العلاقة بين القدرة والتبيين في معركة الوعي

الوفاق/ تتوافر فرصة الزيارة والابتهال والدعاء. وأنا أقرأ دائماً في الزيارة «دعاء مكارم الأخلاق» للإمام السجاد(ع). وقد وقفت عند نقطة جديرة بالتأمل، وعلى حد تعبير الحاج ملا هادي السبزواري «قابلة للتأمل»؛ وهي العلاقة بين القدرة والتبيين، والتناسب بين الفعل والبيان. وأرى أن هذه العلاقة من أهم وأدق الموضوعات التي نحتاج إليها في هذه الأيام العصيبة، وإن كانت مشرقة. إن دعاء مكارم الأخلاق كنز من الحكمة والفن والذوق بكل ما تحمله الكلمة من معنى. والعلاقة بين فقرات الدعاء، التي يفصل بينها ثلاثون صلاة، وكل قسم منها يضم مجموعات فرعية متألقة، قصة أخرى آسرة: «اللهم اجعل لي يداً على من ظلمني ولساناً على مَن خاصمني». أي: «اللهم امنحني قدرةً على أن أغلب مَن ظلمني، ولساناً بليغاً أظفر به على مَن يخاصمني».

إن الجمع بين «اليد» و«اللسان» في هذا الدعاء جدير بالتفكر والعبرة. فالقدرة والقوة، إن لم تقترن بسردٍ واضح وتبيينٍ مؤثر، تبقى قدرةً قاصرة صامتة. ولو لم تُستكمل واقعة كربلاء وعاشوراء برسالة السيدة زينب الكبرى(س) ـ حاملة رسالة عاشوراء ـ والإمام السجاد(ع)، لما اكتملت. فلو لم تقل زينب(س): «ما رأيت إلا جميلاً» وتقدم بذلك تفسيراً مختلفاً لجوهر الجمال على مر التاريخ؛ ولو لم تخطب في قصر يزيد وتبقَ كلماتها، لما كان بأيدينا أول سردية تنويرية لكربلاء وعاشوراء.

 

وفي الحرب المفروضة التي استمرت ثماني سنوات، توجّه شبابنا إلى الجبهات؛ لكنهم من جهة أخرى كانوا ـ عبر وصاياهم ـ رواة مظلوميتهم. واليوم، في الحرب المركبة متعددة الطبقات التي نواجهها، من البديهي أن قدرة البلاد الدفاعية؛ من صناعات الصواريخ الباليستية الإيرانية والطائرات المسيّرة، إلى الإرادة الفولاذية للمقاتلين والإيمان المتألق للقادة والجنود، ولا سيما القيادة المتميزة والإرادة المصقولة في بوتقة الإيمان والحكمة لقائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي، تمثل ركن القدرة على الدفاع عن إيران والثورة والنظام؛ لكن التبيين واللسان البليغ في الحرب المركبة ـ التي يشكل جانبها البرمجي حرباً نفسية ـ يحتاجان إلى مزيد من التفكير، واستخلاص العبر من التجارب، ومراجعة الأخطاء.

 

أولاً: لم نتمكن ـ كما فعلنا في ميدان تقابل القدرات عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وتوفير معلومات دقيقة ومذهلة عن نقاط عسكرية وأمنية وعلمية وتقنية حساسة لدى العدو ـ من الظهور بالقوة نفسها في الحرب النفسية. فكما أن استهداف 21 نقطة استراتيجية في فلسطين المحتلة خلال الحرب المفروضة التي استمرت اثني عشر يوماً أجبر الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على اقتراح وقف إطلاق النار على عجل، فإننا لم نظهر بتلك القدرة في الحرب النفسية.

 

فأين مكمن الخلل؟ ولماذا استطاع أعداء إيران في أحداث الشغب والاضطرابات والحرب الحضرية والإرهاب في شهر دي من هذا العام (كانون الثاني/ يناير) أن يحشدوا جمهوراً من الشباب والناشئة إلى جانبهم؟ إن لم نشخّص المسألة على نحو صحيح، سنخطئ في فهمها، ومن دون فهم دقيق، ستكون الحلول التي نتصورها خاطئة بطبيعة الحال.

 

ثانياً: في ميدان القدرة العسكرية اعتمدنا على الشباب. فعلى سبيل المثال، عندما أُطلقت ثلاثة أقمار صناعية إيرانية في 28 ديسمبر/ كانون الأول 2025، وهي: «بايا»، و«ظفر 2»، و«كوثر 1.5»، ووضعت في مدار على ارتفاع 500 كيلومتر من سطح الأرض، كان ذلك ثمرة اعتمادنا على طاقات الشباب. وبالمثل، ينبغي أن نعتمد عليهم في ميادين السياسة والثقافة والمجتمع والاقتصاد.

 

ونظرة سريعة إلى عالم الإدارة في الدول المتقدمة تظهر أن متوسط بقاء الشخصيات في السياسة غالباً عقد واحد من الزمن. صحيح أن هناك من هو استثناء منقطع مثل ترامب، الذي يريد أن يبقى رئيساً إلى الأبد، وقد قال إنه ينبغي وضع ملصق يحمل اسمه وصورته على حقائب المسافرين في المطارات! لكن القاعدة هي المؤقتية. فعندما يغادرون مناصبهم، يقضون أعمارهم وخبراتهم في مؤسسات بحثية أو في خدمات اجتماعية.

 

وقد قال الإمام علي(ع) في توصيف موقع الشاب والشيخ: «فكر الشيخ وحضور الشاب». أي أنه ينبغي الاستفادة من «فكر وخبرة» الكبار مع «حضور» الشباب.

 

ثالثاً: شهدنا في الحرب النفسية ضد إيران والشعب الإيراني والثورة الإسلامية والجمهورية الإسلامية، أن الأعداء نجحوا عبر تخطيط طويل الأمد في تغيير أنماط الحياة وأساليب التفكير والقيم والطموحات خلال العقدين الأخيرين. فعندما لا يؤمن شاب في الفضاء الاجتماعي بالقيم الدينية أو الوطنية أو حتى الإنسانية، بل يتجاوز ذلك إلى السباب، فهذا يعني أننا لم ننجح ـ كما ينبغي ـ في استخدام إمكانات الإذاعة والتلفزيون والمساجد والمحافل والمدارس والجامعات لنعلّم أبناءنا فهماً منطقياً ومقنعاً أو لنقنعهم به.

 

إن تعليم هذا الفهم يحتاج إلى «بيئة مناسبة»، وهذه البيئة لا تُبنى إلا إذا عرفنا لغة الجيل الجديد وتطلعاته. فعلى سبيل المثال، طُرح منذ سنوات موضوع مشاركة النساء في الحكومة، لكن بعض المعارضات المؤسفة أدت إلى تأجيل الأمر وتسويفه.

 

وكانت الفتيات يرغبن في دخول الملاعب الرياضية، بينما رفع البعض راية الرفض. وكان واضحاً أنهم لا يعرفون المجتمع ولا يراعون مقتضيات الزمان.

 

عندما يتحدث الإمام السجاد(ع) عن اللسان البليغ في مواجهة الخصومة، فعلينا أن نعرف طبيعة الخصومة وأساليب العداء. فالعدو يصر ليل نهار على أن الإسلام والدين يتعارضان مع الحياة، ونحن أحياناً نتصرف بما يؤكد روايته. ومن الأمثلة اللافتة، اتهام الجمهورية الإسلامية بعدم الاعتراف بحقوق أتباع الديانات الأخرى. لكن المبادرة الرمزية الجميلة من بلدية طهران في تسمية إحدى محطات قطار الأنفاق (المترو) باسم السيدة مريم(ع)، كانت تبييناً بليغاً حظي بصدى عالمي واسع.

 

وبالمثل، ينبغي أن يكون لقادة الديانات التوحيدية في إيران حضور حقيقي في الإذاعة والتلفزيون والمناسبات، وأن تُنشر رسائلهم ليشعروا بأنهم جزء حقيقي ومؤثر من الأمة الإيرانية.إنني أقصد أن التبيين يختلف عن المجاملة. فالله تعالى أوصى آل داود بقوله: «اعملوا آل داود شكراً» (سبأ/15)، أي أن الشكر له بعد عملي وليس مجرد لفظ.

 

إن شباب إيران من أعظم نعم هذا الشعب. وهم يحققون كل شهر إنجازات علمية ورياضية جديدة. وكما تألقوا في ميادين العلم والرياضة، ينبغي أن يحضروا في ميدان إدارة التبيين أيضاً. فقدرة الأمة والدولة، إن لم تقترن بقدرة على التبيين، تبقى ناقصة، ونضطر حينها إلى تحمل خسائر فادحة وجراح عميقة قد يطول التئامها. لذلك، كما نأخذ «القدرة» على محمل الجد، يجب أن نأخذ «التبيين» بالجدية نفسها.

 

رابعاً: بصرف النظر عن دور الإذاعة والتلفزيون ووزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، فإن المجتمع الحوزوي ورجال الدين في بلادنا ـ لأسباب كثيرة ـ يتحملون مسؤولية كبرى في تبيين الدين والثورة. “على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ” أي من يكون في موقع أعلى، تكون مسؤولياته أثقل. ومن أهم ميادين جهاد التبيين شرح الأسس الدينية والقيم الروحية. لأنه إذا فقدت المؤسسة الدينية مرجعيتها لدى الجيل الجديد، فسنشهد جيلاً منفلتاً بلا طموح، قليل الصبر، وربما هدّاماً.

 

عندما كنت في بغداد، تحدثت مطولاً مع مفكرين عراقيين عن موقف الشباب من القيم الدينية؛ وهو موضوع جدير بالتأمل. إن نظرة عميقة إلى أحداث الشغب والاحتجاجات وحتى الإرهاب في شهر دي (كانون الثاني/ يناير)، تعلمنا أن من الضروري دراسة المسألة بروية وتأنٍّ أكبر.

 

المصدر: الوفاق خاص / عطاء الله مهاجراني

الاخبار ذات الصلة