وأُقيمت مراسم اختتام المهرجان الوطني الأول للعلامة الطباطبائي «فعالية طِبا.. التصميم من أجل المستقبل»، الثلاثاء، بحضور حسين أفشين مساعد رئيس الجمهورية للشؤون العلمية، وآيةالله علي أكبر رشاد رئيس معهد الثقافة والفكر الإسلامي، ومحمد رضا مخبر دزفولي رئيس أكاديمية العلوم، إلى جانب جمع من العلماء وطلبة الحوزة العلمية.
وفي كلمته خلال حفل الاختتام، شدّد أفشين على التحولات العميقة في براديغمات القوة العالمية، مؤكداً أن التكنولوجيا لم تعد شأناً هامشياً في مسار التنمية، بل أصبحت «متن القوة ومتن الحضارة». وأوضح: أن أي مؤسسة تطمح إلى التأثير في مستقبل العالم لابدّ أن تحدد موقفها بوضوح من التكنولوجيا ودورها.
وأشار مساعد رئيس الجمهورية للشؤون العلمية، في حديثه عن تغيّر براديغمات القوة، إلى أن مفهوم القوة مرّ بتحولات تاريخية؛ ففي مرحلةٍ ما كانت القوة تعني امتلاك الأرض، ثم أصبحت تعني النفط والمصانع، أمّا اليوم فإن القوة تعني القدرة على تحويل المعرفة إلى منتج، أي التكنولوجيا. وأضاف: إن الدول التي تفتقر إلى هذه القدرة، حتى وإن كانت غنية بالموارد الطبيعية، ستبقى في نهاية المطاف دولاً مستهلكة، وقد أثبت التاريخ أن المستهلك كان دائماً الطرف الأكثر هشاشةً وعرضةً للضرر.
ووصف أفشين مهرجان «طِبا» بأنه مهرجان ذو قيمة عالية، مؤكداً أن الحوزة العلمية تتجه اليوم نحو «صناعة المستقبل»، وأن طالب العلم المعاصر قادر على أن يكون منتجاً لأفكار تكنولوجية.
وأوضح أن ذلك يعود إلى طبيعة التكنولوجيا نفسها؛ فالتكنولوجيا، على خلاف التصور الشائع، ليست مجرد نتاج للمختبرات أو للهندسة، بل هي في جوهرها نتاج لحلّ المشكلات. وإذا كان هناك كيان في تاريخ إيران عاش قروناً طويلة على أساس حلّ المشكلات، فهو الحوزة العلمية. وأضاف: فالفقه يعني الاستجابة للقضايا المستحدثة، وأصول الفقه تعني المنهج، وعلم الكلام يوفّر الإطار الدلالي، والأخلاق تمثل هندسة السلوك والإرادة.
وأكد أفشين أنه إذا جرت ترجمة هذه المعارف ترجمة صحيحة، فإنها قادرة على التحول إلى منتج؛ منتج يحتاجه المجتمع ويستجيب لتحدياته. وأشار إلى الأهمية الحضارية للتقنيات الحديثة، قائلاً: إننا اليوم نواجه قضية لا تقتصر على بُعدها العلمي أو الاقتصادي فحسب، بل هي قضية حضارية. فالتقنيات الجديدة، مثل الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والمنصات الرقمية، والتكنولوجيا الحيوية، والأمن السيبراني، باتت تعيد تعريف «الإنسان»؛ من الخصوصية، إلى الحقيقة، إلى التربية، والأسرة، والعدالة. وأضاف: إن هذه القضايا لم تعد موضوعات أكاديمية بحتة، بل أصبحت قضايا اجتماعية بامتياز، وهنا تحديداً تكمن المساحة التي يمكن للحوزة العلمية أن تؤدي فيها دوراً فريداً لا بديل عنه.
وأكد أفشين: إذا لم تُقرَن التكنولوجيا في هذا البلد بالأخلاق والمعنى، فإنها ستتحول هي نفسها إلى مشكلة. وأوضح أن الهدف لا يقتصر على تسريع وتيرة التكنولوجيا، بل يتمثل في جعلها أكثر صواباً، مضيفاً: نحن لا نريد أن نصبح أكثر ذكاءً فقط، بل نريد أن نصبح أكثر عدالة.
وفي هذا الإطار، طرح أفشين أربعة شروط أساسية لضمان نجاح الأفكار التكنولوجية التي يقدّمها طلبة الحوزة في هذا المهرجان:
القابلية للتنفيذ العملي: انتقال الفكرة من مستوى العموميات إلى صيغة مقترحات تنفيذية واضحة، تتمثل في أداة، أو نظام، أو منصة محددة.
قابلية الاختبار: أن تكون الفكرة دقيقة وقابلة للاختبار، وقادرة على تحقيق نتائج ملموسة على نطاق تجريبي محدود.
بناء الفرق: إذ إن الفكرة من دون فريق تبقى بلا تنفيذ، ومن هنا تأتي أهمية تحويل المهرجان إلى شبكة لتشكيل الفرق بين طلبة الحوزة والجامعات والشركات.
وضوح مسار الدعم: حيث تعهّدت معاونـية رئاسة الجمهورية للشؤون العلمية بتحديد مسار دعم حقيقي يبدأ من مرحلة النموذج الأولي وصولاً إلى دخول السوق، مع التأكيد على دعم الأفكار القابلة للتنفيذ لا الأفكار النظرية المجردة.
وأشار أفشين إلى عبارة استراتيجية، قائلاً: إننا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى تكنولوجيات تجعل المجتمع أكثر هدوءاً، وأكثر عدالة، وأكثر إنسانية. وأضاف: إذا استطاعت فكرة تكنولوجية أن تُسهم في تعزيز تماسك الأسرة، أو في دقة التربية، أو في إعادة بناء الثقة الاجتماعية، فإن هذه الفكرة تكون في صميم مهمة التنمية الوطنية.
وفي ختام كلمته، شدّد أفشين على المكانة التاريخية للحوزة العلمية بوصفها ركيزة لإنتاج المعنى، قائلاً: إن حضارة المستقبل لا تحتاج إلى المعنى فحسب، بل تحتاج إلى «معنى قابل للتنفيذ»؛ أي معنى يمكن ترجمته إلى نظام اجتماعي، وإلى خدمة، وإلى أداة، وإلى منتج.
وأكد أن مهرجان «طِبا»، إذا ما جرى فهمه على نحو صحيح، فإن دلالته الأساسية تتمثل في معنى واحد: ترجمة المعنى إلى حلّ عملي.