المفاوضات الأمريكية –الإيرانية :

مقارنات مابين الاستراتيجية الأمريكية- الصهيونية في تصعيد الصراع وبين مقومات البناء العقائدي والحضاري الإيراني

في ظل تزايد التهديدات،  يمكننا القول بأن هناك خياران أمام  الشعوب العربية والإسلامية لاثالث لهما إما الاستسلام والذل والعبودية وإما رفض السياسة الامريكية وبكل ما تملكه من الوسائل المتاحة على المستوى  الاعلامي والسياسي وحتى العسكري

لقد أثبتت التهديدات الأمريكية الأخيرة على الجمهورية الإسلامية ومن ورائها الكيان الصهيوني أن جوهر الصراع ليس سياسياً وحسب، بل هو صراع  حضاري – عقائدي يتضمن أبعاداً اقتصادية و سياسية وأمنيّة، ويمكن الاشارة الى منطلقين أو مبدأين حضاريين لذلك التفاوض:

 

المنطلق الأول: المنطلق الثقافي الغربي الصهيو–أمريكي في التفاوض، القائم على النظرية الواقعية المرتكزة على الميكافيلية النفعية التي لا تُعطي أهمية حقيقية للمنظومة القيمية الإنسانية والأخلاقية. وإن رفعت هذه القيم كشعارات، فإنها تتهاوى أمام المصلحة المادية، مثل شعارات حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية. وقد أثبتت الوقائع ذلك، إذ دعمت القوى الغربية أنظمة حكم شمولية ودكتاتورية في دول عديدة، وأجهضت ثورات شعبية ضد الظلم من أجل ضمان مصالحها.

 

كما أن تلك القوى لم تُولِ اهتماماً كبيراً للمعاناة الإنسانية، وما تعرض له سكان الأمريكيتين والعديد من الدول الأفريقية من إبادة جماعية خلال القرون الثلاثة الماضية خير دليل.

 

وكانت الحرب الصهيونية الأخيرة على غزة ولبنان بعد معركة طوفان الأقصى في تشرين الأول / اكتوبر2023،  إضافةً إلى  حصار الشعب الفلسطيني لسنوات طويلة بدعم أمريكي -غربي   وتسببت بمعاناة كبيرة للسكّان المدنيين وما قام به  كيان الاحتلال من  سياسات  قمعية  كالسجن والحصار ولاسيما في قطّاع غزة  مثالاً  واضحاً على تلك المنظومة في التعامل مع الشعوب المطالبة بحقوقها ، وهو ما دفع  الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة ولسنوات عديدة إلى المطالبة بحقوقه المشروعة وأرضه المغتصبة، مع ماشهده من الصمت الدولي على السياسات الصهيونية، وهي التي أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الدولي،  وقد قابلها الكيان الصهيوني بحرب إبادة وحشية ضد السكّان المدنيين، واعتداء على البنى التحتية في فلسطين ولبنان، ومحاولات  لدفع دول المنطقة إلى المواجهة المسلحة ومن ثم التفكك والانهيار والفوضى، وتهديم ما تبقى من قوة مادية ومعنوية لشعوب المنطقة العربية والإسلامية، ولا سيّما قوى المقاومة المعارضة لمخططات الهيمنة لتلك القوى العظمى والكبرى، وكل ذلك كان بدعم سياسي غربي واضح لكيان الاحتلال دون رادع .

 

 

المنطلق الثاني : المبدأ الحضاري والعقائدي  الاسلامي- القرآني بأبعاده  القيمية الإنسانية  والأخلاقية الذي ارتكزت عليه  الجمهورية الإسلامية:  وينطلق هذا المبدأ من المفاهيم القرآنية التي ركّزت على مبدأ التعاون والتكافل الإنساني، كما في قوله تعالى « وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (التوبة: 71).

 

ويرتكز أيضاً على مبدأ الثبات في المواجهة من أجل القيم الإنسانية والأخلاقية والدفاع عن الحقوق دون الاكتراث بالتهديدات أو الترهيب، كما في قوله تعالى « الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ».

 

وبالإشارة إلى ما سبق،  يمكن بيان الأبعاد الاستراتيجية  للتهديدات الأمريكية وتلويحها بالحرب على إيران  والمخاطر المترتبة على تلك الحرب على شعوب المنطقة وعلى الأمن والاستقرار على المستوى الإقليمي والدولي، كما يأتي :

 

١- قد تختلف أو تتفق سياسات  بعض القوى الإقليمية مع إيران، لكن على المستوى  الاستراتيجي فإنَّ خسارة إيران بالحرب -لاسمح الله – هو خسارة استراتيحية كبرى  لكل دول المنطقة وبداية لاستعمار وعبودية جديدة لحكّامها وشعوبها وانهيار شامل للمنظومة الدولية .

 

٢-  مع دراسة السلوك الغير مستقر لدونالد ترامب، يتضح أن ما يؤخر القرار الأمريكي بالحرب أو قرار إلغاءه لايعود إلى التروّي والعقلانية ، بل المخاوف من ارتدادات الحرب على المستوى الإقليمي والدولي وعدم ضمان تحقيق أهدافها  .

 

٣-  ما يدفع السياسة الإيرانية إلى الحذر الشديد في التعاطي مع ما تطرحه الولايات المتحدة الأمريكية هو انعدام الثقة بالسياسات الأمريكية المعلنة، ما يؤدي إلى نتيجية مفادها أن من يثق بالوعود الأمريكية أو إمكانية التفاهم معها فهو إما مهزوم من الداخل أو واهم أو جاهل أو مرتبط بأجندات تخدم  تلك السياسات بالمنطقة، وما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها كيان الاحتلال من محاولات للتفاوض حول ملف الصواريخ الإيرانية هو خديعة لإسقاط جميع أوراق التفاوض لدى ايران ومن ثم تجريدها من عناصر القوة الاستراتيجية التي تدافع بها عن شعبها ونظامها السياسي، ومن ثم اخضاعها بعد ذلك  لو استجابت لتلك الشرط او انخدعت بتلك الوعود .

 

٤- ونتيجة لكل ما تقدّم وفي ظل تزايد التهديدات،  يمكننا القول بأن هناك خياران أمام  الشعوب العربية والإسلامية لاثالث لهما إما الاستسلام والذل والعبودية وإما رفض السياسة الامريكية وبكل ما تملكه من الوسائل المتاحة على المستوى  الاعلامي والسياسي وحتى العسكري.

 

وأخيراً، فإن ما يقوم به كيان الاحتلال عسكرياً في جنوب لبنان مؤشر خطير جداً، ومحاولات بعض الساسة في لبنان لتحييد سلاح المقاومة خطأ استراتيجي كارثي. فالتجربة القريبة تشير إلى أن الدولة اللبنانية لم تستطع حماية حدودها من العدو الصهيوني الذي احتل بيروت عام 1982، ولولا المقاومة لما بقيت الدولة اللبنانية بكيانها الحالي. والأمر ذاته ينطبق على محاولات الولايات المتحدة وحلفائها تفكيك الحشد الشعبي في العراق تحت شعارات ظاهرها بناء الدولة، وباطنها الهيمنة وإضعاف الدولة تمهيداً لتفكيكها.

 

أ.د. حيدر زاير العامري

أستاذ الدراسات  الدولية والاستراتيجية –  كلية العلوم  السياسية- جامعة الكوفة

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص