“الوزيعة”.. لكلٍّ نصيبٌ متساوٍ من “أضحية رمضان”

تحت صوت التكبيرات والتسبيح والصلوات على الرسول، يتقدّم كبار القرية لذبح العجول. بعدها، يبدأ الشباب بسلخها ثمّ تقطيعها، قبل أن  يتولّى الشيوخ –تقديراً لمكانتهم- عملية تقسيمها بالعدل والتساوي على العائلات

2023-04-05

كمدينة نمل أو خلية نحل تصبح قرى منطقة القبائل في الجزائر أثناء إقامة “الوزيعة”. الجميع من دون استثناء يشاركون في إحياء هذه العادة القديمة، القائمة على المشاركة في شراء الأضاحي وذبحها وتقاسم لحومها بالتساوي بين العائلات عشيّة شهر رمضان أو في منتصفه أو عند نهايته وفي مناسبات أخرى دينية واجتماعية.

تحت صوت التكبيرات والتسبيح والصلوات على الرسول، يتقدّم كبار القرية لذبح العجول. بعدها، يبدأ الشباب بسلخها ثمّ تقطيعها، قبل أن  يتولّى الشيوخ –تقديراً لمكانتهم- عملية تقسيمها بالعدل والتساوي على العائلات، فترى أكياس اللحم ممتدّة على اتساع البصر، لا يزيد الواحد منها ولا ينقص عن الآخر، ويكون لكل أسرة نصيب أو “سهم” منها.

وبعد الانتهاء من عملية التوزيع، يُفسح المجال أمام الصغار للقيام بالتنظيف وإزالة مخلفات الذبح.

عادة قديمة هذّبها الإسلام

“الوزيعة” المشتقّة لفظاً من “التوزيع”، أي توزيع كمية من اللحوم بطريقة متساوية، تسمّى بالأمازيغية “ثيمشرط”، وتعرف أيضاً باسم “السهمة”، نسبة إلى السّهم (النصيب) المتساوي من اللحم لكل عائلة، وهي عادة متأصّلة ومتجذّرة في عادات الجزائريين وأهل منطقة القبائل على وجه الخصوص.

يعود تاريخ “ثيمشرط”، بحسب المؤرخين، إلى ما قبل الفتح الإسلامي في المنطقة. يؤكّد ياسين بوعاش، منسّق زوايا تيزي وزو والمشرف على زاوية “سيدي منصور الجنادي” (هيئة دينية تخضع لسلطة وزارة الأوقاف)، أن هذا الطقس يقام عند انطلاق موسمي الحرث والحصاد وفي بداية الربيع، أملاً بحلول “البركة”، بحسب معتقدات أهل المنطقة قديماً.

لم يتخلّ الأهالي عن هذه العادة عند مجيء الإسلام الذي “هذّبها وأدّبها وصوّبها ومنحها بعداً دينياً، لتصبح نوعاً من أنواع التكافل والتعاون على الخير والصدقة”، وهي “عادة لها أهداف متعدّدة وأبعاد حضارية، تتجلّى في ترابط أفراد المجتمع وتمسكهم بعادة كانت موجودة قبل الإسلام، وما زالت مستمرة من دون أن تتعارض معه، بل تماهت مع قيمه الإنسانية ومقاصده النبيلة”، بحسب بوعاش.

“الوزيعة” حاضرة في كل المناسبات

تقام “الوزيعة” غالباً في المناسبات الدينية، وتكون في أواخر شهر شعبان أو الفاتح من رمضان وفي منتصفه، وفي عيدي الفطر والأضحى، وفي عاشوراء والمولد النبوي الشريف.

وتقام أيضاً في مناسبات اجتماعية، كرأس السنة الأمازيغية “يناير”، وبداية موسمي الحرث وقطف الزيتون، ويكون الهدف منها لمّ شمل أفراد القرية من أجل التعاون على حرث الأرض وجني المحاصيل جماعة، كسباً للوقت والجهد المبذول في العمل الفردي.

تخضع هذه العادة لنظام تحدّده “ثاجمعت” (الجماعة) أو “جمعية القرية”، مثلما يوضح  زروق جيجيك، رئيس جمعية قرية آمْزينْ في منطقة بَني وَرْتيلان في سطيف شرق الجزائر العاصمة؛ فعند اقتراب حلول مناسبة دينية، مثل رمضان أو عيد الفطر، يجتمع الأعيان للتشاور حول مكان إقامة “الوزيعة” وموعدها.

ويدون في دفتر خاصّ عدد العائلات في القرية، ويحدّد عدد الميسور منها والمحتاج، كما يحدّد الأيتام والأرامل، وتُشكّل لجنة خاصة تتألف من أشخاص ملمّين بالتجارة من أجل شراء العجول.

بعد ذلك، يخرج الأعيان إلى “الرحبة”، أي ساحة القرية، ويبسطون حصيراً، وينادي “البرّاحْ” (المنادي) بفتح باب المساهمات أمام الأغنياء فقط، فيتقدّم المتصدّقون الواحد تلو الآخر ويضعون صدقاتهم على الحصير.

عند انتهاء اليوم، يجمع المكلّف بالمالية المبلغ، ثمّ يطرحه من ثمن شراء الأضاحي، والنتيجة المتبقية يتم تقسيمها على عدد العائلات الميسورة ومتوسطة الدخل لحساب ما عليها دفعه من أجل “الوزيعة”. أما العائلات الفقيرة ومحدودة الدخل والأرامل والأيتام، فهي مستثناة من دفع أي مبلغ مالي، وتأخذ نصيبها بالمجّان.

مناسبة للالتقاء 

 يرى كمال سليماني، رئيس جمعية “مفاتيح الحياة” للثقافة والتراث، أن يوم إقامة الوزيعة هو “مناسبة تتواصل فيها الأرحام، ويلتقي الجيران والعائلات، ويعود الأبناء المهاجرون إلى حضن قريتهم، ليس بهدف تقاسم الطعام أو اللحم، إنما من أجل تشارك تلك اللحظات الفريدة من التآزر والتآخي وزرع السعادة التي لا يجدونها في أيّ مكان آخر، بل إن كثيراً من هؤلاء يدفعون حصّتهم ولا يأخذون نصيبهم ويتنازلون عنه للفقراء”.

تقسم لحوم الأضاحي بالتساوي ميزاناً ونوعاً على جميع أسر القرية. أما رؤوس العجول (بوزْلُّوفْ باللهجة المحلّية)، فتعرض للبيع بالمزاد، وتعود أموالها إلى خزينة القرية التي يسيّرها المسجد من أجل الاستفادة منها في أعمال إنسانية أخرى.

وقد يباع الرأس الواحد في مقابل 40 ألف دج، أي ما يعادل نحو 200 دولار. وكما يؤكّد رئيس جمعية “مفاتيح الحياة”، فإن هذا السعر “الخيالي” لرأس ماشية سببه تسابق المزايدين أيّهم أكبر صدقة. لذلك، يعتبرون أن “رأس الوزيعة” من علامات “البركة” لا تقاس بثمن.

رمزية عظيمة!

يرى منسق الزوايا ياسين بوعاش أن “المساواة” هي أعظم قيمة في هذا التقليد، ويقول: “مثلما يساوي رداء الإحرام بين الحجيج، ولا يميّز الفقير من الغني، تزيل “الوزيعة” الفوارق بين العائلات الميسورة والمحتاجة، وتجعل طعام كلاهما سواء، ما يلغي الفوارق الاجتماعية والتفاوت الطبقي، ولو في المناسبات”.

أما القيمة الثانية، فهي “المشاركة” التي تتجاوز توزيع اللحم إلى “تقوية التماسك الاجتماعي بين أفراد القرية الواحدة، إذ تربط بينهم كجسد واحد، وتجمعهم على مائدة الإسلام والقرآن والتكافل والتآزر والتغافر والتسامح ونبذ الخلافات والفروقات”.

بدوره، يرى الدكتور سعيد بويزري، عضو المجلس الإسلامي الأعلى، أن “الوزيعة” تنمّ عن “إدراك أسلافنا أن الغاية النبيلة لا يمكن أن تُدرك بالفردانية، وأن النجاح صناعة جماعية، وأن القوة أو العظمة تستلزم مقوّمات يستحيل أن تتوفر في فرد واحد، مهما عَظُمَ، إنما تكون في مجموعة من الأفراد مُتَّحدة كاتحاد الأعضاء في جسد واحد”.

لذلك، عمَدوا إلى “ترسيخ المصلحة الجماعية في عقول أبنائهم، بعدما اقتنعوا بها وجسّدوها في واقعهم في الأفراح والأتراح، وفي كلّ المناسبات التي تستدعي تضافر الجهود والمشاركة الجماعية، وهدفهم الأسمى تقديم العون والمواساة وقضاء الحوائج”.

 

المصدر: الميادين

الاخبار ذات الصلة