العالم عند منعطف تاريخي.. اختبار الإرادات وإعادة تشكيل توازنات القوّة

خاص الوفاق / تشير التحولات المتسارعة في النظام الدولي إلى أن العالم يقف مجدداً على أعتاب منعطف تاريخي؛ منعطف لا يقتصر على نزاع إقليمي عابر، بل يتصل بصراع أعمق حول مستقبل النظام العالمي وتوازناته. فالمؤشرات المتزايدة تفيد بأن التيارات الأيديولوجية المتشددة داخل مراكز القرار في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني باتت تمارس تأثيراً أكبر على عملية صنع السياسات، حيث تُنظر إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليس باعتبارها مجرد منافس جيوسياسي، بل بوصفها تحدياً استراتيجياً وحضارياً.

د. محمدعلي صنوبري

 

في واشنطن، تبدو السياسة الخارجية اليوم أقل خضوعاً للحسابات العقلانية بعيدة المدى، وأكثر تأثراً بالتجاذبات الداخلية، وأزمات الشرعية السياسية، والانقسامات الاجتماعية العميقة. إذ يواجه المجتمع الأمريكي حالة غير مسبوقة من الاستقطاب، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتصاعد التوترات الاقتصادية والثقافية. وفي مثل هذا المناخ الهش، يمكن لأي أزمة خارجية أن تتحول سريعاً إلى عامل تفجير داخلي، في ظل تزايد مؤشرات الاحتقان الاجتماعي واتساع رقعة السخط الشعبي.

 

 

كما أن التناقضات بين مؤسسات الحكم الأمريكية، سواء في المجالين السياسي أو الاقتصادي، تعكس بصورة متزايدة حجم التصدعات داخل بنية النظام السياسي، وتضع علامات استفهام جدية حول صورة القوة المتماسكة التي طالما قُدمت باعتبارها ركيزة النظام الدولي.

 

 

في المقابل، خاضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، على مدى عقود، تجربة فريدة في إدارة الضغوط والتهديدات. فمنذ الحرب المفروضة وصولاً إلى سنوات طويلة من العقوبات والحصار، أثبتت إيران أن منطق الصمود والمقاومة يشكل أحد أبرز عناصر قوتها الاستراتيجية. لقد تأسست البنية الدفاعية والأمنية والاجتماعية للدولة على أساس القدرة على التكيف، وتحمل التكاليف، وإدارة الصراعات طويلة الأمد.

 

 

وقد كشفت التطورات الميدانية الأخيرة عن هشاشة العديد من المسلمات التي روجت لها الدعاية الصهيونية، وفي مقدمتها مفهوم “الردع المطلق”. إذ بات واضحاً أن موازين القوة، سواء على المستوى العسكري أو النفسي أو الإعلامي، لم تعد أحادية الاتجاه كما كانت تُصور سابقاً.

 

 

بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن التهديدات الخارجية لا تُعدّ بالضرورة عامل إضعاف، بل يمكن أن تتحول إلى محفز لإعادة إنتاج التماسك الداخلي. فالتجارب السابقة تشير إلى أن المجتمع الإيراني يميل، في لحظات التحدي الأمني، إلى تعزيز حالة الالتفاف الوطني وتقليص حدة التباينات السياسية. وفي هذا السياق، يُنظر إلى خطاب المقاومة باعتباره خياراً استراتيجياً لحماية الاستقلال الوطني وصون الاستقرار الداخلي.

 

 

إنّ أي مواجهة محتملة لن تكون مجرد صدام عسكري تقليدي، بل اختباراً لإرادات الدول، وقدرتها على إدارة الاستنزاف، والحفاظ على التماسك الاجتماعي. وفي مثل هذه المعادلات، لا تتحدد النتائج بالقوة الصلبة وحدها، بل بمدى القدرة على الصمود وتحمل الضغوط طويلة الأمد؛ وهي سمة أثبتت إيران امتلاكها عبر مسار تاريخي ممتد.

 

 

وفي الأفق الأوسع، تتسارع مؤشرات التحول التدريجي في بنية النظام الدولي، حيث يتراجع منطق الأحادية القطبية لصالح مشهد أكثر تعددية. وكل أزمة جديدة تسهم في إعادة تشكيل موازين القوى، وفتح المجال أمام فاعلين دوليين أكثر استقلالاً. وفي هذا الإطار، تُعدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية جزءاً من دينامية أوسع لإعادة تعريف التوازنات الإقليمية والدولية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة