حول إنحطاط العقل السياسي..

ما هو الترورامبيسم؟

خاص الوفاق/ الترورامبيسم «الإرهاب الترامبي» في هذا المقال لا تُدرَس بوصفها اسمًا لشخص أو لمرحلة زمنية، بل بوصفها حالة عقلانية–سياسية؛ حالةٌ يتحوّل فيها الارهاب من فعل استثنائي إلى منطق مُنظِّم. بالاعتماد إلى التقليد الكانطي في نقد العقل، والاستفادة من التحليل النقدي للخطاب، يُبيَّن كيف أنّ العقل واللغة والقانون والذاكرة والأخلاق والراوي والرواية تُضعَّف أو تُدمَّر بصورة منهجية داخل هذه الحالة. ويُجادل الكاتب بأنّ الترورامبيسم هي الصياغة المعاصرة للاستعمار ما بعد الحداثي: سياسة لا تسعى للهيمنة ليس فقط على الأرض، بل أيضاً على إمكانية الحكم العقلاني ذاته. وتبرز الخلاصة، بالعودة إلى سؤال كانط «جرأة الحكم»، ضرورة إعادة بناء العقلانية السياسية. هذا المقال ليس تأريخًا لدولة ولا تحليلًا نفسيًا لسياسي. إنّ قضيته هي صياغة الشروط التي تتكلّم فيها السياسةُ بلغة العقل، لكنها لم تعُد تعتبر نفسها مُلزَمة بالمساءلة أمام العقل. ما يُسمّى في هذا المقال «الإرهاب الترامبي» هو اسم لبُنية؛ بُنية يتحوّل فيها العنف والإقصاء والارهاب إلى مبادئ لممارسة السياسة. في الأفق الكانطي، لا تكون السياسة مشروعة إلا حين تستطيع الصمود أمام حكم العقل العام. وكلّما أعفت السلطةُ نفسها من هذا الحكم، انحدر العقل من مقام التشريع إلى مجرّد أداة للتبرير.

الدكتور محمد اخكري

 

 

 

«الإرهاب الترامبي» هي اسم لحالة يهبط فيها العقل من مقام الحكم، وتتحوّل اللغة فيها من وسيط للفهم إلى أداة لإثارة الهلع. فإذا كانت الأنوار، بتعبير كانط، خروج الإنسان من قصوره الذي ارتضاه لنفسه، فإنّ «الإرهاب الترامبي» يجب اعتباره عودة واعية إلى ذلك القُصور؛ ليس بسبب العجز عن التفكير، بل بسبب تفضيل الطاعة، والانفعال، والأمن الوهمي على الحكم العقلاني. بهذا المعنى، ليس «الإرهاب الترامبي» مجرد اسم لتيار سياسي، ولا یقتصر على شخص أو فترة بعينها، بل هو علامة على تحوّل في لغة السياسة؛ تحوّل يصبح فيه التهديد بديلاً عن الاستدلال، والهلع بديلاً عن الإقناع.

 

 

في هذا النظام الفكري، لم يعُد الإرهاب حدثًا استثنائيًا، بل قاعدة غير مكتوبة تحكم علاقات السلطة. الارهاب ليس قتل الأجساد فحسب، بل قتل المعنى، والقانون، والمسؤولية. «الإرهاب الترامبي» تبدأ من اللحظة التي يصبح فيها العنف، بدلًا من أن يكون آخر الحلول، الأداةَ الأولى؛ وتختار فيها السياسةُ لغة الأمر والتهديد بدلًا من الحوار. في هذه الحالة، لا يكون القانون معيارًا عامًا، بل أداة مرنة في يد السلطة؛ مُلزِمًا للآخرين، ومعلّقًا بالنسبة للسلطة نفسها. وهكذا تُفرَّغ الحقوق من حقيقتها، وتُختزل إلى لغة شكلية.

 

 

هذا المنطق، رغم أنه أصبح أكثر وضوحاً في العصر الحديث باسم ترامب، إلاّ أنّ جذوره يجب البحث عنها في القرن الأمني الجديد؛ حينما أُعيد تصوير العالم بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول ليس بوصفه مجموعة من الذوات القانونية، بل كحقل معركة دائم. تقسيم العالم إلى خير وشر، حضارة وهمجية، وصديق وعدو، كان الخطوة الأولى لتعليق العقل النقدي. ومنذ ذلك الحين، أصبح كل فعل يندرج ضمن هذا الإطار الثنائي مشروعًا مسبقاً، دون الحاجة إلى أيّ تقييم أخلاقي أو قانوني.

 

 

في هذا المسار، ابتعد العنف عن صورته العارية وأصبح تدريجيًا مُؤسسًا. ما كان يُسمّى يومًا «استثناءً» تحوّل إلى «إجراء» ثابت. الإرهاب الموجَّه، العقوبات الجماعية، والإقصاء الجسدي  دون محاكمة، جميعها قُدِّمت في هيئة عقلانية أمنية. وهكذا تَشكّلت سياسة يمكن تسميتها بـ«الإرهاب القانوني»: عنفٌ يُمارَس ليس في الخفاء، بل في وضح القانون المُفسَّر لصالح السلطة.

 

 

عهد ترامب كان ذروة وعرض هذا المنطق. ما كان يُخفى سابقًا أو يُغلَّف بلغة دبلوماسية، بات يُقدَّم الآن عاريًا بلا ستار. التهديد أصبح علنيًا؛ والإهانة مفخرة؛ والإرهاب إعلانًا رسميًا. هنا خرج «الإرهاب الترامبي» تمامًا من كونه ميلاً أو أسلوبًا، واتخذ شكلَ عقيدة: عقيدةِ ممارسة السياسة عبر الهلع.

 

 

من الخطأ الاعتقاد بأنّ هذا المنطق يزول بتغيّر الأشخاص. استمرار السياسات نفسها بلغة أكثر ليونة أظهر أنّ «الإرهاب الترامبي» ليس مرتبط بالإرادة الفردية بقدر ما هو متجذّر في بُنية السلطة. إنّ الارتباط بين اقتصاد الحرب، والتفسير الأداتي للقانون الدولي، والتمثيل العِرقي للعدو، يُشكّل أساس هذه البُنية. ومن هنا يمكن تلخيص «الإرهاب الترامبي» على النحو الآتي: نظام سياسي يُختزل فيه العقل إلى أمن، والأخلاق إلى مصلحة، والقانون إلى أداة. نظام يُفرغ اللغة من الحقيقة ليجعل العنف يبدو طبيعيًا.

 

 

نهاية «الإرهاب الترامبي» لا تتحقّق عبر تبدّل مواقع السلطة، بل عبر إعادة بناء العقلانية السياسية؛ عبر العودة إلى ذلك المبدأ البسيط لكنه المنسيّ، وهو أنّ السياسة دون مساءلة عقلانية وأخلاقية ليست سوى إدارة للخوف. فإذا كان التنوير دعوةً إلى «جرأة التفكير»، فإنّ نقد «الإرهاب الترامبي» هو دعوة إلى جرأة المقاومة في مواجهة الهلع؛ ذلك الهلع الذي يسمّي نفسه عقلًا، لكنه في الحقيقة نفي للعقل.

 

 

وجوه مختلفة للـ«الإرهاب الترامبي»:

 

 

1- إرهاب العقل

 

 

أوّل ضحايا «الإرهاب الترامبي» هو العقل؛ ليس العقل بوصفه حسابًا، بل العقل بوصفه مصدراً للحكم. القرار السياسي لم يعُد نتيجة تقييم عام، بل يُقدَّم بوصفه بداهةً أو ضرورةً أو حالةَ طوارئ. العقل يصبح لاحقًا: مهمته تبرير قرار اتخذ مسبقاً. في لغة كانط، هذه الحالة هي اغتراب العقل؛ إذ بدلًا من أن يستمدّ قانونه من ذاته، يخضع لإرادة خارجية تسمّي نفسها أمنًا أو واقعيةً أو مصلحة.

 

 

يُغتال العقل حين لا يعود مشرّعًا لذاته، وحين يسلّم حكمه لإرادةٍ خارجية تظهر غالبًا في صورة «الأنا». هنا، الأنانية ليست مجرد صفة نفسية، بل تصبح مبدأً ميتافيزيقيًا: «الأنا» تعتبر نفسها معيار الحقيقة، وتجبر العقل على الطاعة بدلاً عن الحكم. هكذا يسقط العقل من مقام القاضي المحايد إلى محامي دفاع مهمّته ليست التمييز بين الحق والباطل، بل تبرئة الإرادة الذاتية مسبقًا.

 

 

في هذه الحالة، لا يكون القصور ناتجًا عن عجزٍ في الفهم، بل نتيجة الامتناع الإرادي عن الحكام. الإنسان، بدلًا من امتلاك شجاعة استخدام عقله، يختار راحة الطاعة لـ«أنا القوي». وهذا هو القصور الذي يسمّيه كانط «القصور الإرادي»: حيث يمتلك العقل القدرة على الحكم، لكنه فقد جرأة ممارسته. الأنانية، بوعد الأمن أو العظمة أو الهوية، تدفع العقل إلى الانسحاب؛ وفي هذا الانسحاب يتحقّق إرهاب العقل بصمت.

 

 

في «الإرهاب الترامبي» ، تصبح هذه الأنانية المبدأ المنظّم للسياسة وتحل محل العقل الجمعي. يُعلَّق الحكم العقلاني، الذي هو شرط إمكان الكونية، مسبقًا؛ لأنّ كلّ حكم يُقاس ليس بقدرته على التعميم، بل بمدى توافقه مع «الأنا». سؤال كانط: «هل يمكن أن نرغب في أن يصبح هذا الحكم يصبح قانونًا كونيًا؟» يُستبدل بسؤال أدنى: «هل يعزّز هذا الحكم قوتي وصورتي؟وهكذا تُستبدل استقلالية العقل باستبداد الأنانية، وتسقط السياسة من مجال التنوير إلى ساحة الإرادة المنفلتة.

 

 

إرهاب العقل، بهذا المعنى، هو النقيض المباشر للخروج من القصور. فبدلًا من أن يتحرّر الإنسان من وصاية الآخر، يُسلِّم نفسه لوصاية «أنا» التي لا تخضع للمساءلة ولا يمكن الحكم عليها. العقل، الذي يجب أن يكون شرط إمكان الحرية، يُختزل إلى أداة لترسيخ الأنانية. وهكذا، فإن «الإرهاب الترامبي»  ليس مجرد عنف سياسي، بل انهيارًا أخلاقيًا للتنوير: اللحظة التي يتخلّى فيها الإنسان، عن وعي، عن حقّه في الحكم، ويجعل العقل قربانًا لعظمةٍ متخيَّلة لـ«الأنا».

 

 

2- إرهاب اللغة

 

 

اللغة هي شرط إمكان العقل. لكن في «الإرهاب الترامبي»، تتحوّل اللغة من أداة للفهم إلى أداة للتحريض. تُستعمل الكلمات ليس للتوضيح، بل لإثارة الهلع والغضب والولاء. يحلّ الأداء محلّ الصدق. ويُظهر التحليل النقدي للخطاب أنّ اللغة، في هذا الوضع، لا تمثّل الواقع بل تُنتجه. وهكذا يُغلق إمكان الحوار العقلاني مسبقًا. فقبل أن يصل العنف إلى الشارع، وقبل أن تُقلِع طائرةٌ مسيّرة أو تُفرض عقوبة، تكون كلمة قد تغيّرت، ومعنى قد أُفرغ، وعلاقة أساسية بين اللغة والحقيقة قد انهارت.

 

 

ما ظهر في عهد ترامب لم يكن مجرّد أزمة سياسية؛ بل كان علامة على خراب بيت اللغة، ذلك البيت الذي لم تعُد الحقيقة تسكنه. في التقليد الكلاسيكي، اللغة وسيط للمعنى؛ جسر بين الذوات، ومرآة لانكشاف الحقيقة. الكلمات يُفترض أن تُفهِم، لا أن تُخيف؛ أن توضح، لا أن تُقصي. لكن في الخطاب الترورامبي، تسقط اللغة من مقام الوساطة إلى أداة للهيمنة. لم تعد الكلمات تُستخدم لاكتشاف الحقيقة، بل لصنع «حقيقة بديلة»؛ حقيقة لا تولد من حكم عقلاني، بل من التكرار والشدة والتحفيز. في هذا النظام اللغوي، الحقيقة ليست ما يُكتشَف، بل ما يُفرَض.

 

 

مصطلح مثل «أخبار كاذبة» ليست مجرّد ملصق؛ بل فعل تدميري. ما يُستهدَف ليس تقريرًا بعينه، بل الثقة العامة في إمكانية وجود حقيقة مشتركة: الإعلام، الجامعة، المؤسسة القانونية. وهكذا تتحوّل اللغة من وسيط للمعنى إلى سلاح أيديولوجي. وكما حذّر بودريار، لم تعُد العلامات تُمثّل الواقع؛ بل حلّت محلّه. نحن أمام عالمٍ لا تصف فيه اللغة الواقع، بل تشغل مكانه.

 

 

في هذا الأفق، لا تصبح شبكات التواصل أدوات تواصل، بل ساحات للحكم اللغوي. المنشور أو التغريدة لم تعد تقريرًا عن حدث، بل فعلًا في جبهة اللغة. كل جملة هجوم على معنى، وكل كلمة حاملة لرسالة قتالية. لغة ترامب بسيطة، لكنها ليست الفهم، بل لتعطيل التفكير. الكلمات ليست حاملة لمفهوم، بل لعاطفة: خوف، غضب، ازدراء. هذه اللغة لا تبني جسرًا؛ بل تشيّد جدارًا. تضع «نحن» في مواجهة «هم»، ومع كل تكرار، يرتفع هذا الجدار أكثر.

 

 

من منظور نظرية الفعل الكلامي، لا تكتفي اللغة بوصف الواقع؛ بل تصنعه. في «الإرهاب الترامبي»، تبلغ هذه السمة الفاعلة للغة ذروتها. الكلمات تُصدر أحكامًا، وتخلق أعداء، وتُشرعن العنف مسبقًا. عندما يُسمّى الإعلام «عدوّ الشعب»، تتحوّل لغة النقد إلى تهديد وجودي. وهكذا تُضعَّف قدرة الحكم العام، ويُفقد العقل الجمعي اعتباره قبل أن يُقمع فعليًا.

 

 

في هذا الخطاب، تلعب التراكيب اللغوية التي تبدو متناقضة -مثل إعلان «الإبادة الكاملة» ثم مباشرة «الآن وقت السلام»- دورًا بنيويًا. فالعنف لا يُعرض العنف في مقابل السلام، بل يُقدم كشرط لإمكانه. اللغة، هنا لم تعد مرآة للحقيقة؛ بل أصبحت مطرقة للهيمنة. الكلمات لا تعبر عما هو كائن، بل تفرض ما يجب قبوله.

 

 

أحد الآليات المحورية في هذا الإرهاب اللغوي هو صناعة عدوّ مطلق. فـ«العدو» في هذا الخطاب ليس مخالفًا، بل كيانًا مُهدِّدًا يجب إزالته. الإعلام، المهاجر، الجامعة أو الدولة المنافسة، جميعها تُعاد صياغتها في صورة واحدة: عقبة، فاسدة، خطيرة. اللغة، عبر حذف السياقات التاريخية وتعقيدات السياسة، تختزل العالم إلى قطبين بسيطين. في مثل هذا المناخ، يصبح الحوار مستحيلًا؛ لأن اللغة تكون قد أقصت الآخر مسبقًا من دائرة الإنسان القابل للخطاب.

 

 

لغة الإهانة والوصم هي الركن الآخر لهذا النظام الخطابي. الإهانة هنا ليست مجرد إساءة شخصية؛ بل هي إرهاب للشخصية. الآخر لا يُنتقد ولا يُرفض؛ بل يُختزَل. وهذا الاختزال هو شرط إمكان العنف اللاحق، لأن من يُجرَّد من منزلته يصبح قابلًا للإزالة. وكما أظهر محلّلو الخطاب، فإن الإهانة اللغوية هي الأرضية المسبقة للهيمنة المؤسسية والعسكرية.

 

 

في النهاية، تعمل اللغة الترورامبيّة عبر التبسيط المفرط والثنائية المطلقة. تُختزل القضايا المعقّدة إلى خيارات غريزية: إمّا معنا أو ضدّنا. يُمحى الطيف الرمادي، وتتحوّل المؤسسات التحليلية -الجامعة، المحكمة، العلم- إلى عائق أو عدو. تخرج اللغة من مجال التفكير وتدخل مجال الأمر. ما يهم ليس الصدق، بل الملاءمة؛ وليس الحقيقة، بل الولاء.

 

 

إذا اعتبرنا اللغة، بتعبير هايدغر، بيت الوجود، فإنّ «الإرهاب الترامبي»، تبني لغةً يكون فيها العنف ليس ضيفًا، بل ساكنًا دائمًا. في هذا البيت، الحوار يُستبدل بالصراخ. العنف يحدث في اللغة قبل أن يظهر في الشارع. وعندما تنهار اللغة، ينهار المعنى معها؛ تُخرس الفلسفة، وتتكلم الدعاية بدلًا منها. ولهذا، «الإرهاب الترامبي» قبل أن يكون سياسة أمنية، هي مشروع لغوي. وإذا كان ثمة سبيل لمقاومته، فإنه يبدأ بإعادة بناء ما تهدم أولًا: اللغة العامة؛ لغة الحوار، لغة الحكم، لغة العقل.

 

 

3- إرهابُ القانون هو جعل الاستثناء قاعدة منظمة

 

 

في «الإرهاب الترامبي»، لا يُنتهك القانون؛ بل يُفرَّغ من مضمونه. شكل القانون يبقى محفوظاً؛ لكن روحه -أي عموميته وقابليته للتوقّع- تُعلَّق. الاستثناء يصبح قاعدة. الأمثلة المعاصرة، من الانسحاب الأحادي من الاتفاقيات الدولية إلى الإرهاب الموجَّه والعقوبات الخارجة عن القانون، تظهر أن القانون لم يعد حدًّا للسلطة، بل أصبح أداةً لها.

 

 

في عالم وعد فيه ميثاق الأمم المتحدة بالسلام، وكان يُفترض بالمؤسسات الدولية أن تكون منارات العقلانية في ظلمة السياسة، وجّه «الإرهاب الترامبي» ضربةً قاصمة ليس فقط للقواعد، بل لفكرة القانون نفسها. هنا لم يسقط القانون هنا عبر إنكار صريح، بل استُخدم بشكلٍ متناقض ضد نفسه. بقيت المؤسسات؛ لكن من الداخل أُفرغت؛ بقي القانون قائمًا؛ لكنه لم يعد مُلزِمًا؛ استمرت الرقابة؛ لكنها لم تعد تمنح حصانة.

 

 

عندما استُهدفت المنشآت النووية السلمية في إيران -الخاضعة بالكامل لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية- تكشّفت حقيقة مرعبة: لم يعُدّ التصديق الفني كافيًا لحماية الشرعية، ولم تعُدّ الجهة الرقابية ملاذًا للقانون. تحوّل القانون من عتبة آمنة إلى وثيقة قابلة للتفسير في يد قوّة مسلّحة؛ تُرفَع حيث تشاء، وتُداس حيث تشاء.

 

 

وهكذا، تقدّم «الإرهاب الترامبي» ليس بإلغاء المؤسسة، بل عبر تشويهها: مجلس الأمن، الوكالة، المعاهدات والميثاق، جميعها تحوّلت إلى مسرحيات لعرض الإرادة، لا إلى حُكّامٍ مستقلين لكبحها.

 

 

بلغ هذا المنطق ذروته في الانسحاب الأحادي من الاتفاقيات المتعددة الأطراف، وتجاهل القرارات الملزِمة، وعمليات الارهاب العابرة للحدود دون تفويض من مجلس الأمن؛ حيث اختزل الدفاع المشروع إلى ادّعاء واهٍ، وتراجع نص المادة2 من الميثاق إلى هامش تزييني في السياسة العالمية. لم تكن نتيجة هذا المسار مجرد خرق قانوني، بل انهيار للثقة: الثقة في المعاهدة، في المؤسسة، وفي مبدأ المساواة أمام القانون. عندما تصبح العضوية في المعاهدات ليست ضمانًا للأمن، بل نقطة ضعف، يموت روح القانون الدولي حتى لو بقي نصّه قائمًا.

 

 

وبتعبير هابرماس، حلّت القوة الاستعراضية محل القوة التواصلية؛ تحوّل الإقناع إلى طاعة، وصارت الشرعية تُستمدّ من شدّة الإرادة وليس من الحوار العقلاني. إن إغتيال القانون بهذا المعنى، ليس لحظة عابرة، بل مسار منهجي يحول القانون من معيار للعدالة إلى أداة لاحتكار السلطة. وفي عالم لم يعُد فيه القانون حكمًا بل تابعًا، يصبح الحاكم ليس النظام، بل تقنينُ العنف.

 

 

4- إرهاب الذاكرة.. هندسة النسيان

 

 

إنّ الذاكرة التاريخية شرطٌ لقيام المسؤولية. غير أنّ «الإرهاب الترامبي» يجعل الذاكرة انتقائية عبر معايير مزدوجة؛ فبعض الفظائع تُختزل إلى «ضرورة تاريخية»، فيما تُمحى فظائع أخرى من سجل التاريخ. يصبح الماضي، في هذا المنطق، ليس ساحةً للحكم الأخلاقي، بل مخزنًا للتبرير. النسيان هنا ليس عارضًا، بل مشروعًا فعّالًا.

 

 

إنّ إرهاب الذاكرة، بتعبير بول ريكور، ليس نسيانًا طبيعيًا، بل نسيانًا مُنظَّمًا: هيمنة الرواية المهيمنة، التلاعب بالماضي، وفرض الصمت. ويكتمل هذا الإرهاب بإرهاب الحدود؛ حيث تُعاد صياغة الجغرافيا بحيث لا تجد الذاكرة طريقًا للعودة. في هذا السياق، تُسمّي اللغة الترامبية التهجيرَ «نقلًا إنسانيًا»، والاحتلالَ «عودة تاريخية»، وتُعيد كتابة الأسماء بما يخدم السلطة من غزة إلى تحريف اسم «الخليج الفارسي»؛ لكن الذاكرة لا تعيش في الأرشيف وحده، بل تحيا في اللغة، والشعر، والصورة، والاحتجاج. وهنا يكمن خوف السلطات: ذاكرة لا تُمحى، حتى لو قُتل أصحابها. إنّ إرهاب الذاكرة يسعى إلى تحويل التاريخ إلى صمت؛ لكن كل حجر يُرمى، وكل مفتاح ينتقل من جيلٍ إلى جيل، وكل اسم يُستعاد، يشهد بأن الذاكرة عدوّ النسيان؛ وعدوّ لا يموت، حتى لو تعرّض للإرهاب.

 

 

5- اغتيال الأخلاق، انهيارُ مبدأ العالمية

 

 

الأخلاق الكانطية تقوم على مبدأ العالمية؛ لكن في «الإرهاب الترامبي» تتحوّل الأخلاق إلى امتياز. ما هو مباحٌ لـ«نحن» يُعتبر جريمة بالنسبة لـ«الآخرين». هكذا، تُختزل الأخلاق من قاعدة إلى استثناء، ويغدو الضمير تابعًا للتحالف السياسي. إرهاب الأخلاق، في جوهره، ليس سوى ترسيخ المعيار المزدوج؛ وضعٌ يُسمّى فيه فعلُ طرف ما «دفاعًا مشروعًا»، بينما يُوصَف الفعل نفسه، إذا صدر عن آخر، بـ«الإرهاب».

 

 

في هذا المنطق، لا تكون الأخلاق أمرًا يصدر عن العقل العملي، بل أداةً للسلطة؛ قناعًا مُزيَّنًا لإرادة عارية. ما كان يُسمّيه كانط «القانون الذي يضعه العقل لنفسه» يفسح هنا المجال لأمرٍ يصدر من أعلى، ويستثني نفسه من كل قاعدة.

 

 

ومن هذا المنطلق، لا یكون «الإرهاب الترامبي» مجرّد تدميرٍ للمؤسسات، بل قبل كل شيء، تدميرًا للضمير: تهيئةً لفضاءٍ تُقدَّم فيه الجريمة بوصفها عادلة، ويُصوَّر فيه الاعتراض الأخلاقي بوصفه خيانة.

 

 

في عالم «الإرهاب الترامبي» العدالة تشبه قاضياً كتب الحكم قبل أن يستمع للقضية. الدولة التي أسقطت للمرة الأولى نارًا ذرّية على مدن بلا دفاع ما تزال تعتبر نفسها مرجعًا للحكم الأخلاقي؛ والمجزرة التي حوّلت مئات الآلاف من البشر في هيروشيما وناغازاكي إلى رماد، لم تُسمَّ جريمة، بل «ضرورة تاريخية». في فيتنام، أصبح النابالم لغة العقل؛ وفي العراق، أصبح اليورانيوم المنضَّب «ثمن الحرّية»؛ وفي غوانتانامو، اتخذ التعذيب شكلًا قانونيًا. هذه هي الأخلاق حين لا تعود مبدأً، بل حسابًا للربح والخسارة.

 

 

في هذا النظام المقلوب، حتى المعنى يصبح تابعًا للمصلحة. الإرهابي الذي كان بالأمس في القائمة السوداء يُسمّى اليوم، بعد تغيير الاسم والزي، «قائدًا معتدلًا»؛ ومن ينطق بالحقيقة يُعاقَب، لا لشيء إلّا لوفائه لضميره. يُعاقَب مقرّر الأمم المتحدة ليس بسبب خطأ، بل بسبب صدق كلمته. هذه هي مأساة الأخلاق: حين تتحرّر الكلمات من حكم العقل وتخضع للسلطة، يصبح عدوّ الأمس حليف اليوم، دون أن يشعر أحد بالخجل من التناقض.

 

 

ذروة هذا الإرهاب، لا تُرتكَب الجريمة خفية، بل تُشرعن. رجلٌ مطارد بتهمة ارتكاب جرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية يُقدَّم في أحضان الحلفاء بوصفه كصاحب «حق الدفاع»؛ وفي عرض أبلغ من أي هجاء، يقترح المتهم نفسه جائزة سلام لمن يرى القانون امتدادًا لإرادته الشخصية. هذا المشهد يُذكّرنا بـ«الملك العاري»؛ مع فارقٍ واحد: هذه المرّة اعتاد المتفرّجون الصمت. العريّ ليس في الجسد، بل في الحقيقة والأخلاق والحياء.

 

 

«الإرهاب الترامبي» یُفرغ المؤسسات الأخلاقية من الداخل. المحكمة الجنائية، الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف محترمة ما دامت لا تعيق السلطة. معاقبة القضاة، طرد المقرّرين، واللامبالاة تجاه موت آلاف الأطفال، تدفع العالم نحو أخلاق ليست عالمية، بل قومية ونفعية. يتحوّل العنف من أمرٍ مروّع إلى عرف، وتحتلّ الأرقام مكان الفاجعة.

 

 

وفي هذا السياق، يصبح الفضاء الافتراضي الميدان الجديد؛ حيث ينتشر الكراهية بسرعة الضوء، ويُختزل الموت إلى سخرية سياسية. تُبرِز الخوارزميات ما هو أشدّ إثارة للغضب، وتدفع ما هو أكثر إنسانية إلى الهامش. حتى بعض المفكرين، خلافًا لأسسهم النظرية، يلجأون إلى التبرير أمام هذه الجرائم؛ كأنّ العقل قد انحنى قبل الضحايا أنفسهم.

 

 

وهكذا يجب القول: إنّ إرهاب الأخلاق هو مقدّمة ارهاب الإنسان. فطالما أنّ الضمير حيّ، ترتجف يد العنف؛ أمّا حين تُفرَّغ الأخلاق من قيمتها، فلا تعود أي جريمة مستغربة. في مثل هذا العالم، ينهار النظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية -القائم على القانون والمؤسسة والعقل- وتظهر الفاشية الجديدة، ليس عبر الأحذية العسكرية والزيّ الموحّد، بل عبر لغة الأمن، ومفردات الديمقراطية، وقناع الأخلاق.

 

 

6- إرهاب الراوي.. إبادةُ الشاهد

 

 

لا وجود لحقيقة بلا راوٍ. إرهاب الراوي، بمعنى حذف الشاهد أو إفقاده لمصداقيته، يزيل شرط إمكان الحقيقة. الصحفي أو القاضي أو المراقب المستقل، إمّا يُزال أو يُختزل إلى «كاذب». إرهاب الراوي ليس مجرد إسكات صوت واحد، بل هو اعتداء على شرط إمكان اختبار الحقيقة. فالذي يروي هو الوسيط الضروري بين الواقع والفهم العام؛ ولهذا يصبح الراوي، في منطق سلطة ترى الحقيقة عائقًا، خطرًا بنيويًا.

 

 

تدمير وسائل الإعلام، قتل الصحفي، وإسكات الترددات، جميعها تهدف إلى غاية واحدة: قطع الصلة بين الواقع والإدراك. في هذا الأفق، تصبح الحقيقة مستحيلة لا بسبب بطلانها، بل بسبب غياب الشاهد؛ لأن ما لا يُرى، لن يوجد في مجال المعرفة.

 

 

«الإرهاب الترامبي»، بهذا المعنى، يقود إلى إرهاب الوعي؛ الوعي الذي لا يصل إلى ساحة العقل العام إلّا عبر الشهادة العينية. الإزالة الجسدية للرواة، من الصحفي إلى الشاهد الميداني، هي الشكل الأول لهذا الإرهاب؛ لكن شكله الأكمل هو هندسة جهل معرفي. في هذه العملية، لا يُنكَر الواقع، بل يُعاد تشكيله: تُزاح المفاهيم، تُقلَب المعاني، ويُختزل ما حدث إلى ما «يجب تصديقه».

 

 

مثل هذا النظام يفرغ العقل من القدرة على الحكم، ويحوّله إلى مستهلكٍ لروايات مُعدّة سلفًا. وعندما يقترن اغتيال الراوي بالرقابة الرقمية، إزالة وسائل الإعلام، وتشريع الصمت، لا تتفكك التجربة الفردية فحسب، بل تنهار الذاكرة الجماعية أيضًا. في غياب الرواية المستقلة، يصبح التاريخ أداةً في يد السلطة، ويغدو العقل تابعًا للخوارزمية والأمر بدل أن يكون مشرّعًا.

 

 

هذا هو الوضع الذي لا تُباد فيه الحقيقة تمامًا، ولا ينتصر فيه الكذب كليًا؛ بل يبقى الإنسان معلّقًا: عاجزًا عن المعرفة، عاجزًا عن الحكم، وعاجزًا عن الخروج من قصور لم يعُد هذه المرّة إراديًا، بل مفروضًا عليه.

 

 

7- إرهاب الرواية.. تشبّعُ المعنى

 

 

المرحلة النهائية هي إرهاب الرواية: الإنتاج الكثيف لروايات مصطنعة، والتزييف العاطفي العميق، وتحويل العنف إلى لعبة، وسرقة المعاناة. لم تعُد الرواية نابعة من التجربة، بل أصبحت سلعة سياسية. في هذا التشبّع، يفقد العقل قدرته على الحكم. إرهاب الرواية ليس تزوير قصة بعينها، بل التلاعب بشرط إمكان المعنى في أفق العقل الجمعي.

 

 

الرواية، بوصفها وسيطًا بين الحدث والحكم، تتيح أن تتحوّل المعاناة إلى فهم، والفهم إلى حكم أخلاقي؛ لكن في النظام الترورامبي، تُصادَر هذه الوساطة. يصبح الاعتراض من موقع الحكم العقلاني إلى تهديدٍ أمني؛ وتُختزل التعاطف إلى تطرّف؛ وتتحوّل الحقيقة إلى «ادّعاء». وهكذا لا تعود الرواية حاملةً للواقع، بل أداةً لتنظيم الإدراك، ويواجه العقل العمومي لا الوقائع، بل تمثيلاتٍ مُعَدّة سلفًا ومُحمّلة بالمعنى قبل أن تُرى.

 

 

في العصر الرقمي، تجاوز إرهاب الرواية مستوى اللغة وارتقى إلى هندسة الإدراك. يظهر هذا الإرهاب في صور متعددة: تارةً عبر إنتاج روايات مزيفة وشهودٍ اصطناعيين يشهدون من دون أن يكون لهم وجود؛ وتارةً عبر سرقة رواية الضحايا وإعادة تعريف معاناتهم بوصفها تبريرًا للعنف؛ وتارةً عبر تراكمٍ هائل للعلامات والصور والقصص الصغيرة التي تُقصي الحقيقة من مجال الحكم، لا بالكذبة الكبرى، بل بالتآكل التدريجي. في هذا الوضع، تحلّ الصورة محلّ التجربة، والعاطفة محلّ الحكم، والتكرار محلّ الصدق؛ ويغدو التمييز بين الواقع والمحاكاة مستحيلًا على عقلٍ أنهكه فائض المعلومات.

 

 

الغاية النهائية لإرهاب الرواية هي تعطيل قوة الحكم؛ تلك اللحظة التي لا يعود فيها الإنسان يسأل: «ماذا حدث؟»، بل يكتفي بقبول: «ما يجب أن يُصدَّق؟». تحويل العنف إلى لعبة، وجعل التاريخ ترفيهاً، وتمثيل المعاناة بوصفها مهمة أو امتياز، لا تنكر الأخلاق بل تعلّقها. يُختزل الضحية من إنسان إلى شخصية؛ وتتحوّل الجريمة من فاجعة إلى إجراء؛ والذاكرة من ساحة حكم إلى مستودع للأساطير الرسمية. في مثل هذا الوضع، لا تعود الرواية ساحة صراع الحقيقة، بل أداةً لترسيخ الهيمنة؛ وهذا هو الموضع الذي يقود فيه إرهاب الرواية إلى إرهاب الوعي، ويُختزل فيه العقل من مشرّع إلى متفرّج على نظام سلبه مسبقًا إمكانية الحكم.

المصدر: الوفاق/خاص

الاخبار ذات الصلة