حسين إنتظامي/ نائب وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي
«ألكسندر دوغين» المفكر الروسي الشهير الذي يُعدّ عمليًا المنظّر الفكري لفلاديمير بوتين، علّق على استشهاد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني «علي لاريجاني» بمنشورٍ استنكاري، قال فيه: «لماذا تقتلون الفلاسفة؟»، وأشار فيه إلى حواراته مع الدكتور لاريجاني حول السهروردي.
ويُعدّ السهروردي من أعلام إيران البارزين، إذ تختلف البنية المعمارية لفلسفته اختلافًا جوهريًا عمّا أسسه الشيخ الرئيس أبو علي سينا من قبل، بحيث يمثل هذان التياران جناحي للفلسفة الإيرانية.
الفلسفة السينوية ذات المنحى الأرسطي، والتي اكتسبت لاحقًا أبعادًا جديدة مع الفلسفة الصدرائية، تقوم أساسًا على العقل. أمّا فلسفة الإشراق التي أسسها السهروردي، فإلى جانب نزعتها الأفلاطونية، تعكس أيضًا الحكمة الخسروانية الإيرانية القديمة. والعقل في هذا المذهب يتجاوز تعريفه المتداول، وقد طرح السهروردي في أحد أعماله قصة بعنوان «العقل الأحمر».
قبل أيام، وردت ملاحظات حول الشهيد لاريجاني في مقال بعنوان «العقل البارد»، وقد شكّل تعليق دوغين مناسبة للإشارة إلى أبعاد أخرى من شخصية هذا الحكيم:
1- نادرًا ما يكون السياسيون البارزون في بلدٍ ما متميزين أيضًا في مجالات الفكر والنظر، ومن مفاخرنا أن لاريجاني كان يُعرف كإنسانٍ مفكر.
2- كان لاريجاني ملمًا بالبيئة الدولية وكذلك بالمنطقة.
قال الدكتور علي ولايتي، أقدم وزير خارجية في إيران، في المناظرات الانتخاباتية لعام 1392هـ.ش (2013م): «العلاقات الدولية ليست سوى علاقات بين الأشخاص». أي إنّ العلاقات الشخصية تُكمل، بل تتفوّق على، الأنشطة الرسمية التقليدية. فالدبلوماسية ليست مجرد مظهر رسمي أو قراءة جافة للبيانات، بل هي القدرة على خلق فضاء يُنجَز فيه العمل غالبًا عبر قنوات غير رسمية، بحيث يكون الدبلوماسي جنديًا للوطن لا مجرد موظف بيروقراطي.
في هذا السياق، تُعدّ صفات مثل الجاذبية، والخبرة، وسعة الاطلاع، والمعرفة التاريخية، والاعتماد على الإرث الحضاري، والذكاء العاطفي، وحُسن المعشر، والودّ، واللباقة، والثقة بالنفس عناصر أساسية. وقد كان لاريجاني كذلك في التفاوض.
كثير من الدبلوماسيين الكبار الذين رافقوه وصفوا أسلوبه بأنّه مبتكر، مميّز، كريم، متقدّم، مثمر، ومُلهم. بل إنّ هذا التقييم ورد أيضًا في شهادات الآخرين؛ فعند مراجعة مذكّرات البرادعي وسولانا وغيرهما من كبار مسؤولي المنظمات الدولية، نجد إجماعًا على ودّيته وذكائه.
خلال فترة رئاسته الأولى للمجلس الأعلى للأمن القومي (1384–1386هـ.ش/ 2005–2007م)، ورغم الضغوط الدولية الشديدة، كان الملف النووي في طريقه للحل عبر مبادرة «الموداليتي» وغيرها، لولا العراقيل التي أدت إلى استقالته.
3- ينحدر لاريجاني من أُسرة علمية دينية مرموقة، وله جذور في حوزتي النجف الأشرف وقم المقدسة، وهما مدرستان مختلفتان. وُلِد في النجف الأشرف ونشأ في قم المقدسة، وهو ابن مرجع ديني مشهور بتخريج الطلاب. ومن الطبيعي أن تمنحه هذه الخلفية مكانة وثقة لدى الحوزة العلمية، خاصة لدى المراجع.
بعد خروجه من المجلس الأعلى للأمن القومي، قرر الدخول إلى مجلس الشورى الاسلامي (البرلمان). ورغم إصرار كثيرين على ترشحه من العاصمة، اختار مدينة قم، وقد أثبت الدعم الواسع من المراجع صحة قراره.
لاحقًا، رفض أيضًا الإنتقال إلى طهران، معتبرًا ذلك خيانة لثقة أهل مدينة قم. وقد سجل رقمًا قياسيًا برئاسته البرلمان ثلاث دورات متتالية، كونه الرئيس الوحيد الذي مثّل دائرة خارج العاصمة.
خلال هذه السنوات، كان حلقة وصل بين المراجع والنظام السياسي، كما حافظ على علاقته الوثيقة مع المرجعية في العراق، وهو ما تجلى في رسالة التعزية المؤثرة من سماحة السيد علي السيستاني.
4- من اللافت في عملية اغتياله أن الضحايا اقتصروا عليه ومرافقيه فقط، دون إصابة أي مدني. وذلك لأنه، خلال فترة تنقله المستمر، كان يصرّ على اختيار أماكن بعيدة عن الأحياء السكنية، تجنبًا لإلحاق الأذى بالآخرين. كان مدركًا لوحشية أعدائه، ومع ذلك أصرّ على هذا المبدأ، ما يعكس رقّة قلبه ومسؤوليته. فطبيعة العمل في المجالات الأمنية والسياسية قد تُقسي الروح؛ لكن المداومة على القيم الروحية تعيدها إلى صفائها، وهو سرّ إنسانيته المعروفة.
5- امتاز لاريجاني أيضًا بالإخلاص، وهي صفة نادرًا ما تُذكر. فقد كان بمنأى عن آفات السياسة، التي غالبًا ما تحكمها قواعد السعي إلى السلطة. لم يكن يُظهر إخلاصه، كما أن ذكاءه كان سببًا في سوء فهمه، إذ ظنه البعض معقدًا أو حسابيًا.
6- أبرز صفاته كانت العقلانية، وكل مَن عرفه يذكره بهذه الصفة أولًا.
بالعودة إلى «العقل الأحمر»، نجد أنه عملٌ رمزي يبدأ بقصة كيخسرو وينتهي بحكاية عرفانية. واللون الأحمر فيه يرمز إلى امتزاج النور والظلمة.
يرى السهروردي أنّ العقل ليس مجرد أداة حسابية، بل يقوم على ثلاث دعائم: الحزن، والحسن، والعشق.
وكانت عقلانية لاريجاني متكاملة بهذه الأركان الثلاثة: تحمل الألم من أجل الدين والوطن «الحزن»، وامتلاك الكمال والنضج «الحسن»، وأخيرًا «العشق» الذي أهّله لتلبية نداء «ارجعي إلى ربّك».
يقول الشاعر الإيراني الكبير حافظ الشيرازي:
«يا حافظ، إنْ سرتَ صادقًا في طريق أهل هذا البيت
فإنّ عناية حارس النجف (أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) ) سترافقك وتحرس مسيرك.»