ووفقًا لهذه الوسائل، يدرس الوسطاء الإقليميون وقفًا محتملاً لإطلاق النار لمدة 45 يومًا كجزء من اتفاق من مرحلتين قد يؤدي إلى إنهاء الحرب بشكل دائم. وأفاد مصدر مطلع لوكالة رويترز أن قائد الجيش الباكستاني كان على اتصال “طوال الليل” مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، والمبعوث الخاص ستيف ويتاكر، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
زعمت وسائل الإعلام أن هذه الجهود، التي تتوسط فيها باكستان، يمكن تقديمها كخطوة نحو تخفيف التوترات وحتى إنهاء الحرب، ولكن عند دراسة هذا المقترح وطبيعة الجهات المعتدية على إيران، نجد أنفسنا أمام خطة ناقصة، أحادية الجانب، وغير مجدية في نهاية المطاف بالنسبة لإيران. تُظهر التجارب التاريخية، والواقع الميداني، وحتى الأدبيات المتعلقة بهذا المقترح، أن وقف إطلاق النار هذا ما هو إلا فرصة لإعادة إنتاج الأزمة في المستقبل القريب، وليس وسيلة لحلها.
أول ما يتبين بوضوح في هذه الخطة هو غياب أي توازن في التزامات الأطراف. فبينما يُثار الحديث عن التزامات محتملة من جانب إيران، لا يوجد عمليًا أي إشارة محددة وملزمة إلى واجبات الجانب الأمريكي وأفعاله. وهذا يعكس رؤية راسخة في السياسة الأمريكية تُعرّف التفاوض لا كعملية ثنائية، بل كأداة لفرض مطالبها. وفي هذا الإطار، يُعدّ الاتفاق نتاجًا للضغط والإكراه.
إلا أن الواقع على أرض المعركة يُظهر صورة مختلفة. فعلى عكس الفكرة الأولية لمخططي هذا الصراع، لم ينهار الهيكل العملياتي الإيراني فحسب، بل تمكن في مناطق عديدة من الحفاظ على التوازن، بل وفرض إرادته على الطرف الآخر في بعض المواضع. إن هذه الفجوة بين “التصورات في مراكز الأبحاث” و”الواقع الميداني” هي التي تجعل هذه الخطط مبنية على أسس واهية منذ البداية. فعندما يرى أحد الطرفين نفسه في موقع قوة، بينما يرضى الطرف الآخر بالشروط، فمن الطبيعي أن تكون النتيجة اتفاقًا غير متوازن وغير مستقر.
والأهم من ذلك، التجربة التاريخية في التعامل مع مثل هذه الهدنات. ففي الذاكرة السياسية والاجتماعية، ليس فقط لدى الشعب الإيراني، بل لدى شعوب المنطقة أيضًا، لا يُنظر إلى وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على أنه نهاية للصراع، بل على أنه دخول في حالة رمادية “لا حرب ولا سلام”؛ وهي حالة تتاح فيها للطرف الآخر فرصة إعادة بناء نفسه، وفي الوقت المناسب، شن جولة جديدة من الضغط أو حتى هجوم. هذا النمط هو نتيجة لملاحظات متكررة في المنطقة.
ويمكن رؤية مثال واضح على ذلك في التطورات في غزة. في السنوات الأخيرة، أُعلن عن وقف إطلاق النار مرات عديدة بوساطة جهات فاعلة مختلفة، بما فيها الولايات المتحدة، إلا أن هذه الاتفاقات إما انتُهكت في منتصف مدتها، أو لم يلتزم الطرف الآخر بتعهداته. وفي كثير من الحالات، تحوّل وقف إطلاق النار إلى مجرد فرصة لإعادة تنظيم القوات، واستكمال سلاسل الإمداد، والتحضير للمرحلة التالية من النزاع. وبطبيعة الحال، في مثل هذه الظروف، يصعب الوثوق بفعالية وقف إطلاق النار المؤقت، لا سيما في غياب ضمانات موضوعية.
وهنا نصل إلى النقطة الأساسية: “الضمان”. لا يكون لوقف إطلاق النار أي معنى إلا إذا كان قائماً على أساس عملي وقابل للتحقق. فمجرد توقيع مذكرة تفاهم أو اتفاق هش لا يغني عن الضمانات الحقيقية.
من هذا المنطلق، يُمكن اعتبار قبول وقف إطلاق نار مؤقت لمدة 45 يوماً، خاصة في ظل غياب ضمانات التنفيذ، خطأً استراتيجياً. لأن هذا الوقف، بدلاً من أن يُسهم في ترسيخ المكتسبات، يُتيح تقويضها. فخلال هذه الفترة، يُمكن للطرف الآخر بسهولة إعادة بناء قوته العسكرية، وإصلاح البنية التحتية المتضررة، بل وحتى مراجعة استراتيجياته. إضافةً إلى ذلك، لا ينبغي إغفال الأبعاد الإقليمية لوقف إطلاق النار هذا الذي يستمر 45 يومًا. أحد السيناريوهات المحتملة هو أن تحاول الولايات المتحدة استغلال هذه الفترة لتوسيع نطاق الصراع.
وقد أثبتت التجارب أن واشنطن تسعى إلى تشكيل تحالفات عندما تعجز عن تحقيق أهدافها بمفردها. في هذا السياق، قد يصبح وقف إطلاق النار فرصةً لممارسة ضغوط سياسية وأمنية على بعض الدول العربية في المنطقة، بهدف جرّها إلى مواجهة مباشرة مع إيران.