موناسادات خواسته
فن الخط الإيراني يمثل روح الثقافة الفارسية وعمقها الجمالي، حيث يتحول الحرف إلى مساحة للتعبير عن الفكر والوجدان عبر قرون من الإبداع المتواصل. ويجاوره فن الإبرو بوصفه فناً تزيينياً عريقاً، يعتمد على تشكيل أنماط لونية على سطح الماء ونقلها إلى الورق، ليمنح الأعمال الخطية بعداً بصرياً مكملاً وجمالاً استثنائياً.
تزامناً مع شهر رمضان المبارك، أجرينا حواراً مع الأستاذ مهدي سهرابي نصر، أحد أساتذة هذين الفنين، للحديث عن تجربته ورؤيته في الحفاظ على أصالة هذا التراث الفني وإحيائه، وفيما يلي نص الحوار:
الخط والثقافة الإيرانية

بداية، سألنا الأستاذ مهدي سهرابي نصر عن تقييمه لحضور الخط الإيراني على المستوى الدولي، وسرّ انتشاره، فقال: إن الخط الإيراني متجذّر في ثقافة هذا البلد وإيمانه وذائقته الفنية. وما جعل هذا الفن يُرى ويتجاوز الحدود هو المزج بين الجماليات والمعنى والروحانية التي تتدفق في ثقافة الشعب الإيراني. فالخط في إيران ليس مجرد كتابة، بل هو تعبير عن الإحساس، وتعبير عن الفكر ورؤية الناس للعالم.
هذه النظرة جعلت الخط الإيراني قابلاً للمسّ والاحترام لدى المتلقي غير الإيراني أيضاً، واستطاع أن يجد له مكاناً في القلوب. وفي هذا السياق، فإن الحسّ الجمالي والخاصية التي يتميّز بها الإيرانيون، والمتمثلة في تعاملهم مع كل فن بدقة وتفاصيل كاملة، أسهمت في أن يجد هذا الفن موطئ قدم له في جميع أنحاء العالم، وأن يحجز لنفسه مكانة في قلوب الناس.
فنّ الإبرو
أما الأستاذ سهرابي نصر، فإلى جانب الخط، له تجربة طويلة في فن الإبرو، فيتحدث لنا عن مسيرة امتدت 28 عاماً في هذا الفن، مؤكداً أنه، إلى جانب مجموعة من الأصدقاء المخلصين، حاول الإسهام في إحياء فن الإبرو في إيران وبعثه من جديد، رغم ما واجهته هذه المسيرة من صعوبات.
ويشير إلى أنه يعدّ نفسه مديناً لأساتذة كبار كانوا مشاعل طريقه، وعلى رأسهم آية الله سيد مرتضى حسيني نجومي، الذي كان له الفضل الأكبر في تكوينه الفني والروحي.
كما يلفت إلى استفادته من النصوص القديمة وتجارب فنانين بارزين، موضحاً أنه قام بتدريس هذا الفن لسنوات في متحف “ملك” بطهران، وأقام دورات في مدن مختلفة بالتعاون مع جمعية الخطاطين الإيرانيين، من دون مقابل، بهدف الحفاظ على هذا التراث. واليوم، كما يقول، يرى ثمرة هذه الجهود في تلامذته الذين أصبح كثير منهم أساتذة ومبدعين في هذا المجال.
الأعمال الفنّية في شهر رمضان المبارك
وفيما يتعلق بانعكاس شهر رمضان المبارك على أعماله الفنية، يصف سهرابي نصر رمضان بأنه «شهر الصمت الداخلي وتطهير الروح»، حيث يزداد تركيزه على ذاته وعلى هدوء النظر الفني. ويؤكد أن الأعمال التي تُنجز في هذا الشهر تكتسب بطبيعتها نفحة روحانية واضحة.
ويولي ليالي القدر أهمية خاصة، إذ يختار فيها كتابة الآيات والأحاديث ومناقب أمير المؤمنين(ع)، معتبراً الخط وسيلته الخاصة للمناجاة، قائلاً: أحاول في ليالي القدر أن أكتب الخط، فمناجاتي مع الله تكون بهذه الطريقة.
ويشير إلى أن الأجواء الرمضانية تنعكس بوضوح في أعمال الخطّاطين، مستشهداً بالقول الشهير: «صفاء الخط من صفاء القلب»، موضحاً أن صفاء القلب يبلغ ذروته في هذا الشهر الكريم.
«فنّ الإنتظار»
الأستاذ سهرابي نصر كان أحد المشاركين في فعالية «فنّ الإنتظار»، فيصفها بأنها تجربة قيّمة، أتاحت للفنانين من ثقافات وجنسيات مختلفة الإجتماع حول مفهوم مشترك هو «الانتظار والأمل».
ويرى أن مثل هذه الفعاليات تفتح آفاقاً لحوار عميق بين الفنانين الإيرانيين والعرب وغيرهم، وتساعد على تعميق الفهم المشترك للثقافة المهدوية، التي تقوم على الإيمان بمنقذ عالمي يصلح العالم.
ويؤكد أن الفن يمكن أن يكون جسراً لتقريب القلوب وفهم الثقافات، معرباً عن أمله في أن تسهم هذه المبادرات في ترسيخ ثقافة الأمل والانتظار.
يختتم سهرابي نصر حديثه بتوجيه الشكر إلى القائمين على مؤسسة «قاف» والعتبة العلوية المقدسة، معتبراً أن العمل في جوار أمير المؤمنين(ع) تجربة روحية لا تُقدّر بثمن. ويؤكد أن رسالة الفنان في النهاية تصبّ في معنى واحد هو انتظار الفرج، متمنياً أن يعمّ الصلاح والسلام العالم بظهور المصلح المنتظر.