والمقاومة تتصدى بصلابة

«مجلس السلام».. مشروع أمريكي لإعادة هندسة غزة

بينما تحاول الولايات المتحدة فرض رؤيتها تحت عنوان «السلام»، تردّ المقاومة برؤية مختلفة تماماً: لا سلام بلا وقف العدوان، ولا إعمار بلا رفع الحصار

لم يكن انعقاد ما سُمّي «مجلس السلام» في واشنطن حدثاً عابراً في سياق سياسي مضطرب، بل محطة جديدة في مسار طويل من محاولات الولايات المتحدة إعادة صياغة المشهد الفلسطيني بما يتوافق مع مصالحها ومصالح كيان الاحتلال. فغزة الخارجة من حرب مدمّرة، والتي ما زالت تعيش تحت وطأة الحصار والدمار والتهجير، تتحوّل اليوم إلى ساحة صراع سياسي لا يقلّ خطورة عن الصراع العسكري. وبينما تحاول واشنطن تقديم نفسها كوسيط يسعى إلى «الاستقرار»، ترى فصائل المقاومة الفلسطينية أن ما يجري ليس سوى محاولة لفرض ترتيبات جديدة تُنهي دور المقاومة وتُعيد إنتاج السيطرة الصهيونية بأدواتٍ مختلفة.

 

في هذا السياق، جاء بيان حركة«حماس» تعليقاً على الاجتماع الأميركي ليضع خطوطاً حمراء واضحة: لا مسار سياسي قبل وقف العدوان، ولا ترتيبات قبل رفع الحصار، ولا مستقبل لغزة خارج إطار الحقوق الوطنية الكاملة للشعب الفلسطيني. هذا الموقف لم يكن معزولاً، بل انسجم مع رؤية أوسع لفصائل المقاومة التي ترى في «مجلس السلام» مشروعاً سياسياً خطيراً يهدف إلى الالتفاف على نتائج صمود غزة وتحويل الإعمار إلى أداة ابتزاز سياسي.

 

واشنطن تعيد إنتاج خطاب «السلام».. ولكن بشروط الاحتلال

 

من يستمع إلى خطاب دونالد ترامب في الجلسة الأولى للمجلس يلاحظ بوضوح أن واشنطن لا تتعامل مع غزة كقضية سياسية ذات جذور تاريخية، بل كملف أمني يجب ضبطه. إعلان ترامب أن «الحرب في غزة انتهت» بدا أقرب إلى محاولة فرض واقع سياسي بالقوة، لا توصيفاً لواقع فعلي، خصوصاً في ظل استمرار الخروق الصهيونية لاتفاق وقف إطلاق النار، واستمرار الحصار، وتعطيل دخول المساعدات.

 

الحديث الأميركي عن «سلام» مشروط بتسليم المقاومة سلاحها، أو بترتيبات أمنية جديدة تُشرف عليها قوى خارجية، يكشف أن واشنطن لا تسعى إلى معالجة جذور الصراع، بل إلى تثبيت نتائج الحرب وإعادة تشكيل غزة بما يخدم الأمن الصهيوني. فالمطلوب من الفلسطينيين، وفق الرؤية الأميركية، هو القبول بمرحلة «ما بعد الحرب» من دون أن تتوقف الحرب فعلياً، والقبول بإعادة الإعمار من دون سيادة، والقبول بترتيبات سياسية من دون حقوق.

 

بهذا المعنى، يتحوّل «مجلس السلام» إلى منصة لإعادة إنتاج مشروع قديم: إدارة الصراع بدل حلّه، وتجميل الاحتلال بدل إنهائه، وفرض «استقرار» هشّ يقوم على نزع القوة من يد الفلسطينيين، لا على ضمان حقوقهم.

 

 

موقف «حماس».. لا سياسة تحت النار ولا إعمار تحت الحصار

 

بيان «حماس» جاء حاسماً في رفضه لأي مسار سياسي لا يبدأ بوقف العدوان بشكلٍ كامل. فالحركة تدرك أن واشنطن تحاول استثمار اللحظة الراهنة لفرض شروط سياسية جديدة، ولذلك تضع شرطاً أساسياً: لا نقاش قبل وقف الحرب. هذا الموقف لا يعكس فقط رؤية سياسية، بل يعكس أيضاً تجربة تاريخية طويلة مع المبادرات الأميركية التي كانت دائماً تُستخدم لتثبيت الهيمنة الصهيونية.

 

«حماس» شدّدت على أن رفع الحصار شرط لا يمكن تجاوزه، لأن الحصار ليس مجرد إجراء إداري، بل هو أداة حرب مستمرة. كما ربطت بين المسار السياسي والمسار الإنساني، معتبرةً أن الحديث عن «سلام» بينما يُمنع الغذاء والدواء عن غزة هو شكل من أشكال الخداع السياسي.

 

أمّا في ما يتعلق بإعادة الإعمار، فقد أكدت الحركة أن تعطيل الإعمار هو جزء من الضغط السياسي على الفلسطينيين، وأن المطلوب هو إعادة إعمار فورية غير مشروطة، لا مشاريع مرتبطة بترتيبات أمنية أو سياسية تُفرض من الخارج. فالإعمار بالنسبة للمقاومة ليس ملفاً تقنياً، بل معركة سيادية بامتياز.

 

 

فصائل المقاومة.. رؤية موحّدة في مواجهة المشروع الأميركي

 

تتفق فصائل المقاومة الفلسطينية على رفض المشروع الأميركي المرتبط بـ«مجلس السلام»، معتبرةً أنه محاولة لتجاوز صمود الفلسطينيين وفرض ترتيبات تخدم الاحتلال. «الجهاد الإسلامي» ترى أن أي مسار يتخطّى المقاومة أو ينتقص من شرعيتها محكوم بالفشل، فيما تؤكد «الجبهة الشعبية» أن جوهر الأزمة هو الاحتلال نفسه، وأن أي مبادرة لا تنصّ صراحة على إنهائه تبقى ناقصة. أمّا بقية الفصائل، ورغم اختلاف توجهاتها، فتجتمع على رفض الترتيبات الأمنية المفروضة من الخارج، ورفض تدويل إدارة القطاع أو ربط الإعمار بشروط سياسية، في موقف موحّد يحمي القرار الوطني.

 

 

المقاومة في مواجهة محاولات نزع الشرعية  

 

ما تريده المقاومة اليوم ليس مجرد الحفاظ على وجودها العسكري، بل حماية المشروع الوطني الفلسطيني من محاولات تفريغه من مضمونه. فالمقاومة تدرك أن واشنطن تريد تحويل غزة إلى نموذج «مستقر» وفق المعايير الأميركية، أي قطاع منزوع السلاح، محاصر سياسياً، ومربوط اقتصادياً بجهات خارجية، وتحت إدارة أمنية لا تعكس إرادة سكانه.

 

لذلك، فإن أول مصلحة تسعى المقاومة لحمايتها هي تثبيت شرعية المقاومة نفسها، باعتبارها حقاً مشروعاً للشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال. كما تسعى إلى منع فرض ترتيبات أمنية تخدم الاحتلال، مثل نشر قوات دولية أو إعادة السلطة الفلسطينية إلى القطاع بشروط أميركية.

 

أمّا في ملف الإعمار، فالمقاومة ترى أن ربط الإعمار بنزع السلاح أو تغيير البُنية السياسية في غزة هو ابتزاز سياسي، وأن المطلوب هو فصل الإعمار عن المسار السياسي، وضمان تمويل دولي لا يخضع للفيتو الأميركي، وإشراك المؤسسات الفلسطينية المحلية في عملية الإعمار.

 

وتدرك المقاومة أيضاً أن أي مسار سياسي يتعامل مع غزة بمعزل عن الضفة الغربية هو محاولة لتكريس الانقسام، ولذلك تصرّ على وحدة الأرض والشعب، وعلى ربط أي ترتيبات مستقبلية بمشروع وطني شامل.

 

بين مشروع واشنطن ومشروع المقاومة

 

الصراع اليوم ليس على تفاصيل تقنية، بل على تعريف المستقبل نفسه. واشنطن تريد «سلاماً» يقوم على الاستقرار الأمني من دون سيادة، وعلى إعادة الإعمار من دون حقوق، وعلى ترتيبات سياسية من دون مقاومة. أمّا المقاومة، فتريد سلاماً يقوم على العدالة، وعلى إنهاء الاحتلال، وعلى تمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره.

 

هذا التناقض يجعل من «مجلس السلام» ساحة مواجهة سياسية جديدة، لا منصة للحل. فالمقاومة ترى أن واشنطن تحاول الالتفاف على نتائج الحرب، بينما ترى واشنطن أن المقاومة عقبة أمام مشروعها. وبين هذين المشروعين، يقف الشعب الفلسطيني الذي  يرفض أن تتحوّل تضحياته إلى ورقة تفاوض تُستخدم لإعادة إنتاج الاحتلال.

 

 

غزة تكتب مستقبلها.. لا واشنطن

 

إن اجتماع «مجلس السلام» في واشنطن ليس سوى فصل جديد من فصول الصراع على غزة. فبينما تحاول الولايات المتحدة فرض رؤيتها تحت عنوان «السلام»، تردّ المقاومة برؤية مختلفة تماماً: لا سلام بلا وقف العدوان، ولا إعمار بلا رفع الحصار، ولا مستقبل لغزة خارج إطار الحقوق الوطنية الكاملة.

 

غزة التي صمدت في الحرب، والتي دفعت أثماناً هائلة، ليست مستعدة للتنازل عن حقها في السيادة والحرية. والمقاومة التي واجهت الاحتلال عسكرياً، تواجهه اليوم سياسياً، مدركةً أن معركة المستقبل لا تقلّ أهمية عن معركة الميدان.

 

في النهاية، لن تُكتب معادلة غزة في واشنطن، بل في غزة نفسها، وفي إرادة شعبها، وفي صمود مقاومتها، وفي قدرتها على فرض شروطها على العالم، لا العكس.

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة