراتيجية للعالم الإسلامي.

 

 

فضيحة إبستين.. في سياق انهيار القوّة الناعمة الأمريكية

 

 

لم تأتِ فضيحة إبستين في فراغ تاريخي أو سياسي، بل انفجرت في لحظة مفصلية يشهد فيها النظام الدولي تحولات عميقة وغير مسبوقة. فالولايات المتحدة، التي بنت نفوذها العالمي على مزيج من القوة العسكرية والهيمنة الاقتصادية و«القوة الناعمة» الأخلاقية، باتت اليوم عاجزة عن الحفاظ على هذا التوازن.

 

لقد شكّلت فضيحة إبستين ضربة قاسية لما تبقى من الصورة الأخلاقية الأمريكية، تلك الصورة التي استُخدمت لعقود لتبرير التدخلات العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، والضغوط السياسية، وتصنيف الدول بين «متحضّرة» و«مارقة» وحين تسقط الأخلاق، تسقط معها الشرعية.

 

إنّ الرأي العام العالمي، الذي كان يتعامل سابقاً مع الخطاب الأمريكي بوصفه مرجعاً، بات اليوم أكثر تشككاً ووعياً بازدواجية المعايير. ولم تعدّ الشعوب، ولا حتى كثير من النخب، تقبل بأن تتلقى دروساً في حقوق الإنسان من نظام يعجز عن محاسبة نُخَبه المتورطة في أبشع أشكال الاستغلال.

 

 

دومينو سقوط النظام الأحادي القطبية

 

تُعدّ فضيحة إبستين إحدى الحلقات المتتالية في سلسلة الانكشافات التي عجّلت بتآكل النظام الأحادي القطبية. فإلى جانب الحروب الفاشلة، والأزمات الاقتصادية، والانقسامات الداخلية، وصعود قوى دولية جديدة، جاءت هذه الفضيحة لتضرب الأساس الأخلاقي الذي حاولت الولايات المتحدة التمسك به كآخر مبرر لقيادتها العالم.

 

إنّ سقوط الهيمنة لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر تآكل تدريجي للثقة، وفضيحة إبستين تمثّل إحدى أكثر لحظات هذا التآكل وضوحاً وفضحاً.

 

 

الإسلام كنظام أخلاقي بديل

 

في مقابل هذا الانهيار، يطرح الإسلام نفسه ليس كخطاب احتجاجي، بل كـنظام أخلاقي متكامل، يقدّم رؤية مختلفة جذرياً للإنسان والمجتمع والسياسة. فالإنسان في الرؤية الإسلامية مُكرّم لذاته، لا لقيمته السوقية، ومسؤول عن أفعاله أمام الله والمجتمع، ولا تُفصل حرّيته عن الضوابط الأخلاقية، ولا يُختزل في رغباته. والجسد ليس سلعة، ولا أداة ابتزاز، ولا مادة استهلاك، بل أمانة يجب صونها.

 

هذه الرؤية ليست مثالية نظرية، بل منظومة عملية أثبتت قدرتها على حماية الإنسان من السقوط في مستنقع الابتذال المنظّم الذي أنتجه الغرب الليبرالي.

 

 

الجمهورية الإسلامية.. ترجمة سياسية للأخلاق

 

لم تكتفِ الجمهورية الإسلامية الإيرانية برفع شعارات أخلاقية، بل سعت، منذ انتصار الثورة الإسلامية، إلى ترجمة القيم الإسلامية إلى مشروع سياسي واجتماعي، يقوم على استقلال القرار، ورفض الابتزاز، ومركزية العدالة، وصون الكرامة الإنسانية.

 

وفي عالم تحكمه الصفقات والفضائح والملفات السوداء، شكّل هذا النموذج مصدر إزعاج حقيقي للمنظومة الغربية، لأنه يفضح زيف ادّعائها الأخلاقي بمجرد وجوده.

 

ولهذا، لم يكن استهداف إيران سياسياً وإعلامياً واقتصادياً منفصلاً عن هذا البُعد القيمي، بل جزءاً من صراع أعمق بين منظومة تجعل الأخلاق شرطاً للسياسة، ومنظومة تستخدم الأخلاق كغطاء للهيمنة.

 

 

الصهيونية الدولية.. والابتزاز المنظّم

 

 

من أكثر الأبعاد خطورة في فضيحة إبستين هو ما تكشفه من آليات عمل شبكات الصهيونية الدولية، التي لم تعتمد، تاريخياً، على القوة العسكرية فقط، بل على الابتزاز، والفضائح، والملفات الأخلاقية، والتحكم بالمعلومات.

 

إنّ استخدام الانحراف الأخلاقي كوسيلة للسيطرة على السياسيين وصُنّاع القرار ليس أمراً جديداً، بل جزء من استراتيجية طويلة الأمد، تجعل من الفساد أداة حكم، ومن الابتذال وسيلة نفوذ.

 

وفي هذا السياق، تتحول قضايا مثل إبستين إلى نوافذ كاشفة عن طبيعة هذا الكيان السرطاني، الذي لا يتورع عن تدمير المجتمعات والأفراد خدمة لمصالحه.

 

 

تحذير للمجتمع الدولي

 

إنّ الدرس الأكبر الذي ينبغي على المجتمع الدولي استخلاصه من فضيحة إبستين، لا يقتصر على إدانة شخص أو شبكة، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تقييم مَن يقود النظام العالمي، والتشكيك في الخطاب الأخلاقي الغربي، والبحث عن بدائل حضارية حقيقية. فالخطر لا يكمن فقط في الجريمة، بل في النظام الذي يحمي الجريمة ويعيد إنتاجها.

 

 

نحو نظام عالمي جديد قائم على القيم

 

تؤكد فضيحة إبستين، بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ العالم يقف على أعتاب مرحلة جديدة، لم يعد فيها بالإمكان تبرير الهيمنة بالقيم، وتزيين الاستغلال بشعارات، وإخفاء الفساد خلف الإعلام، وإنّ النظام العالمي القادم، إنْ أراد الاستمرار، لابدّ أن يقوم على العدالة الحقيقية، والأخلاق غير الانتقائية، واحترام الإنسان كغاية لا وسيلة، وتعددية حضارية ترفض الوصاية.

 

 

الخاتمة: إبستين كعلامة تاريخية

 

ليست فضيحة إبستين حدثاً عابراً في سجل الفضائح الغربية، بل علامة تاريخية على:

 

– سقوط الادّعاء الأخلاقي

 

– أفول النموذج الليبرالي

 

– بداية تحوّل عالمي عميق

 

إنّها شهادة على أنّ الحضارة التي تفصل القوة عن القيم، مصيرها الانكشاف ثم السقوط، وأنّ المستقبل سيكون لمن يملك الأخلاق قبل السلاح، والعدالة قبل النفوذ.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر: الوفاق/خاص