من غزّة إلى الضفّة

بين القصف والحصار والاقتحامات.. الفلسطينيون يكتبون عامًا جديدًا من الصمود

 عامٌ كامل من الانتهاكات الصهيونية كشف حجم العنف الممنهج الذي يتعرض له الفلسطينيون، لكنه كشف أيضًا أن هذا الشعب، رغم كل شيء، لا يُهزم

لم يكن العام الماضي مجرد فصل دموي جديد في تاريخ فلسطين، بل كان عامًا تكشّفت فيه بوضوح البُنية العميقة للمشروع الاستعماري الصهيوني، الذي يقوم على الإقصاء والهيمنة وإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بالقوة.

 

يأتي التقرير الحقوقي السنوي  لمنظمة هيومن رايتس ووتش ليرصد عامًا من الانتهاكات الصهيونية مستندًا إلى شهادات ميدانية، ومعطيات أُممية، ومتابعة دقيقة للسياسات التي مورست على الأرض، كاشفًا حجم الانتهاكات التي طالت المدنيين الفلسطينيين في غزّة والضفّة الغربية على حدّ سواء.

 

التقارير الدولية لم تعد تتحدث عن «انتهاكات»، بل عن جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية. فقد وثّقت الأمم المتحدة استشهاد أكثر من 30 ألف فلسطيني في غزّة، بينهم آلاف الأطفال، ونزوح 1.7 مليون إنسان، ودمار طال 60٪ من مباني القطاع.

 

هذه الأرقام ليست مجرد معطيات، بل هي مؤشرات على سياسة تدمير شامل تهدف إلى كسر المجتمع الفلسطيني.

 

 

غزّة.. مدينة تُقصف لتُعاد صياغتها سياسيًا

 

القصف الصهيوني على غزّة لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل كان أداة سياسية تهدف إلى فرض معادلة جديدة على الفلسطينيين.

 

استهداف المدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء وشبكات المياه والكهرباء لم يكن عشوائيًا، بل كان جزءًا من استراتيجية معلنة وصفها مسؤولون صهاينة بأنها تهدف إلى «إعادة غزّة إلى العصور الوسطى». الهدف لم يكن فقط قتل أكبر عدد ممكن، بل تدمير مقومات الحياة، وإرسال رسالة واضحة بأن هذه الأرض لا يمكن أن تكون قابلة للعيش إلا بشروط الاحتلال، ومع كل غارة، كانت تتبدل ملامح المدينة: أحياء تُمحى، عائلات تُفقد، وذاكرة تُقصف مع الجدران.

 

القطاع الصحي.. جبهة مقاومة مدنية في وجه الانهيار

 

حين تُقصف المستشفيات ويُمنع دخول الوقود والأدوية، يصبح القطاع الصحي خط الدفاع الأخير عن المجتمع،ورغم خروج 40٪ من المستشفيات عن الخدمة، ظلّ الأطباء والممرضون يعملون في ظروف لا يمكن وصفها إلا بأنها معركة سياسية بقدر ما هي إنسانية. كان الطبيب يجري عمليات بلا تخدير، والممرضة تستخدم ضوء الهاتف بدل الكهرباء، والجرحى ينتظرون ساعات طويلة قبل تلقي العلاج، هذه المشاهد لم تكن مجرد تفاصيل طبية، بل كانت مقاومة مدنية في وجه سياسة تهدف إلى ترك الجرحى يموتون بصمت.

 

النزوح الداخلي.. أكبر عملية تهجير منذ النكبة

 

النزوح الجماعي داخل غزّة لم يكن نتيجة الحرب فقط، بل كان جزءًا من هندسة سكانية تهدف إلى تفريغ مناطق معينة وإعادة توزيع السكان بما يخدم الرؤية الصهيونية،إجبار أكثر من 1.7 مليون فلسطيني على ترك منازلهم هو أكبر عملية تهجير قسري منذ النكبة. العائلات خرجت بلا وجهة واضحة، تحمل ما استطاعت حمله، وتبحث عن مكان أقل خطرًا رغم أن الجميع يعرف أن «المنطقة الآمنة» ليست سوى عبارة على الورق.

 

وفي مراكز الإيواء، واجه الناس اكتظاظًا شديدًا ونقصًا في المياه وتدهورًا في الظروف الصحية، لكنهم رغم ذلك حاولوا خلق نوع من الاستقرار المؤقت، في مشهد يعكس قدرة الفلسطيني على إعادة بناء الحياة حتى فوق الركام.

 

الحصار.. عقاب جماعي محظور دوليًا

 

الحصار المفروض على غزّة منذ 17 عامًا ليس مجرد سياسة اقتصادية، بل هو أداة استعمارية تهدف إلى إخضاع المجتمع الفلسطيني.حين يصبح الماء شحيحًا، والغذاء نادرًا، والدواء مفقودًا، تتحول الحياة اليومية إلى معركة بقاء، برنامج الغذاء العالمي يؤكد أن 9 من كل 10 عائلات في غزّة تعاني من انعدام الأمن الغذائي. هذا ليس«ضغطًا اقتصاديًا»، بل عقاب جماعي محظور بموجب اتفاقيات جنيف، ويُستخدم كوسيلة لإخضاع السكان وإجبارهم على القبول بالواقع المفروض عليهم.

 

الضفّة الغربية.. احتلال يتوحّش ومستوطنون يتحركون بلا رادع

 

الاقتحامات الليلية ليست عمليات أمنية، بل هي أداة سياسية تهدف إلى كسر إرادة المجتمع الفلسطيني، أكثر من 7000 اقتحام في عام واحد يعني أن الاحتلال يريد إبقاء الضفّة في حالة توتر دائم، بحيث لا يشعر الفلسطيني بالأمان في بيته ولا في مدرسته ولا في شارعه.

 

هذه السياسة تهدف إلى خلق مجتمع مرهق، مشتت، غير قادر على تنظيم نفسه أو الدفاع عن حقوقه، وهو ما يجعل الاقتحام جزءًا من منظومة السيطرة الحيوية التي يمارسها كيان العدو على الفلسطينيين.

 

الحواجز.. جغرافيا مُقطّعة لخدمة السيطرة

 

وجود أكثر من 600 حاجز ونقطة تفتيش ليس إجراءً أمنيًا، بل هو تقسيم سياسي للضفّة الغربية، يهدف إلى منع التواصل بين المدن والقرى، وإعاقة أي إمكانية لبناء اقتصاد مستقل أو مجتمع متماسك. الحاجز ليس مجرد نقطة تفتيش، بل هو رمز للهيمنة، ورسالة يومية للفلسطيني بأن الاحتلال يتحكم في تفاصيل حياته: متى يذهب إلى عمله، متى يصل إلى مدرسته، وحتى متى يصل إلى المستشفى.

 

عنف المستوطنين.. ذراع غير رسمية للدولة

 

اعتداءات المستوطنين التي ارتفعت بنسبة 40٪ ليست أعمالًا فردية، بل هي سياسة دولة تُنفّذ عبر مجموعات مدنية مسلحة تتحرك تحت حماية الجيش الصهيوني، المستوطنون يستهدفون المزارعين والقرى بهدف دفعهم إلى ترك أراضيهم، في محاولة لخلق واقع ديموغرافي جديد يخدم مشروع «توسيع المستوطنات».هذا العنف ليس عشوائيًا، بل هو جزء من الاستعمار الإحلالي الذي يسعى إلى استبدال شعب بآخر.

 

الإنسان الفلسطيني.. مقاومة تتجاوز السلاح

 

الأطفال الفلسطينيون جيل يُربّى على الوعي السياسي فهم لم يعودوا مجرد ضحايا، بل أصبحوا شهودًا على جريمة مستمرة، ذاكرتهم تتشكل تحت القصف والاقتحامات، لكنهم رغم ذلك يذهبون إلى مدارسهم، يلعبون، يضحكون، ويحلمون. هذا الإصرار على الحياة هو فعل سياسي بامتياز، لأنه يرفض منطق الاحتلال الذي يريد جيلاً محطمًا.

 

أمّا النساء فشكلنّ قيادة غير مرئية للمجتمع فهن حملن العبء الأكبر: إدارة البيوت، رعاية الأطفال، مواجهة الفقد، تنظيم الحياة في مراكز الإيواء، ودعم الأزواج والأبناء. هذا الدور ليس اجتماعيًا فقط، بل هو دور سياسي يحافظ على تماسك المجتمع ويمنع انهياره، ويجعل من المرأة الفلسطينية ركيزة أساسية في معركة الصمود.

 

وهكذا شكل المجتمع شبكة مقاومة مدنية، فالتضامن الشعبي في غزّة والضفّة هو أحد أقوى أشكال المقاومة، حين يتقاسم الناس الطعام، ويحمون أراضيهم، ويقفون معًا في وجه المستوطنين، فهم يمارسون مقاومة جماعية تعطل أهداف الاحتلال، وتعيد إنتاج القوة الاجتماعية التي تحمي الهوية الفلسطينية من التفكك.

 

 

فلسطين في قلب معركة القانون الدولي والشرعية الإنسانية

 

ما جرى في العام الماضي لم يكن حدثًا محليًا معزولًا، بل كان اختبارًا صارخًا لشرعية النظام الدولي وقدرته على حماية الشعوب من الجرائم الجماعية. فالممارسات الصهيونية في غزّة والضفّة تُصنّف ضمن جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، والعقاب الجماعي وفقًا لتعريفات اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. استهداف المدنيين، تدمير البنية التحتية الحيوية، منع دخول المساعدات، تهجير السكان قسرًا، كلها ممارسات تندرج تحت مفهوم التطهير العرقي والهندسة الديموغرافية، وهي سياسات تُستخدم تاريخيًا في مشاريع الاستعمار الإحلالي. ورغم ذلك، أثبت الفلسطينيون أن الهوية الوطنية ليست مجرد شعار، بل هي قوة مقاومة متجذّرة في الوعي الجمعي.

 

ففي كل مرة حاول الاحتلال فرض معادلة جديدة، كان الفلسطينيون يعيدون إنتاج أدواتهم: من المقاومة المدنية في الضفّة، إلى شبكات التضامن في غزّة، إلى الحضور السياسي في المحافل الدولية، إلى الأصوات التي خرجت من تحت الركام لتقول للعالم إن الإنسان الفلسطيني ليس رقمًا، بل كائنًا سياسيًا يرفض الإلغاء.

 

ختاماً عامٌ كامل من الانتهاكات الصهيونية كشف حجم العنف الممنهج الذي يتعرض له الفلسطينيون، لكنه كشف أيضًا أن هذا الشعب، رغم كل شيء، لا يُهزم.

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة