السياحة البيئية لا تقتصر على تجربة الإقامة في نُزل أو منشأة فحسب، بل هي تجربة ثقافية ومعمارية قائمة على الطبيعة، ويتطلب تطويرها بشكل متوازن تحديد القدرات الفعلية لكل منطقة وتعزيزها.
ولا يمكن اختزال وحدات السياحة البيئية في إطار مبنى أو منشأة إقامة داخل منظومة بيئية معيّنة؛ فالسياحة البيئية هي تجربة نوعية في مجال السياحة، يجب أن ترتبط بثقافة كل منطقة وعمارتها وبيئتها الطبيعية. وفي الواقع، تُعد السياحة البيئية أقرب أنماط السياحة إلى مجال التراث الثقافي، إذ لا يمكن فصل الثقافة والتراث عنها.
وفي تجربة السياحة البيئية، يُفترض أن يعيش السائح تجربة متكاملة تشمل الطبيعة المحلية، ومشاهدة العمارة التقليدية، والتعرّف على المأكولات المحلية، والطقوس، والفعاليات، وأنماط الحياة الخاصة بسكان المنطقة. أي أن السياحة البيئية تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية: الطبيعة، والعمارة، والثقافة.
التوزيع غير المتوازن لوحدات السياحة البيئية في مازندران
تضم محافظة مازندران أكثر من 500 وحدة سياحة بيئية مرخّصة، إلا أن توزيعها غير متوازن؛ إذ يتركز عدد كبير منها في بعض المناطق مثل تنكابن وسوادكوه الشمالي، في حين يُلاحظ حضور أقل في مناطق أخرى مثل نور. ومن أوائل البرامج المطروحة في هذا المجال إعداد خريطة شاملة لتوزيع وحدات السياحة البيئية على مستوى المناطق وحتى القرى في المحافظة.
السياحة البيئية والفنادق.. تنافس أم تكامل؟
في السنوات الأخيرة، برز نوع من التقابل بين المنشآت الفاخرة مثل الفنادق ووحدات السياحة البيئية، حيث يرى بعضهم أن دعم السياحة البيئية يؤدي إلى تقليص جمهور الفنادق. غير أن هذا التصور يُعد تبسيطًا مخلًا لطبيعة كلٍّ من السياحة البيئية والفنادق.
فالفنادق والسياحة البيئية يمثلان نموذجين مختلفين من أنماط السياحة، وهما في الواقع مكملان لبعضهما البعض. إذ توفّر الفنادق، من خلال مرافقها الفاخرة وخدماتها المعيارية، الراحة والرفاه للسائح، في حين تمنح السياحة البيئية الزائر إحساسًا بالسكينة عبر تقديم تجربة حياتية وثقافية متكاملة. وفي كثير من الرحلات، قد يقضي السائح عدة أيام في الطبيعة أو في وحدات السياحة البيئية، ثم يختار في نهاية الرحلة الإقامة في فندق للراحة. ومن هنا، فهما ليسا منافسين، بل يمكن لكل منهما أن يسهم في التسويق للآخر.
ورغم أن مازندران تُعد محافظة واحدة، بل يمكن النظر إليها كمدينة كبرى متكاملة، فإنها تتمتع بتنوع مناخي وبيئي واسع، وهو ما أسهم تاريخيًا في نشوء أنماط معمارية متعددة. فعلى سبيل المثال، في المناطق الساحلية كانت الأسقف مغطاة بالقصب، وفي مناطق سفوح الجبال بالبلاط الفخاري، وفي المناطق الحرجية بالألواح الخشبية، وفي المرتفعات بالألواح الحجرية، وفي بعض مناطق المحافظة القريبة من عمارة الهضبة الوسطى تظهر الأسقف المسطحة والمغطاة بالطين والقش.
وعليه، لا يمكن اعتماد نموذج معماري واحد لكامل المحافظة. فكما لا يمكن تقديم طعام محلي من جنوب البلاد لسائح في الشمال وتوقع حصوله على تجربة سياحية بيئية أصيلة ومتناغمة مع مازندران، فإن عمارة وحدات السياحة البيئية يجب أن تكون انعكاسًا لعمارة المنطقة ذاتها؛ أي أن جميع عناصرها ينبغي أن تتشكل على أساس ثقافة المجتمع المضيف.
ويُعد إعداد خريطة شاملة لتوزيع وحدات الإقامة البيئية في المحافظة، وإجراء تقييمات نوعية لهذه الوحدات استنادًا إلى المعايير العمرانية والثقافية والخدمية والبيئية، والتحقق من صحة تصنيفاتها وقياس الجودة الحقيقية لها، وتحديد القرى ذات الإمكانات العالية لتطوير سياحة بيئية عالية الجودة، وتنظيم دورات تدريبية لرؤساء القرى وأعضاء المجالس المحلية والناشطين المحليين، إضافة إلى السعي لإنشاء مكاتب تيسير في مختلف المناطق ضمن إمكانات المدن الفرعية بهدف التدريب والتوجيه والدعم؛ من بين المحاور الرئيسة التي تُعتمد في التخطيط لإنعاش السياحة البيئية وتطويرها بشكل سليم في مازندران.
ويتمثل الهدف الأساسي في إخراج السياحة البيئية من إطار النظرة الجسدية أو الإنشائية البحتة، وتحويلها إلى تجربة حقيقية تعكس ثقافة المنطقة وطبيعتها وبيئتها وعمارتها المحلية.
وبهذا النهج، يمكن تعريف السياحة البيئية ليس فقط بوصفها موردًا اقتصاديًا مربحًا وجذابًا لقطاع السياحة في المحافظة، بل أيضًا باعتبارها حزمة ثقافية متكاملة تسهم في صون الثقافة المحلية، وتعزيز مختلف القدرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، بل وحتى الاستراتيجية، بما يخدم مسار الدبلوماسية الثقافية بين دول المنطقة.