كشف مؤتمر الأمن في ميونيخ لعام 2026 عن تحوّل جذري في طريقة تفكير أوروبا بأمنها القومي وبعلاقتها التاريخية مع الولايات المتحدة. فالقارة التي اعتادت لعقود الاعتماد على المظلّة الأميركية، وجدت نفسها أمام واقع جديد فرضته الحرب في أوكرانيا، وتبدّل أولويات واشنطن، وتصاعد الخطاب السياسي الأميركي الذي يضع الداخل فوق الالتزامات الخارجية. هذا التحوّل لم يعُد مجرّد نقاش نظري، بل أصبح محوراً مركزياً في مداولات القادة الأوروبيين الذين باتوا يتعاملون مع فكرة «الاستقلال الاستراتيجي» كضرورة وجودية، لا كترفٍ سياسي.
في هذا السياق، بدا مؤتمر ميونيخ وكأنه لحظة مفصلية تُعلن بداية مرحلة جديدة في العلاقات عبر الأطلسي، مرحلة تتراجع فيها الثقة القديمة، وتبرز فيها الحاجة الأوروبية إلى بناء منظومة دفاعية قادرة على العمل حتى في حال غياب الدعم الأميركي أو تقلّصه.
أوروبا تقلّل المخاطر.. من أميركا هذه المرّة
في السنوات الماضية، كان الحديث عن «تقليل المخاطر» يرتبط عادةً بالصين وروسيا، سواء في مجال الطاقة أو سلاسل التوريد أو النفوذ الاقتصادي. لكن المفارقة أن هذا المفهوم عاد في ميونيخ 2026 بصيغة مختلفة تماماً: تقليل المخاطر القادمة من الولايات المتحدة نفسها.
فالتقلّبات في مواقف إدارة ترامب، والرسائل المتناقضة حول التزامات واشنطن تجاه «الناتو»، دفعت الأوروبيين إلى إعادة تقييم علاقتهم بالحليف الأميركي. لم يعُد القلق مرتبطاً بشخص الرئيس الأميركي فقط، بل ببُنية السياسة الأميركية التي باتت تميل إلى الانكفاء، وإلى التعامل مع التحالفات بمنطق الصفقات لا بمنطق الالتزام الاستراتيجي الطويل الأمد.
هذا التحوّل دفع المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى توجيه انتقادات غير مسبوقة للاعتماد الأوروبي «المفرط» على الولايات المتحدة، مؤكداً أن القارة يجب أن تستعد لسيناريوات تعمل فيها واشنطن وفق مصالحها الخاصة، حتى لو تعارضت مع مصالح أوروبا.
في أروقة المؤتمر، بدا واضحاً أن عدداً متزايداً من العواصم الأوروبية بات مقتنعاً بأن زمن التسليم المطلق بالدور الأميركي قد انتهى، وأن أوروبا تحتاج إلى بناء «كتلة صلبة» قادرة على الردع والعمل العسكري والسياسي من دون انتظار قرار من البيت الأبيض.
المظلّة النووية الفرنسية.. تحول الردع الأوروبي
أبرز ملامح التحوّل الأوروبي ظهر في إعلان ميرتس بدء محادثات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول توسيع المظلّة النووية الفرنسية لتشمل ألمانيا.
هذه الخطوة تمثّل تجاوزاً تاريخياً لمحرّمات استمرت عقوداً، إذ كانت برلين تعتمد بالكامل على المظلّة النووية الأميركية ضمن إطار «الناتو». لكن القلق من احتمال تردّد واشنطن في «المخاطرة بنيويورك من أجل حماية برلين» دفع ألمانيا إلى البحث عن ضمانات أوروبية خالصة.
توسيع المظلّة النووية الفرنسية لا يعني فقط تعزيز الردع، بل يشير إلى بداية نقاش أعمق حول مستقبل الردع النووي الأوروبي، ومن يملك قرار استخدامه، وكيف يمكن بناء منظومة دفاعية مشتركة لا تعتمد على الولايات المتحدة.
ورغم تأكيد ميرتس أن أي ترتيبات ستكون منسّقة مع «الناتو»، إلاّ أن المبادرة تعكس إدراكاً أوروبياً بأن الاعتماد المطلق على واشنطن لم يعُد خياراً آمناً، وأن القارة تحتاج إلى «بوليصة تأمين» مستقلة تحميها في حال تغيّر المزاج السياسي الأميركي.
غرينلاند.. شرارة صغيرة تكشف شرخاً كبيراً
الخلاف حول جزيرة غرينلاند، التابعة للدنمارك، شكّل عاملاً إضافياً في تعميق التباعد بين أوروبا والولايات المتحدة. فالمطالب الأميركية المتجددة بالسيطرة على الجزيرة لأسباب أمنية واستراتيجية أثارت غضب الأوروبيين الذين اعتبروا الأمر مساساً بسيادة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي.
رئيسة الوزراء الدنماركية، ميت فريدريكسن، دعت أوروبا إلى تبنّي «عقلية حال الطوارئ»، مؤكدةً أن العالم يدخل مرحلة لا تحكمها القواعد التقليدية، وأن الدول التي لا تستطيع حماية مواردها وسيادتها تواجه خطر «الفناء السياسي».
هذا الموقف الدنماركي وجد دعماً واسعاً داخل أوروبا، التي رأت في الطرح الأميركي مؤشراً على أن واشنطن مستعدة لتجاوز مصالح الحلفاء إذا اقتضت مصالحها الاستراتيجية ذلك.
غرينلاند، رغم بعدها الجغرافي، أصبحت رمزاً لخلل أعمق في العلاقة عبر الأطلسي، ولشعور أوروبي متزايد بأن الولايات المتحدة لم تعُد تتعامل مع القارة كشريك متساوٍ، بل كمنطقة نفوذ يمكن الضغط عليها أو استخدامها في صراعاتها الكبرى.
خطاب روبيو.. تهدئة المخاوف الأوروبية
حاول وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تهدئة المخاوف الأوروبية عبر خطاب دبلوماسي هادئ، استدعى فيه الروابط التاريخية والثقافية بين ضفّتي الأطلسي، واصفاً الولايات المتحدة بأنها «ابنة أوروبا».
لكن خلف هذا الخطاب الودّي، حملت كلمته رسائل واضحة: على أوروبا أن تتحمّل مسؤولية الدفاع عن نفسها، الولايات المتحدة لن تقدّم التزامات صريحة بشأن مواجهة روسيا، الأولوية الأميركية هي الداخل وصراع القوى العظمى مع الصين.
غياب أي تحذير مباشر للكرملين من قبل روبيو التُقط في ميونيخ كإشارة إلى أن واشنطن لم تعد ترى في الردع ضد روسيا أولوية قصوى، وأنها تفضّل ترك العبء الأكبر للأوروبيين.
بهذا المعنى، بدا خطاب روبيو محاولة للحفاظ على الشكل التقليدي للتحالف، مع إعادة تعريف مضمونه بما يتناسب مع أولويات الإدارة الأميركية الجديدة.
أوكرانيا.. الحرب التي كشفت عمق التباين
الحرب في أوكرانيا، التي تدخل عامها الخامس، كانت محوراً أساسياً في نقاشات ميونيخ، لكنها كشفت أيضاً عن تباين كبير بين واشنطن والعواصم الأوروبية. إدارة ترامب تسعى إلى «صفقة» تنهي الحرب بسرعة، انطلاقاً من منطق تقليل الأكلاف على الولايات المتحدة.
الرئيس التشيكي بيتر بافل ورئيسة وزراء الدنمارك حذّرا من أن اتفاقيات السلام الهشّة ستكون مجرد مقدمة لعدوان جديد. أمّا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، فرفض إجراء انتخابات تحت القصف، وأصرّ على ربط أي عملية سياسية بوقف إطلاق نار شامل ومستدام.
في مواجهة هذا التباين، بدأت دول أوروبية، وعلى رأسها ألمانيا والمملكة المتحدة، تعزيز التعاون العسكري الصناعي مع أوكرانيا، بما يشمل تصنيع الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي داخل الأراضي الأوكرانية.
هذه الخطوة تعكس استعداداً أوروبياً لحرب طويلة، وتؤسس لشراكة دفاعية تتجاوز المساعدات التقليدية، وتؤكد أن أوروبا بدأت تتصرّف كقوة مستقلة عن الموقف الأميركي.
بريطانيا بعد «بريكست»..عودة من بوابة الأمن
رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي، بدت المملكة المتحدة في ميونيخ لاعباً مركزياً في مشروع بناء «القوة الصلبة» الأوروبية.
رئيس الوزراء كير ستارمر دعا إلى «تجديد جذري» للعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، يتجاوز مرحلة ما بعد «بريكست»، ويركّز على التعاون الدفاعي والأمني.
ستارمر شدّد على ضرورة توحيد المشتريات الدفاعية وتقليل التشتت في الصناعات العسكرية الأوروبية، مؤكداً أن أوروبا يجب أن تمتلك القدرة على الردع والقتال إذا لزم الأمر.
هذا الموقف يعكس إدراكاً بريطانياً بأن موقع لندن الجيوسياسي يتراجع إذا بقيت معلّقة بين أوروبا والولايات المتحدة، وأن الأمن الجماعي الأوروبي يُشكّل مساحة طبيعية لعودة بريطانيا إلى قلب القارة.
تحالف يتغيّر.. وأوروبا تعيد صياغة مصيرها
يبدو واضحاً أن التحالف الأطلسي دخل مرحلة إعادة هيكلة عميقة. أوروبا لم تعُد تنظر إلى الولايات المتحدة كضامن تلقائي لأمنها، وواشنطن لم تعُد ترى في أوروبا محور سياستها العالمية. لكن هذا لا يعني القطيعة، بل يعني أن العلاقة ستقوم على شراكة انتقائية وواقعية سياسية، حيث تبقى الولايات المتحدة حليفاً مهماً، لكن ليس الحامي الأوحد.
في عالم يتّجه نحو مزيد من الفوضى والتنافس بين القوى الكبرى، تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى بناء درعها الأمني الخاص، وصياغة مصيرها بيدها، لأن الاعتماد المطلق على واشنطن لم يعُد خياراً آمناً.
ختاماً ميونيخ 2026 لم يكن مجرد مؤتمر، بل لحظة وعي أوروبي بأن زمن الاتكال انتهى، وأن زمن الاستقلال بدأ، ولو بخطوات بطيئة ومتردّدة.