انعكاسات الحرب على إيران في وسائل الإعلام العالمية؛ بروز جيل جديد مناهض لأمريكا

بعد مرور 34 يومًا على بدء العدوان العسكري الأمريكي والصهيوني على إيران، لم تتحقق الأهداف المعلنة لهذه العملية فحسب، بل باتت تتضح بشكل متزايد دلائل على وصول المعتدين إلى طريق مسدود استراتيجي وهزائم ميدانية وسياسية. هذه الحرب، التي بدأت بهجمات واسعة النطاق وقتل مدنيين، بمن فيهم طلاب أبرياء، سرعان ما اكتسبت أبعادًا إنسانية وأمنية واقتصادية واسعة النطاق، وأثارت ردود فعل متباينة في وسائل الإعلام الدولية.

حاولت وسائل الإعلام العالمية، كلٌّ منها بمنهجها الخاص، تشكيل سردية هذه الحرب؛ ويمكن أن يوفر فحص هذه الانعكاسات صورة أوضح عن حقيقة وضع الحرب وآفاقها.
وسائل الإعلام الغربية
كتبت بلومبيرغ في تقرير لها: “في الأول من أبريل، لم يوجه دونالد ترامب، في خطابه للشعب الأمريكي والرأي العام العالمي، رسالة محددة واحدة بشأن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بل وجه جميع الرسائل الممكنة دفعة واحدة. قال إن الصراع “على وشك الانتهاء”، لكنه حذر مجدداً على الفور من أنه في حال “عدم التوصل إلى اتفاق”، فقد توسع الولايات المتحدة نطاق هجماتها باستهداف محطات الطاقة الإيرانية. كما أكد ترامب أن الولايات المتحدة “على المسار الصحيح لتحقيق جميع أهدافها العسكرية، وقريباً جداً”، لكنه استمر في الادعاء: “لم نتحدث قط عن تغيير النظام”؛ بينما ألمح في الوقت نفسه إلى أن النظام الحاكم، رغم بقائه في السلطة، قد تحول بطريقة ما، لأن القوات الأمريكية والإسرائيلية قتلت عدداً كبيراً من قادته. وادعى ترامب مرة أخرى أن الولايات المتحدة “دمرت بالكامل” المنشآت النووية الإيرانية العام الماضي، حتى مع تزايد الأدلة التي تشير إلى أن إيران نقلت اليورانيوم المخصب بأمان إلى مواقع أخرى قبل تلك الهجمات. وهو يعلم ذلك بنفسه، لأنه بينما يفكر في إصدار أوامر للقوات البرية بالاستيلاء على… على الرغم من قلة المعلومات، إلا أنه يخشى أن تتحول هذه المهمة إلى مستنقع عسكري. قال بثقة: “نحن نملك زمام الأمور، وهم لا يملكون شيئًا”. ومع ذلك، يواصل النظام الإيراني اتخاذ خطوات تُفاجئ الإدارة الأمريكية، وأبرزها إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي أدى إلى اضطراب الاقتصاد العالمي. جاء خطاب ترامب بعد أيام من رسائل متضاربة ومُربكة بشكل متزايد، لا تُشير إلى النصر بل إلى العجز.
وكتبت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها: “يدرك وزراء الدفاع الأمريكيون السابقون، ممن لديهم خبرة مباشرة في اتخاذ قرار إرسال القوات العسكرية إلى ساحات المعارك الخطرة، أن إرسال العسكريين والعسكريات إلى ساحة المعركة مسؤولية جسيمة ومصيرية. في مثل هذه الظروف، يُعدّ وجود هدف واضح، واستراتيجية واضحة لتحقيق هذا الهدف، ورؤية لإنهاء الحرب وإعادة القوات إلى الوطن ضرورة لا غنى عنها. عندما تُعلن دولة ما الحرب، يجب أن يتفق الرئيس والكونغرس والرأي العام على هذا القرار”. يتمركز حاليًا أكثر من 50 ألف جندي أمريكي في الشرق الأوسط، وتشير التقارير إلى أن دونالد ترامب يدرس إرسال قوات في مهمة للاستيلاء على اليورانيوم الإيراني أو احتلال جزيرة خارك. كلتا العمليتين تنطويان على مخاطر جسيمة، وقد تؤديان إلى خسائر بشرية فادحة وإطالة أمد الحرب. كل هجوم أو قتيل غير مبرر ينتج عن هذه الحرب سيؤدي إلى تعزيز المشاعر المعادية لأمريكا في الشرق الأوسط وخارجه، وقد يمهد الطريق لتشكيل جيل جديد من الجماعات المعادية لأمريكا؛ جيل سيواجه تهديدات خطيرة للولايات المتحدة وحلفائها في المستقبل، وسيزيد من حدة الصراعات في المنطقة، بل وقد يجبر حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين، كالبحرين والإمارات، على إخراج القواعد العسكرية الأمريكية من أراضيهم لمنع المزيد من الهجمات. إذا أرادت الولايات المتحدة تجنب العزلة العالمية والحفاظ على عهد الازدهار والأمن الذي شهده العالم على مدى السنوات الثمانين الماضية، فعليها تغيير مسارها.
وكتبت وكالة رويترز في تقرير لها: “حرب كان من المفترض أن تسحق إيران قد تجعل طهران أقوى والخليج الفارسي أكثر عرضة للخطر”. إذا أنهى دونالد ترامب الحرب مع إيران دون التوصل إلى اتفاق، فهناك خطر يتمثل في أن طهران، من خلال الحفاظ على نفوذها على موارد الطاقة في الشرق الأوسط، ستُورِّط دول الخليج الفارسي في تبعات الحرب. بالنسبة لدول الخليج الفارسي، يُشكِّل إنهاء الحرب دون ضمانات واضحة بشأن ما سيحدث لاحقًا تهديدًا خطيرًا، إذ ستتحمَّل المنطقة تبعات حرب قد تنتهي في نهاية المطاف لصالح إيران. تكمن المشكلة الرئيسية في وقف الحرب دون تحقيق نتيجة ملموسة. قد يُوقف ترامب الحرب، لكن ذلك لن يعني وقف إيران. هذا الخلل هو جوهر قلق دول الخليج الفارسي: أن تخرج إيران منتصرة، وبقوة تفاوضية أكبر، تُهدِّد خطوط الملاحة وتدفقات الطاقة والاستقرار الإقليمي، بينما تتحمَّل دول الخليج الفارسي التكاليف الاقتصادية والاستراتيجية لنزاع لم يُحسم.
ذكر موقع “الدبلوماسية الحديثة” في تقرير له: “تلاشت الآمال في إنهاء سريع للصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بعد خطاب ترامب الليلي. فقد أعلن في هذا الخطاب تصعيد العمليات العسكرية، بما في ذلك إمكانية مهاجمة البنية التحتية للطاقة والنفط الإيرانية، دون تقديم جدول زمني واضح لإنهاء الصراع. وأدى هذا الموقف إلى زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق وتصاعد التوترات الجيوسياسية، ما دفع سعر النفط إلى تجاوز 108 دولارات للبرميل، كما تأثرت أسواق الأسهم العالمية سلبًا. ووصف ترامب الحرب بأنها عملية قصيرة الأجل وحاسمة، وزعم أن إيران ستعود إلى العصر الحجري. إلا أن المحللين والمستثمرين شككوا في هذا التقييم، وأكدوا أن تصريحات الرئيس الأمريكي لم تتضمن استراتيجية أو خطة واضحة للخروج من الحرب. إن استمرار الصراع العسكري قد يؤدي إلى تصعيد الأزمة، وتراجع الثقة العالمية في أمن الطاقة، والتجارة الدولية، والاستقرار الإقليمي.”
وسائل الإعلام العربية والإقليمية
كتب حسن نافع في مقالٍ نُشر على موقع الميادين: الحرب الحالية ظاهريًا حربٌ أمريكية إسرائيلية ضد إيران، لكنها في الحقيقة حربٌ ضد جميع الدول العربية والإسلامية لصالح مشروع “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات. لم تكن إيران تُشكّل تهديدًا للولايات المتحدة، وكان برنامجها النووي سلميًا، ولم يكن الهدف تغيير النظام؛ بل كان الهدف الرئيسي هو منع أي تقدم قائم على استقلال إيران واكتفائها الذاتي. وبسبب الانتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها (من قطر والبحرين إلى العراق والأردن)، فإن الدول العربية عمليًا لا تملك إرادةً تُذكر، وقد انخرطت رغماً عنها في حربٍ تُخالف مصالحها. تدعم الدول العربية موقف إيران انطلاقًا من إدراكها الفطري لشرعية هذا الموقف، لكن الحكومات العربية، إما بصمتٍ أو بتواطؤٍ مع الولايات المتحدة وإسرائيل، عرّضت نفسها لأسوأ سيناريو، ألا وهو حربٌ عربية إيرانية طويلة الأمد. يؤكد الكاتب أن إيران جارة دائمة للمنطقة، لكن إسرائيل ستتلاشى مع تراجع النفوذ الأمريكي وظهور نظام متعدد الأقطاب جديد، شريطة أن تستعيد الدول العربية حريتها.
وفي مقال لأحمد كامل، سردت قناة الجزيرة الأسباب الرئيسية لعجز الجيش الأمريكي عن السيطرة على مضيق هرمز، وهي:
1. جغرافية المضيق وطبيعته: يبلغ عرض المضيق 34 كيلومترًا فقط في أضيق نقطة، وعمقه حوالي 60 مترًا. هذه الخاصية تحدّ من مساحة المناورة للسفن الكبيرة، وتخلق ظروفًا مثالية لزرع الألغام.
2. فعالية الألغام البحرية من حيث التكلفة: يمكن للغم بسيط يكلف حوالي 2000 دولار أن يُلحق أضرارًا بملايين الدولارات بالسفينة (مثل اللغم الذي أصاب المدمرة الأمريكية “يو إس إس صامويل بي روبرتس” عام 1988، والذي بلغت تكلفة إصلاحه 90 مليون دولار).
3. عدد الألغام الإيرانية وتنوعها: تمتلك إيران أكثر من 5000 لغم بحري.
4. سحب أسطول كاسحات الألغام الأمريكية القديمة: سحبت الولايات المتحدة آخر كاسحة ألغام من الخليج الفارسي في سبتمبر/أيلول 2025 وأودعتها في المخازن، بالتزامن مع قيام إيران بزرع الألغام.
5. التهديدات الإيرانية المتعددة خلال عمليات إزالة الألغام: عملية إزالة الألغام بطيئة للغاية، ويمكن لإيران مهاجمة الأسطول الأمريكي في آن واحد باستخدام زوارق سريعة (تتجاوز سرعتها 50 عقدة)، وصواريخ مضادة للسفن (مثل نور والخليج الفارسي)، وغواصات صغيرة من طراز غدير، وطائرات مسيرة.
وكتبت صحيفة الشرق الأوسط في تقرير لها: إن تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقصف إيران “حتى نعود إلى العصر الحجري” قد حطمت آمال المستثمرين في إنهاء سريع للحرب في الشرق الأوسط، وتسببت في انخفاض أسعار الأسهم، وارتفاع أسعار النفط، وارتفاع قيمة الدولار في الأسواق العالمية. يتمثل الشاغل الرئيسي في انقطاع إمدادات النفط وتصاعد التضخم، مما زاد المخاوف بشأن “الركود التضخمي” (تضخم اقتصادي مصحوب بتضخم مرتفع). ويعتقد الخبراء أنه طالما استمر الغموض بشأن فتح مضيق هرمز وإنهاء الصراع، فإن تقلبات السوق وقوة الدولار وأسعار النفط ستستمر.
في مقال كتبه القاضي عبد المغني، ناقش المسيرة إمكانية شن الولايات المتحدة هجومًا بريًا على إيران، وكتب: “قبل بدء الحرب، قدمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تنازلات تاريخية هامة لمنع الصراع، لكن ترامب الجاهل رفضها، وتأثرًا بمطالب الصهاينة، سعى إلى الإطاحة بالنظام الإسلامي وإعادة رضا بهلوي. بعد شهر من العدوان، خلصت المخابرات الأمريكية والإسرائيلية إلى أن مثل هذا الهدف مستحيل. وتصر إيران بجرأة على أن الحرب لن تنتهي إلا بشروطها. ترامب متناقض ومتوهم، ووسائل الإعلام تنقل الوضع بشكل غير واقعي. إن شن الولايات المتحدة هجومًا بريًا على إيران يكاد يكون مستحيلاً للأسباب التالية:
1. القوة البرية الهائلة لإيران (قواتها العسكرية وتعبئة أكثر من مليوني شخص)
2. الطبيعة الأيديولوجية والصلابة للجيش الإيراني
3. الخبرة الواسعة للقوات الإيرانية في المعارك البرية
4. ثقافة الجهاد واستشهاد الشعب الإيراني
5. القدرات العالية لمحور المقاومة، والتي تجلى ذلك في اليمن ولبنان وغزة
6. عدم تقبّل الشعب الأمريكي للخسائر البشرية
7. معارضة معظم الأمريكيين للحرب بسبب دعمهم لإسرائيل
8. اعتقاد الأمريكيين بهزيمة ترامب في الحرب مع إيران
9. الإغلاق الكامل لمضيق هرمز وباب المندب والصدمة النفطية للاقتصاد الغربي
10. رفض ترامب نفسه سابقًا إرسال قوات برية إلى اليمن، في حين أن إيران تمتلك قدرات أكبر بكثير.

المصدر: مهر للانباء