هلالٌ هلّ من غيب الستائر
رنّت من نور طلته البشائر
أتى شهر التهجّد ليت شعري
وفي الأسحار قلب الحُرِّ سائر
هكذا يطل شهر رمضان المبارك على الوجدان، معلناً موسماً تتجدد فيه الروح، وتصفو فيه اللغة، وتستعيد الثقافة دورها في ملامسة المعنى العميق للإنسان، حيث يتحول الزمن إلى لحظة تأمل، وتغدو الكلمة أكثر قرباً من النور.
مع حلول شهر رمضان، تتبدل ملامح الزمن في الوعي الجمعي، ويغدو الليل أكثر صفاء، والكلمة أكثر قرباً من الروح. إنه الشهر الذي لا يمر في الثقافة مرور الأيام، بل يحضر بوصفه حالة وجودية كاملة، تتجلى في السلوك، واللغة، والإبداع.
في هذا السياق، يحتل رمضان مكانة خاصة في الأدب الفارسي، حيث لم يكن مجرد مناسبة دينية، بل منبع إلهام شعري، وفضاء تأملي، ومختبراً أخلاقياً أعاد تعريف العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين خالقه.
رمضان في الأدب الفارسي
الأدب الفارسي، شعراً ونثراً، زاخر بتعابير وإشارات وصور بلاغية استلهمت روح هذا الشهر، فجاءت القصائد محملة بالرموز العرفانية، والدعوات الأخلاقية، والتجارب الروحية التي تجاوزت ظاهر الصوم إلى باطنه ومعناه العميق.
يرى الحكيم أبو القاسم فردوسي أن رمضان فرصة لمراجعة الذات ومعرفة النفس، حيث يتحول الصوم والقيام إلى معيار لصدق المحبة الإلهية، لا مجرد طقس تعبدي، قائلاً: «من سكن حب الله في قلبه.. فالقيام ليله، والصيام نهجه».
ومن هذا المنطلق، تتقاطع رؤيته مع رؤية كبار الشعراء، وفي مقدمتهم حافظ الشيرازي، الذي أكد على أن الصوم المقبول هو صوم العشق، لا صوم العادة، مؤكداً أن الطاعة إذا خلت من الحب فقدت روحها، وإن تشابهت في ظاهرها مع العبادة الخالصة، قائلاً: «ثواب الصيام والحج لا يناله.. إلا من زار تراب العشق خاشعاً».
رمضان والجانب الإجتماعي في الشعر
وفي بعده الإجتماعي، يبرز الصوم في شعر «أوحدي مراغه اي» بوصفه مسؤولية أخلاقية، حيث لا يكتمل الإمساك إلا بكبح الإسراف، ومد يد العون إلى الجائع، في رؤية تضع الصيام في قلب العدالة الاجتماعية، لا على هامشها.
أما الشاعر «شاه نعمت الله ولي»، فيتعامل مع رمضان كفرصة عابرة وسريعة الزوال، داعياً إلى اغتنام لحظاته، ولا سيما ليلة القدر، بوصفها ذروة التجلي الروحي، ومفصلا ًزمنياً تتكثف فيه المعاني الكبرى.
ويمنح سعدي الشيرازي لهذا الشهر بعداً وجدانياً خاصاً، إذ يصوره زمناً للتحرر من أحزان الدنيا، وسكراً روحيا ًناتجاً عن القرب الإلهي، في حين يذهب «شاطر عباس صبوحي» إلى توظيف لغة العشق، جاعلاً الإفطار رمزاً للوصل، ومشهداً جمالياً يتجاوز المائدة إلى المعنى.
وفي منحى نقدي عقلاني، يلفت «ناصر خسرو» إلى أن الجوع والعطش بلا وعي بحقيقة الصوم لا يثمران شيئاً، فالصيام عنده ممارسة واعية، لا حرماناً جسدياً فقط، وهو طرح يكشف عن عمق الفهم الفلسفي للعبادة في الأدب الفارسي الكلاسيكي.
رمضان في شعر الشعراء المعاصرين
ولا يحضر مفهوم الإفطار في الشعر الفارسي بوصفه نهاية للصوم فحسب، بل باعتباره لحظة جامعة للسكينة والرحمة. وقد تجلى هذا المعنى بوضوح في الشعر المعاصر، ولا سيما في قصائد شهریار، وأفشين علاء، وحميد هنرجو، حيث ارتبط الإفطار بسيرة الإمام علي(ع)، وببساطة العيش، ونقاء الروح، لتتحول المائدة إلى درس أخلاقي قبل أن تكون مشهداً يومياً.
تكرار لفظ «الصوم» في الشعر
ويمنح «جلال الدين الرومي» لهذا الشهر مكانة خاصة، حين يكرر لفظ الصوم في قصائده ليكرّس حضوره في وعي المتلقي، ويقدمه بوصفه مصدرا للبركات الخفية والتحولات الداخلية. فيما يؤكد سعدي، في بعده الأخلاقي، أن العبادة إذا شابها الرياء فقدت قيمتها، وأن الصوم الحقيقي هو ما اقترن بالإخلاص والحضور القلبي.
وفي النثر الصوفي، يقدم خواجه عبد الله الأنصاري رؤية عالية للصوم، حين يميزه بين صوم الجسد وصوم القلب، جاعلاً الأول زمناً محدوداً، والثاني مساراً ممتداً طوال العمر، وهي خلاصة تختصر الفلسفة الروحية لرمضان في الثقافة الإيرانية.
في المحصلة، رمضان شهر يعيد للكلمة صفاءها، وللشعر وظيفته الروحية، وللثقافة دورها في تهذيب الوجدان وصيانة القيم.