إن استعراض ذكريات قائد الأمة الشهيد يُظهر أن أنس المطالعة والتعلّم قد وُضع فيه منذ الطفولة بجهد من والد ووالدة الأسرة، وهذا الإهتمام لم يقلّ بمرور الوقت وعلى الرغم من الإنشغالات الكثيرة، بل استمر بقوة أكبر.
كما يُظهر أسلوب مطالعته أن الأنشطة السياسية أو دراسة العلوم الدينية لم تحدّد دائرة مطالعته بموضوعات محددة. إن تعريفه بالأعمال التي ذكرها في فترات مختلفة في اللقاءات يُظهر أن الأدب والفن والعلوم الدينية والتاريخ والفلسفة وغيرها كانت كلها ضمن دائرة مطالعاته، ففي أجواء أربعينية إستشهاده نستعرض بعض ذكرياته في هذا الشأن.
شهداً حلواً استقر مع القرآن في الروح
تعلّمت القرآن منذ الطفولة من والدتي، ثم من أحد التجار الذي كانت قراءته جيدة، وكان يدير جلسات قراءة دورية في المنازل. أوكلني والدي وأخي إلى هذا الرجل المؤمن الذي كان يُدعى “الحاج رمضان علي”.
كان يحترمنا، وعلى الرغم من كونه رجلاً في الخمسين من عمره، كان يخرج من الباب خلفنا، ويجعلنا نجلس إلى جانبيه. كنت أقرأ القرآن عنده، وكان يصحح لي قراءتي.. وفي يومٍ قال لنا: “لقد وصلتم إلى مرحلة لا أستطيع فيها تعليمكم، ولن أستطيع تطويركم أكثر من هذا.”، وأوصانا بأن نذهب إلى أستاذه ــ الملا عباس ــ الذي كان يدرّس في صحن العتبة الرضوية المقدسة في السبعين من عمره.
ذهبنا ودرسنا عند ذلك الرجل. وكان من صفاته تمسكه بنسخة القرآن الهندية المطبوعة، وكان يعتقد أن النسخة الهندية على الرغم من صعوبة رسم الخط فيها، هي نسخة صحيحة. وكذلك من صفاته التمسك بسنّة السلام، سواء في بداية اللقاء أو عند الوداع؛ في حين أن العادة السائدة في إيران هي أن يسلّموا فقط في بداية اللقاء ويستخدمون عبارات فارسية أخرى عند الوداع.
درسنا عنده كتاب التجويد، وهو بالفارسية، من تأليف السيد محمد عرب زعفراني. كان هذا السيد محمد عربياً مقيماً في مشهد، وكان أستاذ مقرئنا، الملا عباس، قد تتلمذ على يديه أيضاً.
إهتماماتي
لدي ذكريات كثيرة من السنوات الست للدراسة في حوزة مشهد المقدسة، وسأذكر إحداها، وهي عبارة عن شغفي الشديد بقراءة الكتب القصصية والروايات العالمية والإيرانية المشهورة.
ربما قرأت جميع قصص “ميشال زيفاكو”، والتي تبلغ عشراً. كما قرأت قصص “ألكسندر دوما” الأب والإبن. وكذلك قرأت كل أو معظم القصص الإيرانية. إن قراءة هذه القصص والروايات لها تأثير ملحوظ على العقل وأسلوب الكتابة لدى الإنسان.
سافرت إلى العراق عدة أشهر في عام 1958م، وأخذت معي بعض الكتب التي كنت أحبها كثيراً. ثم ذهبت إلى مكتبة الشوشترية في النجف الأشرف، والتي كانت تحتوي بالصدفة على العديد من كتب عمّي ــ السيد محمد ــ وهي موقوفة هناك. قمت بنسخ بعض الكتب هناك.
ثم عدنا مع العائلة إلى إيران عبر البصرة، وأتينا من خرمشهر إلى طهران بالقطار. في طهران، فقدت الكتب مع عدة جوازات سفر. بحثت في كل مكان، وفتشت كل مكان، وذهبت إلى مستودعات السكك الحديدية، وتقصيت هناك لفترة طويلة؛ لكن دون جدوى.
عدت إلى مشهد المقدسة حزيناً ومهموماً ومؤسفاً. بعد عامين، وصلتني رسالة من سائق تاكسي، كتب فيها: “لقد وجدت حقيبة نسيت في سيارتي، فتحتها، لكن لم أجد أي عنوان لصاحبها؛ كان فيها فقط عدة كتب وجوازات سفر.
رأيت أن صاحب جوازات السفر هو رجل دين؛ فسألت عنه رجل دين في طهران، فأعطاني عنوان مسجد في مشهد المقدسة”، وهكذا عادت إليّ الكتب!
لقد قرأت آلاف القصص
أنا بسبب كثرة اطلاعي على روايات متنوعة، أستطيع إبداء الرأي. خلال هذه السنوات 30-40 سنة من عمري التي تعاملت فيها مع كتب القصة، ربما قرأت آلاف القصص لأفضل كتاب العالم، أفضل القصص التي تحتضن في طياتها مضموناً، هي تلك القصص التي تتوفر فيها كل هذه الأمور ولا تظهر نفسها، فإذا أبرزت نقطة معينة في القصة وظهر أن اتجاه القصة هو نحوها، سوف تفسد القصة.