عندما بدأت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني عدوانهما العسكري على إيران، كانت روسيا من أوائل الدول التي ردت، معتبرةً هذا العمل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.
فمن الإدانة الرسمية لوزارة الخارجية إلى المواقف الحازمة للمسؤولين السياسيين والحركات الدبلوماسية في مجلس الأمن.
عندما بدأت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني عدوانهما العسكري على إيران، كانت روسيا من أوائل الدول التي ردت، معتبرةً هذا العمل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.
فمن الإدانة الرسمية لوزارة الخارجية إلى المواقف الحازمة للمسؤولين السياسيين والحركات الدبلوماسية في مجلس الأمن، سعت موسكو في الأيام الأخيرة إلى الحفاظ على مسارات سياسية فعّالة لاحتواء الأزمة والعودة إلى الدبلوماسية، مع انتقادها للهجوم العسكري.
عندما بدأت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني عدوانهما العسكري على إيران يوم السبت 29 مارس/آذار، كانت روسيا من بين الدول التي ردت في الساعات الأولى، وأصدرت وزارة خارجيتها بيانًا تدين فيه هذا العمل.
وفي هذا البيان، وصفت موسكو الهجوم العسكري على الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنه انتهاك للمبادئ والقواعد الأساسية للقانون الدولي، وأعربت عن قلقها إزاء تداعياته على الاستقرار الإقليمي والنظام القانوني الدولي.
كما أكد السلك الدبلوماسي الروسي أن هذه الهجمات “نُفذت مرة أخرى تحت غطاء عملية التفاوض؛ وهي عملية مصممة على ما يبدو لتطبيع العلاقات مع إيران على المدى البعيد”.
أوضحت وزارة الخارجية الروسية أن هذا الإجراء اتُخذ في ضوء الإشارات التي بُثت إلى روسيا والتي أشارت إلى عدم رغبة إسرائيل في الدخول في صراع عسكري مع إيران؛ وهي مسألة تُزيد، من وجهة نظر موسكو، من تعقيد الموقف وتُحتّم تجنّب تصعيد التوترات.
في الوقت نفسه، أدان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني، الهجوم العسكري “غير المبرر” الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل، واصفًا إياه بأنه انتهاك صارخ لمبادئ وقواعد القانون الدولي.
وأكد أن موسكو مستعدة للعمل في المحافل الدولية، بما في ذلك مجلس الأمن الدولي، لإيجاد حل سلمي قائم على القانون الدولي والاحترام المتبادل وتوازن المصالح؛ وهو إجراء رافقه طلب روسيا، إلى جانب الصين بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، عقد اجتماع طارئ للمجلس في اليوم الأول للعدوان.
في غضون ذلك، كان لتصريحات وزير الخارجية الروسي الموجهة إلى قادة الدول العربية المطلة على الخليج الفارسي صدى واسع في الفضاء الإلكتروني ووسائل الإعلام في المنطقة.
قال لافروف، في بيان حادّ موجه إلى هؤلاء القادة العرب الذين انتقدوا إيران لدفاعها عن نفسها واستهدافها مصدر الهجمات الأمريكية: “لقد صرّح العديد منكم علنًا بأن الوضع لا ينبغي أن يؤدي إلى حل عسكري وأنكم لن تسمحوا باستخدام مجالكم الجوي؛ ولكن عندما بدأ كل شيء، هل أدنتم أعمال الولايات المتحدة وإسرائيل؟! هل أدنتم قصف 170 فتاة؟!”.
وأضاف وزير الخارجية الروسي: “لقد سمعت أن بعض دولكم، حتى البحرين، تخطط لتقديم قرار إلى مجلس الأمن يقتصر على إدانة إيران، دون أن ينبس ببنت شفة عن أعمال الولايات المتحدة وإسرائيل.
إننا ندعو إلى جبهة موحدة لإنهاء هذه الحرب، فإذا كنتم تقولون ببساطة إن إيران لا تملك الحق في ردّ فعّال، فإنكم بذلك تشجعون الولايات المتحدة وإسرائيل على مواصلة جرائمهما، وهذا لا يتفق مع أي منطق”.
انتقادات حادة من موسكو في مجلس الأمن؛ أمريكا وإسرائيل تخونان الدبلوماسية
في الأول من مارس/آذار، انتقد فاسيلي نيبينزيا، سفير روسيا ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، بشدة الهجوم العسكري الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران خلال اجتماع لمجلس الأمن، مصرحًا بأن البلدين “هاجما إيران مجددًا في خضم المفاوضات”، ووفقًا له، “خانتا الدبلوماسية”.
وأكد المندوب الروسي في الاجتماع أن العمل العسكري ضد إيران جرى في وقت كانت فيه القنوات الدبلوماسية لا تزال فعّالة، وأن هذا الهجوم يمثل ضربة قوية للجهود السياسية الرامية إلى حل الخلافات.
في بداية كلمته، انتقد نيبينزيا أيضًا طريقة تحديد جدول أعمال الاجتماع، قائلًا إن الاجتماع الطارئ لمجلس الأمن لمناقشة الهجوم على إيران عُقد تحت عنوان “الوضع في الشرق الأوسط”، بينما دعت روسيا والصين إلى عقد الاجتماع تحت عنوان “التهديدات للسلم والأمن الدوليين”.
اعتبر السفير الروسي جهود بريطانيا، بصفتها الرئيس الدوري لمجلس الأمن، لـ”التقليل المصطنع من مستوى الخطر” غير مقبولة، مضيفًا أن طلب موسكو وبكين دعوة جيفري ساكس، الأستاذ بجامعة كولومبيا، لتقديم توضيحات في الاجتماع قد رُفض أيضًا.
ثم شرح السفير الروسي أهداف وأعمال المعتدين في اليوم الأول من الهجمات، بما في ذلك استهداف مدرسة في ميناب، وأكد أن تصرفات الولايات المتحدة وإسرائيل كانت “عدوانًا غير مبرر” على دولة عضو مستقلة ذات سيادة في الأمم المتحدة، وأن هذا العمل يُعد انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي.
كما أوضح نيبينزيا أن الهجوم لا علاقة له بالبرنامج النووي الإيراني، وأنه لم يؤكد أي مصدر موثوق مزاعم الولايات المتحدة وإسرائيل بأن إيران كانت تسعى لبناء سلاح نووي.
واختتم حديثه بالتذكير بأن روسيا قدمت أيضًا مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي في اليوم السابق لإنهاء النزاع.
نقاش واسع النطاق في الأوساط السياسية الروسية؛ كشف مُدّعي السلام عن وجهه الحقيقي مرة أخرى
لم تقتصر ردود الفعل في روسيا على الموقف الرسمي لوزارة الخارجية، بل انتقد عدد من الشخصيات السياسية والأمنية في البلاد الهجوم العسكري الأمريكي والإسرائيلي على إيران في تعليقات منفصلة.
وأشارت هذه المواقف، التي ظهرت بعد ساعات من بدء العدوان، إلى جانب إدانة موسكو الرسمية، إلى القلق البالغ الذي يساور الأوساط السياسية الروسية حيال تداعيات هذا العمل على الاستقرار الإقليمي والنظام الدولي.
وفي السياق نفسه، كتب ديمتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، على قناته في تطبيق تيليجرام يوم السبت، بعد ساعة من بدء العدوان: “كانت جميع المفاوضات مع إيران مجرد غطاء؛ لم يكن لدى أحد أي شك في ذلك؛ لم يكن أحد يرغب حقًا في التفاوض على أي شيء”.
وفي إشارة إلى مزاعم دونالد ترامب بشأن إنهاء الحروب، أضاف: “هذا المُدّعي! كشف عن وجهه الحقيقي مرة أخرى”.
صرح ميدفيديف في مقابلة مع وكالة تاس للأنباء أن عدم رد إيران بجدية على تحركات الولايات المتحدة وإسرائيل لا يعني انعدام خياراتها، بل يدل على أن طهران تعرف كيف تنتظر.
وأضاف: “الإيرانيون أصحاب حضارة عريقة، وهم يعرفون كيف ينتظرون”. وشدد الرئيس الروسي السابق على أن ترامب ارتكب “خطأً فادحاً” بمهاجمة إيران، وأن هذا القرار عرّض جميع الأمريكيين للخطر.
وفي جزء آخر من خطابه، حذر من أن استمرار هذا النهج قد تكون له عواقب وخيمة على النظام الدولي.
ورداً على سؤال حول احتمالية اندلاع حرب عالمية ثالثة، قال ميدفيديف: “من الناحية الفنية، ليس بالضرورة، ولكن إذا واصل ترامب مساره المجنون لتغيير النظام، فستندلع الحرب بلا شك، وأي حدث قد يكون شرارتها”.
كما أدان أندريه كارتابولوف، رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الروسي، العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران، قائلاً: “إيران ترد؛ رد قوي وفعال وجدير”.
كما أكد أن الأمريكيين سيدركون قريبًا أن العدوان الحالي على إيران خطوة خاطئة تمامًا.
وقال ليونيد سلوتسكي، رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما الروسي: “في النظام العالمي الذي يتصوره ترامب، والذي ينهار اليوم، يعتبر نفسه مركز صنع القرار العالمي”.
وترددت أصداء كلمات أندريه كلاين، سفير روسيا الاتحادية، في الأوساط الإعلامية بين السياسيين والدبلوماسيين الروس.
فقد دعا هذا الدبلوماسي الروسي الرفيع، في الوقت الذي انتقد فيه نهج الغرب تجاه هذا العدوان، إلى إنهاء الحرب فورًا، قائلاً: “تدعم موسكو إيران في حربها مع الولايات المتحدة”.
تسعى موسكو لاحتواء الأزمة؛ من التحركات الدبلوماسية إلى المبادرات متعددة الأطراف
باختصار، تُظهر مجموعة المواقف الرسمية وغير الرسمية في روسيا أن موسكو لا تنظر إلى الهجوم العسكري الذي شنته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران على أنه مجرد حدث عسكري، بل كنقطة تحول حاسمة في عملية إضعاف الآليات الدبلوماسية وقواعد القانون الدولي.
إن التأكيد المتكرر من جانب المسؤولين الروس على “خيانة الدبلوماسية” وضرورة العودة إلى مسار الحوار يعكس قلق البلاد من أن استمرار هذه العملية قد يُشكل تحديًا خطيرًا ليس فقط لاستقرار الشرق الأوسط، بل أيضًا لمصداقية المؤسسات متعددة الأطراف ونظام حل النزاعات سلميًا.
في ظل هذه الظروف، يمكن لروسيا أن تلعب دورًا في احتواء الأزمة بعدة طرق. أولًا، إبقاء القنوات الدبلوماسية فعّالة على مستوى القوى الكبرى؛ ويمكن تقييم الاتصال الذي تم بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي طُرحت خلاله، وفقًا لمساعد الرئيس الروسي، مجموعة من الاعتبارات للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي للقضية الإيرانية بأسرع وقت ممكن، في هذا السياق.
ثانيًا، استخدام القدرات متعددة الأطراف في مؤسسات مثل مجلس الأمن الدولي؛ حيث حاولت موسكو، بالتعاون مع الصين، في الأيام الأخيرة إثارة قضية الهجوم على إيران باعتبارها تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، وتقديم مسودات لإنهاء الصراع.
ثالثًا، لعب دور الوسيط أو الميسر بين الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية. دورٌ سبق لروسيا أن اضطلعت به في بعض أزمات الشرق الأوسط، ويمكنها أن تضطلع به عبر الحوار مع دول المنطقة، ولا سيما الحكومات العربية، لخفض حدة التوتر.
وتُظهر نتائج هذه التحركات أن موسكو تسعى إلى استخدام قدراتها الدبلوماسية لمنع تفاقم الأزمة، مع الحفاظ على موقف نقدي تجاه العمل العسكري للولايات المتحدة وإسرائيل؛ وهو نهج، وإن لم يكن ضماناً لوقف فوري للتوترات، إلا أنه قد يكون أحد السبل القليلة المتبقية لإعادة ملف إيران من ساحة المواجهة العسكرية إلى طاولة المفاوضات.