يُعدّ الحكيم ملا هادي السبزواري واحداً من أعظم أعلام الفلسفة الإسلامية، بل يُنظر إليه بوصفه الامتداد الأعمق لمدرسة الحكمة المتعالية التي أسّسها صدر المتألهين الشيرازي.
جمع السبزواري بين الفلسفة والعرفان والفقه والشعر، فكان نموذجاً للحكيم الجامع بين العقل والذوق، وبين البرهان والتجربة الروحية. ويصادف يوم الجمعة، 27 فبراير، ذكرى إحيائه، وبهذه المناسبة نقدّم نبذة عن آثاره ومكانته العلمية.
وريث الحكمة المتعالية

يُعدّ الحكيم ملا هادي السبزواري، الملقّب بـ«أسرار»، من أبرز ورثة مدرسة صدر المتألهين وأشهر أعلام الحكمة المتعالية. غير أنّه لم يكن مجرّد شارح تابع، بل فيلسوفاً مستقلّ الرأي ومجدّداً في عرضه للفكر الفلسفي.
وقد بلغت حكمة الإشراق ذروتها في عصره، فأصبحت مؤلفاته مرجعاً لكبار فلاسفة هذه المدرسة في التدريس والتعليق. جمع بين الفلسفة والعرفان والزهد الأخلاقي، وتميّز بقدرته على صياغة أعقد المسائل الفلسفية في قالب شعري بديع.
ورغم اشتهاره بالحكمة المتعالية، فقد كان عالماً في الفقه وأصوله، والتفسير، والطب، وعلم الحروف، كما كان أديباً وشاعراً باللغتين الفارسية والعربية، يُضمّن شعره إشارات إلى معارفه الروحية، كما يظهر ذلك جلياً في آثاره. وقد أسّس حلقة علمية كبرى قصدها طلاب من داخل إيران وخارجها، فغدا مرجعاً فلسفياً بارزاً في عصره.
آثاره الخالدة وأثرها الثقافي
ترك الحكيم السبزواري تراثاً علمياً ثرياً شمل الفلسفة والمنطق والفقه والعرفان، وخلّف مؤلفات قيّمة تناولت قضايا الوجود والمعاد، إلى جانب علوم الأدب والفقه. ومن أبرز آثاره: شرح منظومة الحكمة والمنطق، ورسالة في المبدأ والمعاد، وشرح دعاء الجوشن الكبير ودعاء الصباح للإمام علي(ع).
وبين نتاجه الغزير، يبرز كتابان يُعدّان حجر الزاوية في مشروعه الفكري:
– شرح المنظومة (المنظومة وشرحها): وهو أشهر أعماله وأهمها، نظَم فيه مباحث المنطق والفلسفة الإسلامية في نحو 1300 بيت من الشعر العربي، ثم قام بشرحها بنفسه. وينقسم الكتاب إلى قسمين: اللآلي المنتظمة في المنطق، وغرر الفرائد في الحكمة المتعالية. ويُعدّ هذا الكتاب إلى اليوم من أهم المتون الدراسية في الحوزات العلمية، لما يمتاز به من شمول ودقة وربطٍ عميق بين الفلسفة والعرفان.
– أسرار الحكم في المفتتح والمختتم: كتبه باللغة الفارسية بطلب من ناصر الدين شاه، ويتناول فيه مباحث المبدأ والمعاد، والتوحيد، والأسماء والصفات، جامعاً بين الحكمة المشائية والإشراقية والذوق العرفاني. ويُظهر هذا الكتاب قدرة السبزواري على مخاطبة النخبة والعامة بلغة فلسفية رصينة وروحانية عميقة في آنٍ واحد.
روح الفلسفة الخالدة
قيل عن الحكيم ملا هادي السبزواري إنه «أرسطو عصره»، وعدّه العلماء أعظم فلاسفة القرن الثالث عشر الهجري. وأشاد به إقبال اللاهوري بوصفه مجدّد الفلسفة الإيرانية بعد ملا صدرا، بينما اعتبره الفيلسوف الياباني توشيهيكو إيزوتسو أكبر فيلسوف إيراني في القرن التاسع عشر الميلادي، جامعاً بين عمق العقل وسمو العرفان.