من جبهات الحرب إلى المنابر الدولية

سيرة الشهيد خرازي في الدفاع عن إيران إعلاميًا

الوفاق/ كانت الملحمة والمقاومة تأوّلًا ينبت على جلود الرجال الذين ذهبوا للدفاع عن الوطن. وكانت الغازات التي استقرت على صدور المقاتلين تجعل أنفاسهم تتسارع وتُعدّ عدًّا. لقد استخدم نظام صدام البائد القنابل الكيميائية في جريمة حرب، وكان لابدّ من شخص يوصل صوت مظلومية إيران إلى أسماع العالم. وكان ينبغي أن يُقال للعالم إن المدافعين عن وطننا، والأطفال والنساء الأبرياء، قد وقعوا ضحايا للأسلحة الكيميائية؛ ضحايا لم تهدأ بعدُ آلامهم ومعاناتهم الكيميائية رغم مرور ما يقرب من أربعة عقود.

في تلك الأيام، كان الشهيد كمال خرازي يتولى مسؤولية مقرّ الدعاية الحربية، وقد سعى كثيرًا ليكون صوت إيران في مواجهة الحرب المفروضة التي شنّها علينا نظام البعث الصدامي.

 

ولعلّه لولا جهود الشهيد خرازي، لما كانت في تلك الأيام المضرّجة بالنار والدماء أخبار وصور عن الحرب التي استمرت ثماني سنوات لتصل إلى العالم، ولما فُتح معبرٌ يمكّن أمثال الشهيد مرتضى آويني من أن يطؤوا كربلاء إيران ويكتبوا عمّا كان يجري لجنود الإمام الخميني(رض).

 

لقد بذل الشهيد خرازي، خلال تلك السنوات، جهودًا كبيرة من أجل رفعة إيران، ونال أجر جهاده بشهادته؛ تلك الشهادة التي تحققت في الحرب المفروضة الثالثة على يد أبغض مَن عرفتهم البشرية.

 

وفي السنوات الأولى من انتصار الثورة الإسلامية، تولّى إدارة وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء “إرنا”. ويقول علي رضا مزيناني، مسؤول الدعاية في مقر خاتم الأنبياء المركزي خلال فترة الدفاع المقدس، متحدثًا عن الأيام التي كان فيها الشهيد خرازي يتولى مسؤولية إحدى أهم وسائل الإعلام في البلاد: «أظن أنني تعرّفت إلى السيد خرازي عام 1980م.

 

في تلك الأيام، كنّا في الحرس الثوري قد أنشأنا مركزًا إخباريًا كان يجمع الأخبار من أنحاء البلاد كافة، ويضعها صباحًا في متناول وسائل الإعلام. وكانت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية وهيئة الإذاعة والتلفزيون من الوسائل المرجعية. وقد كانت لنا لقاءات مع السيد خرازي في “إرنا”، ثم بعد الحرب المفروضة أصبح تعاوننا المهني أكبر مما كان عليه قبلها».

 

وبعد مدة من بدء الحرب، تقرر تشكيل مقر للدعاية الحربية كي تُدقّق أخبار الحرب وتُراجع، ثم توضع الأخبار الموثقة في متناول وسائل الإعلام. وقد أسندت مسؤولية مقر الدعاية الحربية إلى السيد خرازي.

 

وكانت وسائل الإعلام حين تريد نشر أخبار ما، تُعرض هذه الأخبار على مزيناني ممثلًا عن الحرس الثوري، وعلى ممثلين من وكالة “إرنا”، والجيش، وهيئة الإذاعة والتلفزيون، ثم يُعطى التأييد النهائي من قبل مقر الدعاية الحربية أو مجلس أخبار الحرب.

 

ومع مرور سنوات الحرب المفروضة، كانت أنشطة مقر الدعاية الحربية تتوسع أيضًا، إلى أن أقدم النظام البعثي على استخدام الأسلحة الكيميائية ضد مقاتلينا وأبناء شعبنا. وفي هذه المرحلة التاريخية الحساسة، قام السيد خرازي بإجراءات مؤثرة على الساحة الدولية.

 

ويقول مزيناني في هذا الشأن: «كان استخدام الأسلحة الكيميائية من جرائم الحرب، وقد أخذ صدام هذه الأسلحة من ألمانيا واستخدمها ضد إيران. آنذاك، قرر مقر الدعاية الحربية، بالتعاون مع وزارة الثقافة، إعداد برنامج لتمكين مراسلي وسائل الإعلام الأجنبية المقيمين في إيران، وكذلك وسائل الإعلام الأخرى التي لم يكن لها ممثلون في إيران، من زيارة الجبهات ومشاهدة المصابين بالأسلحة الكيميائية.

 

حصل الصحفيون على تأشيرات الدخول، ثم نُقلوا إلى أهواز. وكنّا نحن في الحرس الثوري نأخذ هؤلاء الصحفيين إلى المناطق التي تعرضت للقصف الكيميائي، وإلى أماكن رؤية الجرحى الكيميائيين. وكان هذا من الأعمال المهمة التي أُنجزت في مقر الدعاية الحربية».

 

ومن الإجراءات المهمة الأخرى التي قام بها الشهيد خرازي دعوةُ صحفيي وسائل الإعلام الداخلية والخارجية بعد انتصارات إيران في العمليات، لكي تُظهر هذه الوسائل نجاحات المقاتلين ومعنوياتهم أمام العالم. وكانت هذه التنسيقات، على الرغم من صعوبتها، لابدّ أن تُنجز.

 

ويروي مزيناني هذه الخطوة المهمة على النحو الآتي: «بعد نحو أسبوع إلى عشرة أيام من تحقيق الانتصار في العمليات وتثبيت مواقع مقاتلينا، كنّا، عبر مقر الدعاية الحربية، ندعو بالإضافة إلى الصحفيين المحليين، الصحفيين الأجانب أيضًا لزيارة المناطق.

 

وكان السيد خرازي ناشطًا في هذا المجال، ويدعو الصحفيين بدقة؛ وكان يطرح في المؤتمرات الصحفية السياسات العامة للدعاية الحربية، وكان شخصية مؤثرة في ما يتعلق بأخبار وسائل الإعلام الداخلية والخارجية. وكان حتى في رحلاته الخارجية يطرح مواقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي إجراءات كانت مؤثرة في تلك المرحلة الزمنية».

 

وعن شخصية الشهيد خرازي، يقول مزيناني: «ظلّ الشهيد خرازي مسؤولًا عن مقر الدعاية الحربية حتى نهاية الحرب، وبعد انتهاء الحرب أُنيطت مهام هذا المقر بالمعاونية الثقافية لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة؛ وقد كان طوال هذه الفترة يعمل بعمقٍ وحرصٍ مخلص.

 

وأذكر أننا سافرنا عام 1983م إلى كوريا الشمالية والصين واليابان من أجل تأسيس متحف الدفاع المقدس. وفي هذه الرحلة، كان الاهتمام بالتدقيق في الأمور مع التحلي بالصبر والأناة حاضرًا بقوة.

 

وكان الشهيد خرازي، من الناحية الأخلاقية، إنسانًا مهذبًا متجردًا، وكان شخصًا صبورًا. وطوال المدة التي عملت فيها معه، تعلمت منه دروسًا في الأخلاق والسلوك».

 

 

المصدر: الوفاق خاص